شهدت الساحة السورية خلال الأيام الماضية تحولات ميدانية لافتة، بعدما وسّع الجيش السوري عملياته ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكيا، متقدما في ريف حلب الشرقي وصولا إلى مناطق استراتيجية في محافظتي الرقة ودير الزور.

فقد سيطرت القوات الحكومية على مدن وبلدات حيوية مثل دير حافر وتبقة وسلسلة من السدود والحقول النفطية والغازية، في أكبر تحرك عسكري ضد “قسد” منذ وصول الرئيس أحمد الشرع إلى الحكم بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024.

 

هذه “الانتصارات” التي تحتفي بها دمشق، تثير في المقابل قلقا أمريكيا وارتباكا كرديا، وتفتح الباب أمام أسئلة صعبة حول مستقبل ترتيبات ما بعد الحرب الأهلية السورية، والعلاقة بين الحكومة الجديدة والإدارة الكردية في الشمال الشرقي.

 

من أحياء حلب إلى دير حافر.. دمشق تثبّت حضورها في الشمال

 

بدأت موجة التصعيد الحالية مع اندلاع اشتباكات في أحياء ذات أغلبية كردية في مدينة حلب، خاصة الشيخ مقصود والأشرفية، بين الجيش السوري وقوات “قسد”، انتهت بسيطرة القوات الحكومية على مناطق كانت خارج سلطة دمشق منذ سنوات، وانسحاب المقاتلين الأكراد إلى الشرق.

 

التطور الأوسع جاء في ريف حلب الشرقي؛ حيث حشد الجيش السوري قواته قرب بلدات عربية تقع غرب نهر الفرات، قبل أن يتوصل إلى اتفاق انسحاب مع “قسد” يشمل بلدة دير حافر وعددا من القرى المحيطة بها. وبالفعل انسحبت قوات “قسد”، ليدخل الجيش السوري والشرطة العسكرية إلى المنطقة، وسط مشاهد احتفاء من بعض السكان العرب الذين تحدثوا لوسائل إعلام عن “عودة الدولة” وتقليل الخسائر البشرية مقارنة بجولات سابقة من القتال.

 

هذه التحركات في الشمال لا تُقرأ فقط كاستعادة جغرافيا؛ بل كرسالة سياسية من حكومة الشرع بأنها عازمة على إنهاء أي شكل من أشكال الإدارة الموازية، والعودة إلى مركزية الدولة في إدارة المدن الكبرى والمحاور الاستراتيجية.

 

معركة النفط والغاز.. الجيش يعبر الفرات نحو شرق سوريا

 

التطور الأخطر كان في الشرق، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الثروة. فبحسب تقارير ميدانية، سيطرت القوات السورية خلال الأيام الأخيرة على حقل العمر النفطي، أكبر حقول البلاد، وحقل كونوكو للغاز في ريف دير الزور الشرقي، إلى جانب حقول أصغر مثل رأسافة وسفيان، بعد تقدّم مدعوم من عشائر عربية متحالفة مع دمشق على طول شريط يزيد عن 150 كيلومترا شرق الفرات، من الباغوز قرب الحدود العراقية حتى بلدات الشحيل والبصيرة.

 

كما سيطر الجيش على مدينة الطبقة في ريف الرقة الغربي، بما في ذلك سدّها الرئيسي وقاعدة جوية مجاورة، إضافة إلى “سد الحرية” (البعث سابقا) غرب الرقة، وهي منشآت استراتيجية تتحكم في المياه والكهرباء، وكانت تحت سيطرة “قسد” والتحالف لسنوات طويلة.

 

دمشق تعتبر أن استعادة هذه الحقول والمنشآت “استعادة لثروات منهوبة” وإعادة ضخ موارد حيوية إلى خزينة الدولة المنهكة بالحرب والعقوبات. لكن من منظور “قسد”، ما يجري خرق لاتفاقات سابقة لإعادة دمج مناطقها تدريجيا في مؤسسات الدولة، وتغيير أحادي لقواعد اللعبة فرضته القوة المسلحة.

 

في الخلفية، تلوح واشنطن؛ إذ دعت القيادة المركزية الأمريكية القوات السورية إلى وقف هجومها بين حلب والطبقة، وأرسلت طائرات للتحليق فوق مناطق التماس وإطلاق قنابل إضاءة تحذيرية، في رسالة مفادها أن التقدم الحكومي يجب ألا يهدد وجود القوات الأمريكية وبنيتها في شرقي الفرات الغني بالنفط والغاز.

 

بين “انتصارات” الشرع ومخاوف الانزلاق لصراع جديد

 

على المستوى السياسي، تحاول حكومة أحمد الشرع تسويق هذه العمليات كجزء من “مشروع استعادة وحدة الأراضي السورية” بعد 14 عاما من الحرب، خاصة أنها جاءت متزامنة مع قرارات رمزية مثل منح الأكراد حقوق المواطنة الكاملة والاعتراف بلغتهم في التعليم، في محاولة لتخفيف الاحتقان القومي وطمأنة المكوّن الكردي.

 

لكن هذه الصورة “التصالحية” تصطدم بواقع ميداني ملتهب: عشرات القتلى من الطرفين خلال اشتباكات حلب والريف، أكثر من 150 ألف نازح عاد قسم منهم فقط إلى أحيائه، ومخاوف حقوقية من أن تتحول المعارك الحالية إلى شرارة صراع عربي–كردي واسع إذا سُمح للعشائر أو التشكيلات الموالية بالحسم خارج إطار منضبط للدولة.

 

في الوقت نفسه، ما زالت مناطق كبيرة تحت إدارة “قسد” في دير الزور والحسكة والرقة، وتضم أهم حقول النفط والغاز المتبقية، بينما تحاول واشنطن تحقيق توازن شديد الحساسية بين دعم شريكها الكردي وبين التعامل مع شرع كـ“رئيس أمر واقع” لسوريا الجديدة.

 

لهذا يرى كثير من المحللين أن “انتصارات” الحكومة في الأيام الماضية تحمل وجها مزدوجا:

 

من جهة، تعيد للدولة جزءا مهما من مواردها وحدودها، وتكرّس أحمد الشرع كقائد يملك زمام القرار الميداني بعد سقوط الأسد.

 

ومن جهة أخرى، ترفع منسوب الاحتكاك مع “قسد” ومع الولايات المتحدة، وتفتح الباب أمام جولات تفاوض قاسية، أو حتى مواجهات أوسع إذا لم تُضبط إيقاعات التقدم العسكري بحسابات سياسية دقيقة تشمل حقوق الأكراد، وترتيبات الوجود الأمريكي، وضمانات عدم الانزلاق إلى حرب جديدة داخل الحرب.

 

في الخلاصة، ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد “سلسلة انتصارات” للحكومة على خصم محلي؛ بل حلقة جديدة في صراع معقد على شكل الدولة، ومَن يملك القرار في الشمال الشرقي الغني بالطاقة، وكيف ستبدو خريطة النفوذ بين دمشق وواشنطن والقوى الكردية والعشائر العربية في اليوم التالي لأي وقف جديد لإطلاق النار