في وقت يعاني فيه المستهلك المصري من موجات غلاء متلاحقة، يواجه سوق الهواتف الذكية "عاصفة كاملة" تجمع بين ارتفاع الأسعار العالمي والركود المحلي الحاد.

 

فبينما تستعد الشركات العالمية لطرح موديلات 2026، وجد تجار المحمول في مصر أنفسهم عالقين بين مطرقة "نقص الرقائق" الذي رفع الأسعار بنسبة 15%، وسندان "سياسات التسعير المجحفة" التي تفرضها الشركات المصنعة، خاصة الصينية منها.

 

هذا الوضع المتأزم دفع "غرفة الجيزة التجارية" للتحرك العاجل والدعوة لاجتماع طارئ مع كبار اللاعبين في السوق، في محاولة لإنقاذ آلاف المتاجر من شبح الإغلاق بعد عام وصف بأنه "الأسوأ" من حيث المبيعات.

 

الأزمة لا تقتصر على غلاء السلعة، بل تمتد لتضرب هوامش ربح التجار الذين باتوا يبيعون في سوق "شبه متوقف". ومع دخول قرارات حظر توريد الرقائق الأمريكية حيز التنفيذ وتأثيرها المباشر على سلاسل الإمداد، يبدو أن الأسابيع المقبلة ستحمل قفزات سعرية جديدة قد تجعل الهاتف الذكي "حلماً بعيد المنال" لقطاع واسع من المصريين، ما لم يتم التوصل لصيغة عادلة توزع الأعباء بين المصنع والتاجر والمستهلك.

 

حرب "الرقائق والرامات" تشعل الأسعار

 

يكمن السبب المباشر وراء القفزة السعرية الأخيرة في اضطرابات جيوسياسية عالمية ألقت بظلالها على السوق المحلي. يشير الخبير التقني وليد حيدر إلى أن قرار الولايات المتحدة بوقف توريد الرقائق المتطورة للشركات الصينية خلق "فجوة عرض" مفاجئة، تزامنت مع أزمة عالمية في إنتاج شرائح الذاكرة العشوائية (RAM) بسبب تحول كبار المصنعين مثل "سامسونج" و"هاينكس" لإنتاج ذواكر الذكاء الاصطناعي (HBM) الأعلى ربحية.

 

ويضيف حيدر: "السوق المصري تأثر فوراً لأن الغالبية العظمى من الهواتف المباعة فيه تعتمد على هذه المكونات. ارتفاع سعر الرامات عالمياً بنسبة 40% أجبر الشركات على تمرير التكلفة للمستهلك النهائي، مما يفسر الزيادة الحالية التي تتراوح بين 10-15%، وهي مرشحة للتصاعد مع طرح موديلات السنة الجديدة التي تتطلب مواصفات أعلى".

 

الخسائر تحاصر التجار.. و"الحوافز الوهمية" تزيد الطين بلة

 

على الجانب التجاري، يعيش أصحاب محلات المحمول أزمة وجودية. يؤكد محمد هداية الحداد، رئيس شعبة تجار المحمول وعضو غرفة الجيزة، أن عام 2025 كان "كارثياً" بكل المقاييس، حيث تآكلت رؤوس أموال التجار نتيجة الركود التضخمي. ويوجه الحداد انتقادات لاذعة للشركات الصينية (مثل أوبو، فيفو، وريلمي) التي تتبع سياسات تسعير "انفصالية" عن الواقع، وتعلن عن هوامش ربح وحوافز يصفها بـ"الوهمية" لأنها مشروطة بتحقيق أرقام مبيعات تعجيزية في سوق راكد.

 

وفي السياق ذاته، يرى الدكتور علي عبد الرؤوف الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن استمرار الشركات في تجاهل مطالب التجار بتقاسم الأعباء سيؤدي إلى "انهيار شبكة التوزيع". يوضح الإدريسي أن "التاجر الصغير يتحمل تكاليف تشغيل ثابتة (إيجار، عمالة، كهرباء) ارتفعت بنسب قياسية، بينما تصر الشركات الأم على تقليص هامش ربحه، مما يجعله الحلقة الأضعف التي قد تخرج من السوق تماماً، وهو ما سيضر بالشركات المصنعة نفسها على المدى الطويل".

 

"صنع في مصر": هل يحمي المستهلك أم الشركات؟

 

المثير للجدل أن هذه الارتفاعات تأتي رغم توطين صناعة المحمول ووجود مصانع لشركات عالمية (سامسونج، شاومي، فيفو، نوكيا) داخل مصر، تتمتع بحوافز استثمارية وإعفاءات جمركية. يتساءل أحمد العطار، المحلل المالي المتخصص في قطاع الاتصالات، عن جدوى شعار "صنع في مصر" إذا لم ينعكس على السعر النهائي للمستهلك أو يحمي التاجر المحلي.

 

يقول العطار: "كان المأمول أن توفر المصانع المحلية درعاً ضد تقلبات الأسعار العالمية وسعر الصرف، لكن الواقع يشير إلى أن الشركات تسعر منتجاتها (المحلية) وفقاً للسعر العالمي بالدولار، متجاهلة انخفاض تكلفة العمالة والشحن". ويطالب العطار بضرورة تدخل جهاز حماية المنافسة لضبط السوق، وإلزام الشركات المستفيدة من الحوافز الحكومية بتقديم "سعر عادل" يراعي القدرة الشرائية للمواطن ويضمن استمرارية التاجر، بدلاً من ترك السوق لآليات احتكارية تفرض الأمر الواقع.