تواصل آلة الدعاية الإسرائيلية نسج الأكاذيب حول الخسائر الحقيقية التي تتكبدها في حربها المفتوحة مع إيران منذ أواخر فبراير الماضي. أعلنت وزارة الصحة في حكومة الاحتلال عن أرقام هزيلة لا تتناسب مع حجم الضربات الصاروخية التي تنهال على أراضيها. هذا التلاعب المتعمد بالأرقام لا يعكس سوى حالة من التخبط ومحاولة يائسة لامتصاص غضب شارع إسرائيلي بدأ يفقد الثقة في قيادته السياسية والعسكرية. وبينما تفرض الرقابة العسكرية طوقًا حديديًا على وسائل الإعلام، تتسرب الحقيقة قطرة قطرة لتفضح هشاشة جبهة داخلية لم تعد تحتمل حرب استنزاف طويلة.
في بيان مقتضب ومثير للسخرية، زعمت وزارة الصحة الإسرائيلية أن حصيلة المصابين منذ بدء العدوان على إيران بلغت 2975 شخصًا فقط. وأشارت إلى أن 85 من هؤلاء لا يزالون يرقدون في المستشفيات. هذه الأرقام تأتي بعد سلسلة طويلة من الضربات الإيرانية التي استهدفت مواقع حيوية وقواعد عسكرية داخل العمق الإسرائيلي. كيف يمكن لحرب تدور رحاها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة أن تخلف هذا العدد المحدود من الإصابات التي وُصف معظمها بـ"الطفيفة" أو "حالات الهلع"؟
الخبير العسكري المصري العميد سمير راغب يضع الأمور في نصابها الصحيح. راغب يؤكد أن إيران تمتلك ترسانة صاروخية متقدمة، بما في ذلك الصواريخ فرط الصوتية، قادرة على إغراق إسرائيل. ويشير إلى أن هذه الصواريخ تستطيع اختراق طبقات الدفاع الجوي الإسرائيلية المتعددة، ما يجعل من المستحيل تصديق الأرقام المعلنة لحجم الخسائر. ويحذر راغب بوضوح من أن إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًا لا تستطيع معه تحمل هجمات صاروخية مكثفة لفترة طويلة.
رقابة عسكرية وتعتيم ممنهج
الأرقام المعلنة تتضمن تفاصيل تثير المزيد من الشكوك. الوزارة تحدثت عن 9 حالات خطيرة و10 متوسطة، بينما تم تصنيف 64 حالة كإصابات طفيفة. وفي محاولة لتبرير نقل العشرات إلى المستشفيات في يوم واحد، أشارت إلى استقبال 213 مصابًا خلال 24 ساعة، معظمهم يعانون من "هلع". سقوط صاروخ في قرية زرازير العربية شمالي إسرائيل أسفر وحده عن 57 مصابًا. هذا التوزيع الدقيق للأرقام يبدو وكأنه مصمم بعناية لتقليل حجم الكارثة وتصوير الوضع على أنه تحت السيطرة التامة.
لكن المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب كشف عن رقم أكثر إحراجًا للحكومة. المعهد أقر بمقتل 14 إسرائيليًا منذ بداية الحرب. هذا الرقم، رغم ضآلته، يكذب الرواية الرسمية التي تحاول نفي وجود قتلى بالكامل. وفي ظل فرض إسرائيل رقابة مشددة على كل ما يُنشر بشأن الحرب، يبقى التعتيم سيد الموقف. وسائل الإعلام العبرية ممنوعة من نشر أي صور لمواقع السقوط أو إحصائيات مستقلة عن الخسائر البشرية والمادية.
الكاتب والباحث المصري سعد الفقي يرى أن هذا التعتيم ليس صدفة، بل جزء من سياسة إسرائيلية راسخة لإدارة الأزمات. الفقي يوضح أن التصعيد الحالي هو جزء من مخطط أوسع يهدف لإعادة رسم خريطة المنطقة. وفي سياق هذا المخطط، لا يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تعترف بحجم خسائرها الحقيقية، لأن ذلك سيضرب الروح المعنوية ويعطل خططها التوسعية. التلاعب بالأرقام هنا ليس مجرد تضليل إعلامي، بل هو أداة عسكرية للحفاظ على تماسك جبهة داخلية هشة بطبيعتها.
نار إقليمية ومصالح أمريكية
العدوان الإسرائيلي-الأمريكي الذي بدأ في 28 فبراير أودى بحياة مئات الأشخاص في إيران. هذا الهجوم البربري استهدف قيادات عليا ومسؤولين أمنيين. الرد الإيراني لم يقتصر على إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل، بل اتسع ليشمل مواقع ومصالح أمريكية في دول عربية. هذه الضربات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وألحقت أضرارًا بأعيان مدنية في تلك الدول. هذا التطور الخطير ينذر بتوسع دائرة الصراع لتشمل المنطقة بأسرها.
الدول العربية المستهدفة أدانت هذا التصعيد وطالبت بالتوقف عنه فورًا. لكن إسرائيل والولايات المتحدة تواصلان صم آذانهما عن هذه المطالب وتدفعان المنطقة نحو حافة الهاوية. الخبير العسكري العقيد نضال أبو زيد يرى أن الضربات الإيرانية تحمل رسائل سياسية بالنار. ويؤكد أن التغييرات القيادية في إيران تعني تصعيدًا لا تهدئة، وأن استخدام صواريخ نوعية يعكس قرارًا استراتيجيًا بمواصلة الرد بقوة.
هذا التصعيد يضع حكومة نتنياهو في مأزق حقيقي. فهي غير قادرة على حسم المعركة عسكريًا، وفي الوقت نفسه لا تستطيع التراجع خوفًا من السقوط السياسي. الهروب إلى الأمام من خلال اختلاق أرقام وهمية للخسائر لن يغير من حقيقة أن الجبهة الداخلية تنزف. الأيام القادمة ستكشف حتمًا عن حجم الكارثة التي تحاول الرقابة العسكرية الإسرائيلية إخفاءها. الكذب قد يشتري بعض الوقت لنتنياهو وعصابته، لكنه لن يمنع الصواريخ من السقوط ولن يوقف عجلة الانهيار.

