شهدت الأسواق ارتباكًا جديدًا مع اللحظات الأولى لتطبيق قرار حكومة الانقلاب، بزيادة سعر الدولار الجمركي إلى 18.64 جنيهًا بدلًا من 17 جنيهًا، بارتفاع نسبته 9.6%.

والدولار الجمركي هو ما يدفعه المستورد من رسوم بالعملة المحلية بما يوازي الرسوم الدولارية المفروضة عليه نظير الإفراج عن البضاعة المستوردة والمحتجزة في الجمارك.

تطبق الزيادة بنفس النسبة بالدينار الكويتي واليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري، والين الياباني، على السلع المستوردة، للشركات وتلك التي يحملها الأفراد والمواطنون العائدون من الخارج.

أدى القرار الذي بدأ تطبيقه، أول يونيو الجاري، إلى ثلاثة آثار سلبية على المواطنين خاصة وعلى الدولة بصفة عامة، ونجملها في التقرير التالي:

ضغط على المواطنين

وتسببت الزيادة الجديدة للدولار الجمركي، في انتعاش نسبي بسوق الائتمان بين التجار، والموزعين والمستوردين، الذي توقف العمل به، نهاية إبريل الماضي، بسبب تراجع سعر الصرف للجنيه، بينما عبر تجار عن مخاوفهم من ارتفاع جديد في سعر الصرف للعملات الصعبة، خلال الأيام المقبلة، لما يشهده الدولار من ضغوط في الطلب، وندرة النقد الأجنبي بالبنوك وشركات الصرافة.

وأكد عدد من رجال الأعمال أنّ القرار الحكومي سيزيد من الضغوط والأعباء على المواطنين الذين سيتحملون الزيادة في أسعار جميع السلع المستوردة والمحلية، والتي بدأت موجاتها الشديدة في التصاعد، منذ تخفيض قيمة الجنيه، في إبريل الماضي، بنسبة 18%.

وقال عضو جمعية رجال الأعمال المصريين، ورئيس مجلس الأعمال المصري للاستيراد، مصطفى إبراهيم، إنّ الحكومة عندما تلجأ إلي زيادة الرسوم الجمركية على الواردات، تختار الحل الأسهل، لاعتقادها أنّ ذلك سيزيد الصادرات، ويخفض من الواردات، بينما هي تزيد من الضغوط على المستهلكين في الداخل، لأنّ الدولة تستورد 65% من الغذاء، و70% من مدخلات الصناعة، بفارق بين الصادرات والواردات يصل إلى 65 مليار دولار سنويًا.

وأوضح أن الحكومة عندما رفعت الجنيه الجمركي خلال إبريل الماضي، زادت أسعار السلع المنتجة محليًا، بنسبة تصل إلى 35%، بينما تامة الصنع محليًا، ارتفعت بحد أدنى 15%. وحذر إبراهيم من أنّ المرحلة المقبلة ستشهد تناقصًا في حجم ونوعية البضائع في الأسواق، نتيجة ارتفاع الجمارك والقيود التي وضعها البنك المركزي على فتح اعتمادات الاستيراد.

وأكد طلب جمعية رجال الأعمال من الحكومة، أن تعمل على إزالة معوقات الاستثمار والإنتاج، باعتبارهما السبيل الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى خفض الواردات وتشجيع الصادرات، والذي لن يتم عبر فرض الجمارك والضرائب.

وعلق عضو اتحاد الصناعات الهندسية، محمود خطاب، على القرار بقوله: "ربك يلطف بالجميع، فالقرار له تأثير سلبي جديد وسيدفع إلى زيادة في التكاليف والأسعار".

انكماش الاقتصاد

وتوقع رجال الأعمال أن تدفع الزيادة الجديدة الأسواق إلى مزيد من الانكماش، خاصة القطاعات الصناعية والزراعية، التي ارتفعت مكونات إنتاجها، بصورة مخيفة، خلال الشهرين الماضيين، بعدما توقفت 88% من طاقة المصانع، مع توقع بأن تزيد الأسعار، الشهر الحالي، بنسب لن تقل عن 5% للمنتجات المستوردة، وذلك حسب نوعية المنتج وأهميته للمستهلك و15% للمنتجات المحلية، مع توقع تصاعد مشكلة التسعير اليومي للمنتجات، لاستمرار حالة عدم اليقين، وحصول مصر على تقييم سلبي للمستقبل من مؤسسات دولية، بضغوط من زيادة الدين الخارجي، وندرة العملة الصعبة.

يشير تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات إلى أنّ واردات مصر غير البترولية من يناير إلى ديسمبر 2021، بلغت قيمتها 76 مليارًا و798 مليون دولار.

جاءت الأسواق الأوروبية على رأس سوق الواردات وخاصة معدات الطرق والنقل والكهرباء والسلع الاستراتيجية، بمبلغ 19 مليارا و195 مليون دولار.

واحتلت الواردات، من الصين المرتبة الثانية بقيمة 14 مليارًا و88 مليون دولار، وأغلبها سلع تكنولوجية، ومواد أولية وصناعات مغذية للسيارات والأدوية، والغزل والنسيج، والدباغة. وتأتي الواردات من الدول العربية، في المرتبة الثالثة، بنحو 6.9 مليارات دولار، وأغلبها سلع استهلاكية.

وكانت جمعية رجال الأعمال قد وجهت مذكرة لرئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، تطلب اجتماعًا عاجلًا، لبحث مشاكل المناطق الصناعية التي تعطلت مصانعها، مع وقف البنوك للاعتمادات المالية اللازمة لاستيراد مستلزمات الإنتاج من الخارج، وإزالة العوائق التي تلاحق المستثمرين، وتدفع بهم إلى تصفية أعمالهم أو الانتقال إلى العمل في دبي والسعودية والأردن.

زيادة التضخم

علاء السبع، عضو الشعبة العامة للسيارات باتحاد الغرف التجارية، أكد أن الرفع الأخير للدولار الجمركي "سيكون تأثيره سلبي ومباشر علينا، وعلى التضخم بشكلٍ عام". كاشفًا أنه سيرفع أسعار السيارات ذات المنشأ الأوروبي أو الآسيوي 2%، وذات المنشأ المختلف بنحو 6.5%.

تراجع سعر صرف الجنيه المصري بنحو 15% منذ رفع الفائدة في أول مرة هذا العام في مارس الماضي حتى الآن، ورفع البنك المركزي أسعار الفائدة 300 نقطة أساس منذ بداية العام في محاولة لامتصاص الضغوط التضخمية بالأسواق.

عليا ممدوح، محللة الاقتصاد في "بلتون" المصرية، تقول إن القرار "سيؤثر على التضخم بشكل مباشر.. يبدو أن هناك ضغطًا على العملة".

قفزت أرقام التضخم في المدن بشكل قوي، متأثرة باستمرار فورة أسعار الغذاء العالمية، لتسجل 13.1% في أبريل على أساس سنوي، مقابل 10.5% في مارس، وهو أعلى مستوى للأرقام منذ النصف الأول في 2019.

خلال الشهور الأخيرة، تخطّت أرقام التضخم الرقم المستهدف من قِبل البنك المركزي البالغ 7% (بزيادة نقطتين مئويتين أو أقل) حتى نهاية 2022. وكان التضخم قد قفز بعد أن حررت الدولة سعر صرف الجنيه في نهاية 2016.

قال أحد كبار مستوردي الأجهزة المنزلية، طالبًا عدم الكشف عن هويته: "بالتأكيد التكلفة ستزيد أكثر، وبالتالي الأسعار ستقفز. لكن المشكلة الأكبر هي أننا لا نستطيع الاستيراد حاليًا بسبب التعقيدات البنكية وعدم توافر العملة الصعبة بسهولة".