تشكل ارتفاعات التضخم وبطء تعافي سلاسل الإمداد والتوريد وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء، ضغوطًا على البنوك المركزية حول العالم، مما جعلها تسلك مسار التشديد النقدي، وتتجه إلى رفع الفائدة على نحو متتالي.
سباق الفائدة
سباق البنوك المركزية حول زيادة أسعار الفائدة يزيد بالتبعية الطلب على الاستثمار في عملتها المحلية، الأمر الذي زاد من حدة المنافسة حول التدفقات النقدية "الأموال الساخنة" بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة.
يصف صندوق النقد الدولي الوضع الحالي بـ"الهشاشة" مضيفًا: "أسعار فائدة الاقتصادات المتقدمة سترتفع أكثر، و"مزاج" المستثمرين تجاه اقتصادات الأسواق الصاعدة يمكن أن يتدهور".
بداية، الأموال الساخنة هي شكل من أشكال الاقتراض تكمن صورتها في استثمارات أذون الخزانة أو السندات ذات أسعار الفائدة العالية في الاقتصاديات النامية، لكن سرعان ما تهرب هذه الأموال في حالة لجوء بلد آخر إلى تبني أسعار فائدة أعلى، وقد تكون ذات أثر صحي في ظروف معينة.
لماذا مصر؟
نستعرض في التقرير التالي أثر ذلك على أحد أهم الأسواق الناشئة في العالم، وهو الاقتصاد الوطني باعتباره أحد الاقتصادات التي تأثرت بشدة نتيجة التوترات الجيوسياسية الجارية.
وقال رئيس وزراء حكومة الانقلاب، مصطفى مدبولي: "حجم الأموال الساخنة التي خرجت من مصر منذ بداية العام وصل إلى 20 مليار دولار".
واتفق عدد من بنوك الاستثمار على أن سبب خروج هذه الأموال نتيجة توجه الفدرالي الأمريكي إلى رفع الفائدة لأعلى معدل منذ عقدين في محاولة للسيطرة على معدلات التضخم التي بلغت ذروتها منذ 40 عامًا.
نتج عن هذا الأمر، ارتفاع الدولار لأعلى مستوى له منذ 20 عامًا أمام جميع العملات الرئيسة، وارتفعت العوائد على السندات الأمريكية، وهو ما أثر سلبًا على تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة.
ظروف غير مثالية
وتشرح نائبة رئيس قسم البحوث للاقتصاد الكلي، بشركة زيلا كابيتال، آية الزهيري، أن الفترة الحالية غير مثالية للأسواق الصاعدة "الناشئة"، وتقول إن إعلان الفدرالي الأمريكي عن خطته للتشديد النقدي بدءًا من شهر يونيو المقبل، تزامنًا مع رفع الفائدة، يعتبر مستوى غير مسبوق من التشديد، وهو ما يؤثر على تقييم الأصول في الأسواق الناشئة.
وأضافت الزهيري في تصريحات صحافية "في ظل هذه الظروف من غير المتوقع أن تستعيد الأسواق الناشئة جزءًا من قوتها أو زخمها قبل فترة التشديد النقدي، ومن المتوقع لفترة طويلة أن يكون حجم السيولة الدولارية منخفضًا، وبالتالي تراجع حجم التدفقات الأجنبية لأصول الأسواق الناشئة، وهو ما يضع الأصول المقومة بالعملات المحلية في الأسواق الناشئة تحت ضغط".
ما انعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني؟
رغم اتفاق البنوك الاستثمارية على سبب هروب الأموال الساخنة بشكل خاص وكذلك الأسواق الناشئة بوجه عام، إلا أنهم اختلفوا في تقديراتهم حول قدرة اجتذاب السوق الوطني على مثل هذه الأموال على مدار عام 2022.
وتوقع الرئيس المشارك لقسم البحوث ببنك الاستثمار سي آي كابيتال، منصف مرسي، وصول حجم الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة بنهاية عام 2022، ما بين 2 إلى 3 مليار دولار.
أما مساعد مدير ومحلل الاقتصاد الكلي في أرقام كابيتال، نعمان خالد، فقد قدر حجم الأموال الساخنة المتدفقة إلى مصر بـ 10 مليارات دولار للفترة نفسها المذكورة سالفًا.
لكن رئيس قسم البحوث بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، عمرو الألفي، رجح استمرارية خروج الأموال الساخنة في ظل الأوضاع الحالية، إذا لم يتم أي طروحات كبيرة تسهم في اجتذاب تدفقات جديدة، وفقًا لـ"CNBC" عربية.
واتفقت محللة الاقتصاد الكلي بشركة زيلا كابيتال، مع الألفي، ورأت صعوبة عودة استثمارات الأجانب في الأموال الساخنة بكثافة الفترة الراهنة.
يُذكر أن سعر الفائدة على الجنيه حاليًا عند 11.25% للإيداع، و12.25% للإقراض.
ما مبررات توقعات بنوك الاستثمار؟
اختلفت مبررات توقعات بنوك الاستثمار على هروب الأموال الأجنبية.
فقالت "سي آي كابيتال" إن توجه البنك المركزي نحو مزيد من رفع الفائدة سيقلل من خروج آخر للاستثمارات غير المباشرة، وقد يجذب تدفقات جديدة لكن بصورة قليلة.
ورأت "أرقام كابيتال" أن الاتفاق مع صندوق النقد، والاستثمارات الخليجية المقبلة، من شأنهما توفير سيولة دولارية سيكون لها القدرة على جذب مزيد من المستثمرين في الأذون والسندات.
وذهبت "برايم" إلى أن ارتفاع الفائدة الأمريكية يزيد من مخاطر الاستثمار في الاقتصادات الناشئة، لأنها ستضغط على أسعار السندات سلبًا.
ومن وجهة نظر "زيلا" أن اتجاه المستثمرين حاليًا نحو الدولار الأمريكي، والهدف الأساسي لمصر الآن هو وقف نزيف خروج الاستثمارات الأجنبية منها.
وكانت نقطة الاختلاف الذي لا يفسد للمضمون قضية بين محللي الاقتصاد الكلي هي تقديرات حجم الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، لكن الجميع اتفق على صعوبة الأوضاع خاصة في ظل استمرارية أزمة روسيا وأوكرانيا، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار السلع، وتزايد معدلات التضخم.
ما مصير الجنيه؟
يرى محافظ البنك المركزي، طارق عامر، أن تحرك الفدرالي نحو رفع الفائدة "غير مقلق".. وتعهد بأن الاستثمار في الجنيه سيكون أكثر ربحية من العملات الأخرى.
ولهذا، رفع البنك المركزي الفائدة بواقع 3% منذ بداية العام، وخفض قيمة الجنيه لأكثر من 15% منذ مارس الماضي، ويبدو أنه ينتهج سياسة المرونة في سعر الصرف.
وعلى مدار الأيام الماضية شهد الدولار تذبذبًا واضحًا أمام الجنيه، إذ كان عند 18.23 جنيه للشراء، و18.29 جنيه للبيع مطلع الأسبوع، لكنه يتداول حاليًا عند 18.53 جنيه للشراء و18.64 جنيه للبيع.
وأسهمت التغيرات الجيوسياسية العالمية، في هبوط صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي إلى سالب 221.3 مليار جنيه في نهاية مارس من سالب 51.69 مليار جنيه في الشهر السابق، منخفضًا لستة أشهر متتالية من موجب 186.3 مليار جنيه في نهاية سبتمبر 2021، بحسب بيانات البنك المركزي.
ووفقًا لمحللين، فقد أدت هذه التغيرات إلى زيادات كبيرة في أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، وأثرت بشكل حاد على أعداد السياح الروس والأوكرانيين الوافدين، وهو ما قد زاد من الضغوط المالية على مصر.

