تعيش حركة التجارة الدولية في مياه البحر الأحمر تحولاً قسرياً واسعاً، بعدما أجبرت التوترات العسكرية ناقلات النفط وسفن الحاويات على هجر الممرات المائية التقليدية والاتجاه صوب القارة الأفريقية، لتتكبد قناة السويس خسائر مالية فادحة تعصف باقتصاد مصر الواقع تحت وطأة الديون الخارجية وانهيار العملة المحلية.
وتتصاعد تداعيات هذا الاضطراب مع تفعيل خطوط إمداد برية في السعودية والإمارات، ما يؤدي إلى تهميش الممر الملاحي المصري بصورة شبه دائمة، وسط سياسات حكومية عاجزة عن تقديم بدائل حقيقية لحماية عوائد الخزانة العامة من التآكل المستمر نتيجة التوترات الإقليمية المتفاقمة منذ شهر أكتوبر الماضي.
بدائل الطاقة الخليجية تتجاوز الممرات البحرية
وفي مقدمة هذه التغيرات الهيكلية، عمدت الرياض وأبوظبي إلى استغلال البنية التحتية للأنابيب الممتدة بعيداً عن المضائق الساخنة، لتأمين تدفقات الخام نحو الأسواق الاستهلاكية في آسيا وأوروبا، وهو ما يعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية دون الحاجة إلى المخاطرة بعبور ناقلاتها من خلال بوابات بحرية مضطربة.
وعلى الصعيد السعودي، ضاعفت شركة أرامكو تشغيل خط أنابيب شرق غرب الممتد لمسافة 1200 كيلومتر لنقل 5 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع، متيحة لأسطولها تصدير النفط بحرية، ومقلصة الاعتماد على الملاحة البحرية المعرضة لضربات مباشرة، الأمر الذي يعزل إيرادات مصر عن حركة النفط المتجهة غرباً.
وبالتوازي مع ذلك، كثفت دولة الإمارات ضخ الإمدادات عبر خط أنابيب حبشان الفجيرة البالغ طوله 360 كيلومتراً، لتصل طاقته اليومية إلى 1.8 مليون برميل تُشحن من بحر عُمان، متجاوزة مضيق هرمز بالكامل، ومكرسة واقعاً جديداً يمنح الموانئ الخارجية أفضلية استراتيجية على حساب المجاري الملاحية المحاصرة بالأزمات.
وفي إطار هذا التحول، تتزايد قدرة مصافي الساحل الغربي للسعودية وموانئ الفجيرة على تلبية الطلب الغربي والآسيوي، مقلصة الحاجة للمرور عبر قناة السويس، الأمر الذي ينعكس سلباً على حركة ناقلات النفط المتجهة شمالاً، ويفقد الموازنة المصرية عوائد محورية في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية.
من جانبه، يوضح خبير أسواق الطاقة ومستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة الدكتور أنس الحجي، أن شبكات الأنابيب البرية تمنح المنتجين الخليجيين مرونة فائقة لتفادي بؤر الصراع، مؤكداً على أن الاستغناء التدريجي عن المضائق يقلص بصورة حتمية حصة مصر التاريخية من رسوم عبور ناقلات البترول العالمية.
إضافة إلى ذلك، تبرز هذه التحركات عزلة السياسات الاقتصادية الإقليمية عن التنسيق المشترك، حيث تسعى كل عاصمة لحماية مصالحها الفردية، بينما تترك القاهرة وحيدة في مواجهة انحسار حركة التجارة الدولية، الأمر الذي يضع ضغوطاً متعاظمة على الجنيه المصري ويزيد من حدة الركود في الأسواق الداخلية.
التفاف التجارة الدولية يفاقم نزيف القناة
بموازاة أزمة الطاقة، أعلنت كبرى شركات الملاحة العالمية ومنها ميرسك وإم إس سي وسي إم إيه تحويل سفن الحاويات حول القارة السمراء، مفضلة طريق رأس الرجاء الصالح رغم بعده الجغرافي، لتفادي الهجمات المسلحة في البحر الأحمر، ما وجّه ضربة قاصمة لشريان التجارة الأهم في مصر.
وتترتب على هذا الالتفاف أعباء لوجستية ثقيلة تزيد زمن الرحلة البحرية بين آسيا وأوروبا بما يتراوح بين 10 أيام و14 يوماً، قاطعة مسافة إضافية تصل إلى 4000 ميل بحري، مما أدى إلى ارتباك سلاسل التوريد وارتفاع نفقات الوقود بنسب غير مسبوقة على الشركات والمستهلكين حول العالم.
ونتيجة لهذا الهروب الجماعي، هوت حركة العبور في قناة السويس بنسبة تخطت 50% خلال الأشهر الماضية، فاقدة أكثر من نصف إيراداتها الدولارية التي كانت ترفد الموازنة بنحو 10 مليارات دولار سنوياً، ما عرى هشاشة الاعتماد على المورد الواحد في ظل غياب الرؤية الإنتاجية للاقتصاد المصري.
في السياق عينه، يؤكد أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة الدكتور مدحت نافع، أن خسارة القناة لعائداتها تحرم الدولة من سيولة أجنبية ملحة لسداد أقساط الديون الخارجية، لافتاً إلى أن تفريعة القناة لم تحصن الاقتصاد أمام الصدمات الجيوسياسية، بل كبّلت المالية العامة بالتزامات داخلية وخارجية باهظة الكلفة.
من جهتهم، يرى خبراء المعارضة السياسية والاقتصادية أن إنفاق مليارات الدولارات على مشاريع التفريعة بقرار من قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي كان استنزافاً للاحتياطي النقدي دون جدوى وقائية، مشيرين إلى أن تصاعد الديون وتراجع الإيرادات يبرزان عمق الخلل في إدارة الأصول الاستراتيجية العامة.
خطط النقل الإقليمية تعيد توزيع المكاسب
وتوازياً مع التحولات البحرية، نشطت مشروعات النقل البري متعدد الوسائط لتجاوز الممرات المائية المضطربة نهائياً، حيث بدأ تسيير شاحنات تنطلق من موانئ دبي والبحرين عبر الأراضي السعودية والأردنية وصولاً إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، لنقل البضائع الحيوية والسلع الاستهلاكية دون انتظار هدوء التوترات البحرية.
علاوة على ذلك، تسارعت الخطى لدراسة وتطوير مشروعات استراتيجية عابرة للحدود مثل طريق التنمية العراقي الرامي لربط ميناء الفاو الكبير بتركيا ومنها لأوروبا، إلى جانب الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بهدف بناء شبكات سككية وبرية تقلص الاعتماد الكامل على القنوات المائية الإقليمية مستقبلاً.
وفي الاتجاه ذاته، يتحرك ممر النقل الدولي شمال جنوب الذي يربط روسيا والهند عبر الأراضي الإيرانية لتقديم بديل شحن قارّي متكامل، وهو ما يهدد بخسارة قناة السويس لقسم معتبر من تجارة الترانزيت الدولية بصورة هيكلية تستمر حتى بعد انتهاء الصراعات المسلحة الراهنة في المنطقة.
وعلى نحو متصل، حصدت موانئ طنجة المتوسط وديربان ولاس بالماس مكاسب تجارية كبرى بفضل تقديم خدمات التزود بالوقود والصيانة لآلاف السفن الملتفة، بينما رفعت شركات الشحن البحري رسوم النقل الفوري لتعويض التكاليف، محققة أرباحاً تشغيلية مضاعفة على حساب نزيف الموانئ المصرية والمستهلكين في الشرق الأوسط.
وفي هذا الصدد، يشير عضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس الأسبق خبير النقل البحري وائل قدور، إلى أن الأزمة لا تقتصر على خسائر مالية عابرة، بل ترسخ تحالفات نقل بديلة تخرج مصر من قلب التجارة الدولية، مؤكداً على أن استعادة السفن تتطلب حلولاً سياسية جذرية للأزمات المشتعلة.
ختاماً، تبرهن التحولات الراهنة في حركة التجارة العالمية على أن السياسات الاقتصادية المنفردة تعجز عن توفير الحماية للموارد السيادية، في وقت يتسارع فيه تشييد البدائل القارية والبحرية، لتظل قناة السويس رهينة لحسابات التوتر الإقليمي وسط تفاقم الأزمات المعيشية والمالية التي تثقل كاهل الشعب المصري يومياً.

