أدرجت منظمة مراسلون بلا حدود قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ضمن قائمتها لعام 2026 لأعداء حرية الصحافة، تزامناً مع اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب، محملة إياه مسؤولية مباشرة عن تحويل مصر لأكبر سجن للصحفيين بالمنطقة.
وجاء هذا الإدراج ضمن الفئة الأمنية التي تضم 33 شخصية وجهة، متضمناً اتهامات صريحة باستهداف المؤسسات الإعلامية المستقلة، وذلك في ظل تراجع مصر للمرتبة 169 من أصل 180 دولة بمؤشر حرية الصحافة العالمي.
إدراج أمني وتراجع مؤشرات الصحافة
وفي هذا السياق، استندت المنظمة في تصنيفها إلى سلسلة انتهاكات موثقة شملت إغلاق مواقع صحفية وملاحقة العاملين فيها، معتبرة أن استخدام القوانين وتلفيق اتهامات بنشر الأخبار الكاذبة بات أداة ممنهجة لقمع حرية التعبير بالبلاد.
وبدوره، أوضح جوناثان داغر، رئيس مكتب الشرق الأوسط في المنظمة، أن التطورات الأخيرة تمثل إعلان حرب على الصحافة المستقلة، مؤكداً أن المحاكمات الصورية شابتها مخالفات إجرائية خطيرة تهدف صراحة إلى إسكات الأصوات الحرة المتبقية.
كما تشمل قائمة أعداء الصحافة 5 فئات رئيسية تتنوع بين السياسية والأمنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، مستهدفة تسليط الضوء على أبرز المسؤولين الذين يستخدمون سلطاتهم ونفوذهم لترهيب الصحفيين وفرض الرواية الرسمية الأحادية بقوة الدولة.
بينما لم يكن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الاسم البارز الوحيد بالقائمة، حيث جاوره قادة آخرون استخدموا أدوات القمع ذاتها، مسجلين حضوراً لافتاً في سجلات استهداف وسائل الإعلام عبر الاعتداءات المباشرة أو الضغوط المالية.
ولم تنفصل هذه المؤشرات عن التطورات الميدانية المتلاحقة، إذ وضعت المنظمة ملفي موقع مدى مصر ومنصة متصدقش في صدارة مبررات الإدراج، مشيرة إلى تصعيد غير مسبوق في حملة السلطات ضد الكيانات الصحفية المستقلة.
أحكام قضائية وملاحقة المنصات المستقلة
وتجسدت هذه الحملة في حكم أصدرته محكمة جنح القاهرة الجديدة أواخر أكتوبر الماضي، قاضياً بإدانة لينا عطا الله رئيسة تحرير موقع مدى مصر بتهمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، فارضاً غرامة مالية باهظة.
إذ بلغت قيمة الغرامة 3 ملايين جنيه لتمثل الحد الأقصى للعقوبة، مقترنة بقرار إغلاق الموقع والتحفظ على كافة ممتلكاته، متجاهلة مساعي الإدارة للحصول على التراخيص اللازمة منذ عام 2018 دون أي استجابة حكومية متوقعة.
وعقب صدور الحكم، جرى اقتياد رئيسة التحرير للاحتجاز الفوري، قاضية أكثر من 7 ساعات خلف القضبان، قبل الإفراج عنها لاحقاً إثر سداد الغرامة المفروضة، وسط تجاهل قضائي لطلبات الدفاع بالاطلاع على مستندات القضية.
وتزامنت هذه الإجراءات مع اقتحام مقار صحفية أخرى، حيث طالت الحملة الأمنية 6 صحفيين من منصة متصدقش للتحقق من المعلومات، ليتم اقتيادهم إلى مقار احتجاز غير معلومة ضمن سلسلة استهدافات ممنهجة للصحافة الاستقصائية.
وهنا بين شريف منصور، منسق برنامج الشرق الأوسط في لجنة حماية الصحفيين، أهمية تشديد الضغوط الدولية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، لافتاً إلى ضرورة التدخل العاجل لإنهاء مأساة احتجاز الصحفيين المستمر وضمان سلامتهم المهنية.
فضلاً عن توثيق المؤسسات الحقوقية لهذه الانتهاكات وتشكيلها جبهة دولية للضغط، مطالبة السلطات بإسقاط كافة الاتهامات الملفقة، ومشددة على خطورة استخدام النصوص القانونية الفضفاضة كغطاء شرعي لتقييد حرية النشر ومصادرة استقلالية غرف الأخبار.
تنديد حقوقي وتدفقات تمويل أجنبية
ولم تقتصر التحركات على مراسلون بلا حدود، بل امتدت لتشمل جهوداً توثيقية من هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، راصدة بدقة حالات الاختفاء والاعتقال التعسفي والملاحقات المستمرة بحق المدافعين عن حرية التعبير بمصر.
وبالتوازي، شدد عمرو مجدي، الباحث الأول بمنظمة هيومن رايتس ووتش، على بطلان إجراءات محاكمة طاقم مدى مصر، مطالباً بوقف الملاحقات الأمنية للعاملين بمنصة متصدقش، ومحذراً من التداعيات الوخيمة لاستمرار هذا النهج القمعي المتصاعد.
وفي مقابل هذه التحركات المدافعة عن الصحافة، برزت تساؤلات حول طبيعة الموارد المالية للمنظمات الدولية، حيث كشفت التقارير أن المنح العامة الحكومية شكلت 65 بالمئة من إجمالي إيرادات مراسلون بلا حدود خلال العام.
إذ بلغت الميزانية التشغيلية 8 ملايين يورو، متضمنة تمويلات مباشرة من الوكالة الفرنسية للتنمية التي أسهمت بنحو 5 ملايين يورو لدعم وحماية الصحافة في 66 دولة حول العالم عبر برامج مساندة وتطوير مستدامة.
كما أظهرت البيانات المالية تلقي دعومات قاربت مليوني يورو من الاتحاد الأوروبي، ومبالغ مماثلة من الخارجية الهولندية، فضلاً عن 950 ألف يورو من السويد لتعزيز الديمقراطية ومساندة المؤسسات الصحفية المستقلة قانونياً ومهنياً.
وأخيراً، حافظت المنظمة على سياسة تنويع المصادر واعتماد رقابة مالية صارمة لضمان استقلاليتها، مؤكدة أن البيانات السنوية المنشورة بشفافية تظل المرجعية الوحيدة للرد على محاولات التشكيك الممنهجة التي تطلقها الأنظمة المعادية لحرية الإعلام.

