أدرجت منظمة «مراسلون بلا حدود» قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ضمن قائمتها لعام 2026، التي تضم 33 شخصية وجهة حول العالم وصفتها بأنها من «أعداء حرية الصحافة»، على خلفية ممارسات تستهدف تقييد الإعلام المستقل، والحد من وصول المواطنين إلى المعلومات، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الأمنية والقضائية ضد صحفيين ومؤسسات إعلامية في مصر خلال الأسابيع الأخيرة.
وقالت المنظمة، إن الشخصيات والجهات المدرجة في القائمة لجأت إلى أساليب متعددة لتقويض حرية العمل الصحفي، من بينها الاعتقالات والقتل والاعتداءات الجسدية والملاحقات القضائية، إلى جانب حملات التشهير والضغوط الاقتصادية والتدخل في السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية.
ويأتي إدراج السيسي في القائمة في وقت تشهد فيه الساحة الإعلامية المصرية تطورات متلاحقة، شملت توقيف أعضاء فريق تحرير منصة «متصدقش» المتخصصة في تدقيق المعلومات، إلى جانب صدور حكم قضائي بإغلاق موقع «مدى مصر»، وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله ثلاثة ملايين جنيه، في إجراءات أثارت مخاوف بشأن مستقبل الصحافة المستقلة في البلاد.
مصر أكبر سجن للصحفيين بالشرق الأوسط
وفي تقييمها لأوضاع الصحافة المصرية، قالت «مراسلون بلا حدود» إن السلطات كثفت منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2013 حملتها ضد وسائل الإعلام المستقلة، معتبرة أن مصر أصبحت أكبر سجن للصحفيين في منطقة الشرق الأوسط.
وأشارت المنظمة إلى وجود 26 صحفيًا وعاملًا في المجال الإعلامي داخل السجون المصرية، وفق الحصيلة التي اعتمدتها في تقريرها، معتبرة أن استمرار احتجاز هذا العدد يعكس حجم القيود المفروضة على العمل الصحفي، في ظل ملاحقات أمنية وقضائية تطال صحفيين ومؤسسات إعلامية.
ولفت التقرير إلى أن الإجراءات ضد الصحافة المستقلة شهدت تصعيدًا ملحوظًا خلال الأسابيع الأخيرة، مع استهداف مؤسسات إعلامية معروفة بتغطيتها المستقلة وتناولها ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية، وهو ما اعتبرته المنظمة جزءًا من نهج أوسع للحد من التعددية الإعلامية.
واختارت المنظمة واقعتين رئيسيتين للاستدلال على هذا التصعيد، تتعلق الأولى بالقبض على أعضاء فريق تحرير منصة «متصدقش»، والثانية بالحكم الصادر ضد رئيسة تحرير «مدى مصر»، وما ترتب عليه من إجراءات تستهدف استمرار عمل الموقع.
اعتقالات جماعية لفريق متصدقش
وتناولت المنظمة اعتقال ستة صحفيين يعملون بمنصة «متصدقش» خلال الفترة من 28 إلى 30 سبتمبر الماضي، وهم محمد أشرف أبو عميرة، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل.
وجاءت الاعتقالات في إطار حملة استهدفت فريق المنصة المتخصصة في التحقق من المعلومات ومراجعة الأخبار والتصريحات المتداولة، قبل احتجاز الصحفيين بمعزل عن العالم الخارجي لعدة أيام، وفق ما أورده التقرير.
وبعد ذلك، عُرض الصحفيون على نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، حيث وُجهت إليهم اتهامات من بينها «الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها»، و«نشر أخبار كاذبة»، و«استخدام حساب على مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لها».
واعتبرت «مراسلون بلا حدود» أن استهداف فريق تحرير المنصة يمثل مؤشرًا على تصاعد الضغوط المفروضة على الصحافة المستقلة، خصوصًا المؤسسات التي تعمل في مجال تدقيق المعلومات ومراجعة الروايات المتداولة، في وقت أصبحت فيه المنصات الرقمية أحد المصادر المهمة أمام الجمهور للحصول على معلومات بديلة.
وتكتسب القضية أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة عمل «متصدقش»، التي تعتمد على فحص المعلومات والتصريحات والأخبار المنشورة، وهو نشاط يرتبط بصورة مباشرة بحق الجمهور في الوصول إلى معلومات دقيقة، وقدرة الصحفيين على ممارسة دورهم الرقابي دون التعرض للملاحقة.
إغلاق مدى مصر وغرامة 3 ملايين جنيه
أما الواقعة الثانية، فتتعلق بالحكم الذي أصدرته محكمة جنح القاهرة الجديدة في 27 أكتوبر الماضي، بإدانة لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، بتهمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص.
وقضت المحكمة بتغريم عطا الله ثلاثة ملايين جنيه، مع إصدار قرار بإغلاق الموقع ومصادرة معداته وأجهزته، في حكم يمثل ضربة جديدة للمؤسسة الإعلامية التي تعد من أبرز المنصات الصحفية المستقلة في مصر.
وبحسب تقرير المنظمة، أعقب صدور الحكم احتجاز لينا عطا الله لأكثر من سبع ساعات، قبل الإفراج عنها لاحقًا.
ورأت «مراسلون بلا حدود» أن القضية تأتي ضمن سياق أوسع من التضييق على المؤسسات الإعلامية المستقلة، إذ لا تقتصر تداعياتها على العقوبة المالية المفروضة على رئيسة التحرير، وإنما تمتد إلى مستقبل الموقع نفسه وقدرته على مواصلة نشاطه الصحفي.
كما يثير قرار الإغلاق ومصادرة المعدات تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الصحفية المستقلة على الاستمرار في العمل، خصوصًا في ظل ما تواجهه من قيود قانونية وإدارية وضغوط متزايدة، قد تؤدي إلى تقليص مساحة التغطية الصحفية المستقلة داخل البلاد.
الأخبار الكاذبة اتهام متكرر ضد الصحفيين
وفي معرض تحليلها للأساليب التي تستخدمها السلطات في مواجهة الصحافة، وصفت المنظمة اتهامات نشر الأخبار الكاذبة والانضمام إلى جماعات إرهابية وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بأنها «السلاح المفضل» في التعامل مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المستقلة.
وأشارت إلى أن هذه الاتهامات تتكرر في القضايا المرتبطة بالعمل الصحفي، وتُستخدم لملاحقة العاملين في وسائل الإعلام، بما يضع الصحفيين أمام مخاطر قانونية وأمنية قد تؤثر في قدرتهم على أداء مهامهم المهنية.
وتعتبر المنظمة أن توظيف هذه الاتهامات في مواجهة الصحافة يساهم في خلق مناخ من الخوف والرقابة الذاتية، إذ يصبح الصحفيون أكثر حذرًا في تناول القضايا العامة، خشية التعرض للاعتقال أو التحقيق أو الملاحقة القضائية.
ولا يقتصر تأثير هذه الممارسات على الصحفيين الذين تطالهم الإجراءات بصورة مباشرة، بل يمتد إلى المؤسسات الإعلامية الأخرى، التي قد تتجه إلى تجنب الملفات الحساسة أو الحد من نشر التحقيقات والتقارير التي تتناول أداء السلطات والسياسات العامة.
تصريحات السيسي ومنصات تدقيق المعلومات
واستشهد تقرير «مراسلون بلا حدود» بتصريحات أدلى بها السيسي خلال «منتدى مصر» في أكتوبر الماضي، تحدث فيها عن قدرة جهات غير محددة على التأثير في مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي وتوجيه الرأي العام.
وربطت المنظمة بين هذه التصريحات وعرض مقطع مصور حذر من منصات تدقيق المعلومات، واستخدم شعار «متشيرش»، الذي اعتبرته محاكاة لاسم منصة «متصدقش».
ويأتي هذا الربط في سياق انتقاد المنظمة للخطاب الذي يستهدف منصات التحقق من المعلومات، خصوصًا في ظل الدور الذي تؤديه هذه المنصات في مراجعة التصريحات الرسمية والأخبار المتداولة، وكشف المعلومات غير الدقيقة أو المضللة.
وتشير هذه الواقعة، بحسب قراءة المنظمة، إلى أن الضغوط على الصحافة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية والقضائية، وإنما تشمل أيضًا حملات إعلامية وخطابات عامة قد تسهم في التشكيك في المؤسسات التي تعمل على التحقق من المعلومات، والتأثير في ثقة الجمهور بها.
مصر في المرتبة 169 عالميًا
وعلى مستوى المؤشرات الدولية، تحتل مصر المرتبة 169 من بين 180 دولة وإقليمًا في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، وفق بيانات «مراسلون بلا حدود»، بعدما سجلت 24.92 نقطة من أصل 100.
وتعكس هذه المرتبة استمرار وجود مصر ضمن الدول التي تواجه أوضاعًا صعبة فيما يتعلق بحرية الصحافة، رغم تقدمها مركزًا واحدًا مقارنة بالعام السابق، عندما جاءت في المرتبة 170.
ويعني هذا التحسن المحدود في الترتيب أن مصر لا تزال بعيدة عن المراتب المتقدمة في المؤشر، في ظل استمرار المشكلات المرتبطة بحرية العمل الصحفي، والضغوط القانونية والأمنية والاقتصادية التي تواجه المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها.
ويأتي إدراج السيسي ضمن قائمة «أعداء حرية الصحافة» ليضيف بعدًا جديدًا إلى الانتقادات الدولية الموجهة لأوضاع الإعلام في مصر، خصوصًا مع تزامن الإعلان عن القائمة مع اعتقالات صحفيين وإجراءات قضائية ضد مؤسسات مستقلة.
وتضم قائمة المنظمة لعام 2026 إجمالي 33 شخصية وجهة، تقول إنها تستخدم نفوذها أو سلطاتها لفرض قيود على الصحافة، سواء من خلال الاعتقال والملاحقات القضائية أو الاعتداءات وحملات التشهير والضغوط الاقتصادية، بما يحرم الجمهور من حقه في الحصول على المعلومات ويقوض استقلال المؤسسات الإعلامية.

