أقرت حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي حزمة تقشفية قاسية تشمل تقليص إمدادات الغاز لمصانع الأسمدة بنسبة 20% وبحث رفع أسعاره، لتلقي بفاتورة أزماتها مجددًا على عاتق القطاعات الإنتاجية الحيوية بذريعة الاضطرابات الإقليمية.
وافتعلت السلطة مسارات إجبارية لتحميل الصناعة الوطنية نتائج انهيار حسابات الموازنة، بعدما قفز سعر النفط عالميًا متجاوزًا 90 دولارًا للبرميل، متخطيًا السعر التقديري المحدد بـ 75 دولارًا ومبددًا المزاعم الرسمية حول تحقيق الاستقرار النقدي.
موازنة متهاوية وتعميق أعباء الديون
واستندت الحكومة في إجراءاتها الجديدة إلى مراجعة بنود الإنفاق، متراجعة عن التزاماتها الأساسية بعد تقليص مخصصات دعم المواد البترولية للعام الجاري إلى 15.8 مليار جنيه فقط، مقارنة بنحو 75 مليار جنيه خلال العام السابق.
بينما يعمق الانفلات التاريخي لسعر صرف الدولار مأزق الاستيراد بعد تجاوزه 56 جنيهًا في السوق، متخطيًا السعر التقديري البالغ 47 جنيهًا والسعر التحوطي المعتمد من هيئة البترول عند 49 جنيهًا بفارق شاسع يربك المالية العامة.
علاوة على ذلك، اضطرت الوزارات إلى تجميد مشروعات غير مجدية وتقليص نفقات السفر والمواكب الرسمية، مع اللجوء لبيع الأصول وتسريع الطروحات في محاولة يائسة لوقف نزيف الاعتماد على أدوات الدين الخارجي ذات الفوائد الفلكية.
وفي السياق ذاته، يؤكد الباحث الاقتصادي المتخصص في سياسات الطاقة، إلهامي الميرغني، أن تحميل القطاعات الإنتاجية عجز الموازنة وتآكل المخصصات يعكس إخفاق التخطيط المالي وعشوائية إدارة موارد الطاقة في مواجهة الصدمات السعرية العالمية وتقلبات النقد.
ومع ذلك، تستمر المنظومة الرسمية في تجاهل كلفة استيراد الوقود المتصاعدة، مفضلة استنزاف العملة الصعبة عبر حلول ترقيعية بدلاً من بناء استراتيجية حقيقية تحمي القطاعات الصناعية الاستراتيجية من تداعيات الأزمات الخارجية المتكررة.
شلل الإنتاج وانهيار قطاع الأسمدة
وتسبب خفض ضخ الوقود في شلل مباشر للمنشآت الحيوية، إذ هوت الطاقة الإنتاجية لمصنع تابع لشركة حكومية كبرى إلى ما دون 40%، وسط عجز الإدارات عن توفير بدائل تعوض شح إمدادات الغاز.
كما تضررت مصانع أخرى تابعة للدولة، حيث سجل مصنعان فقط استقرارًا هشًا، بينما يمثل الغاز الطبيعي المكون الأساسي لمدخلات التشغيل وصناعة الأمونيا واليوريا، مما يجعل خفضه بمثابة تعطيل قسري للمصانع القائمة وتخفيض لطاقاتها.
بالتزامن مع ذلك، أعلنت شركتا كيما وموبكو تلقيهما إخطارات رسمية بتقليص الإمدادات بنسبة 20%، ما أدى إلى ارتباك جداول التشغيل والتسليم وتهديد الوفاء بالتعاقدات التصديرية والمحلية المقررة لهذا الموسم الحيوي.
وانعكست هذه القرارات فورًا على سوق المال، متسببة في موجة هبوط حادة لأسهم الكيماويات، إذ تراجع سهم أبو قير بنسبة 3.76%، وهبط سهم كيما بنسبة 1.92%، وانخفض سهم سيدبك بنسبة 0.82%.
وفي المقابل، نجا سهم شركة مصر لصناعة الكيماويات نسبيًا مسجلًا صعودًا طفيفًا لم يتجاوز 0.15%، بينما تواجه المصانع صعوبات في تسعير الغاز المربوط بمعادلة تتراوح بين 400 و500 دولار لطن اليوريا عالميًا.
من جهته، يوضح خبير هندسة البترول والطاقة الدكتور حسام عرفات، أن تقليص الغاز بنسب حادة يجبر المصانع الكيميائية على العمل بأقل من طاقتها التصميمية، مما يضاعف تكلفة الصيانة ويهدد بتلف البنية التحتية للأفران والوحدات الإنتاجية.
صدمة التضخم وضرب القطاع الزراعي
وبناءً على هذا الشلل الصناعي، تلوح في الأفق موجة غلاء جديدة لمدخلات الزراعة، إذ يؤدي تراجع المعروض من الأسمدة إلى ارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية وتكبيد الفلاحين تكاليف إضافية تفوق قدرتهم على التحمل.
إضافة إلى ذلك، تتجه معدلات التضخم العام لتسجيل قفزات وشيكة تبدأ بزيادة نسبتها 0.25% خلال شهر نوفمبر الجاري، متأثرة بتبعات شح الوقود وارتفاع تكاليف الشحن الداخلي والتوزيع في كافة محافظات الجمهورية.
وفي هذا الاتجاه، يجد قطاع التصنيع الغذائي نفسه أمام اختناق تمويلي حاد نتيجة صعود أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي، مما ينعكس بالضرورة على المنتجات الاستهلاكية النهائية المعروضة في الأسواق للمواطنين خلال الأشهر المقبلة.
لكن الشركات المحتكرة التي راكمت مخزونات مسبقة تستغل الأزمة لجني أرباح استثنائية، عبر بيع إنتاجها القديم بالأسعار العالمية المرتفعة، بينما تدفع السوق المحلية والطبقات المتوسطة والفقيرة الكلفة التضخمية بمفردها دون أي حماية.
فضلاً عن ذلك، يحذر أستاذ الاقتصاد الزراعي الدكتور جمال صيام، من أن نقص المعروض السمادي في التوقيت الحالي سيضرب العروات الشتوية مباشرة، ما يقلص الإنتاجية الزراعية ويقود إلى موجات تضخمية حتمية في أسعار الغذاء الأساسي.
وهكذا تضع خطة التقشف الإنتاج الوطني في مهب تقلبات الطاقة العالمية التي يتوقع البنك الدولي صعودها بنسبة 23%، لتتحول سياسات النظام إلى أداة لتعميق الركود الاقتصادي وتجويف الصناعة المحلية.

