انطلقت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، اليوم الثلاثاء، وسط مؤشرات على تراجع فرص الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بأغلبيته داخل الكونجرس، في ظل تصاعد الاستياء الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب الأمريكية على إيران، إلى جانب تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب واتساع الخلافات داخل حزبه بشأن سياساته وأدائه خلال العامين الماضيين.
وتكتسب الانتخابات أهمية استثنائية بالنسبة إلى ترمب، إذ تمثل اختبارا سياسيا لولايته الرئاسية الثانية، وتحدد إلى حد كبير قدرته على تمرير أجندته التشريعية خلال العامين الأخيرين من حكمه، في وقت يسعى فيه الديمقراطيون إلى استعادة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، مستفيدين من حالة الغضب التي تشهدها قطاعات واسعة من الناخبين.
ومع فتح مراكز الاقتراع أبوابها في عدد من ولايات الساحل الشرقي، تتجه الأنظار إلى سباقات انتخابية متقاربة قد تعيد رسم موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، خصوصا مع تزايد التوقعات بإمكانية فوز الديمقراطيين بأحد المجلسين أو كليهما.
معركة انتخابية تحدد مستقبل ترمب
يتنافس المرشحون في الانتخابات الحالية على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدا، و35 مقعدا من أصل 100 في مجلس الشيوخ، إلى جانب مناصب حكام 36 ولاية، ما يجعل الاقتراع واحدا من أوسع الاستحقاقات السياسية تأثيرا في الولايات المتحدة.
ويحتاج الديمقراطيون إلى الفوز بثلاثة مقاعد إضافية فقط في مجلس النواب، وأربعة مقاعد صافية في مجلس الشيوخ، لانتزاع السيطرة على المجلسين، بينما يحاول الجمهوريون الحفاظ على أغلبيتهم الحالية، التي تبلغ 53 مقعدا مقابل 47 للديمقراطيين في مجلس الشيوخ.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات على تحديد هوية الأغلبية داخل الكونجرس، إذ إن خسارة الجمهوريين مجلس النواب وحده ستمنح الديمقراطيين نفوذا واسعا في ملف الموازنة الاتحادية والرقابة على الإدارة الأمريكية، بينما ستؤدي خسارة مجلس الشيوخ أيضا إلى تعقيد تمرير التعيينات والمشروعات التشريعية التي يسعى ترمب إلى تنفيذها.
وتأتي هذه المعركة في ظل تراجع معدلات التأييد الشعبي للرئيس والحزب الجمهوري، بعدما أخفقت الإدارة في تحقيق وعودها المتعلقة بخفض الأسعار، فيما زادت الرسوم الجمركية والتضخم وارتفاع تكاليف الوقود، بفعل الحرب على إيران، الضغوط الاقتصادية على الأسر الأمريكية.
الحرب على إيران تربك حسابات الجمهوريين
كان ترمب قد تعهد، مع عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، بخفض تكاليف المعيشة وتحسين الأوضاع الاقتصادية، لكن التطورات الاقتصادية والسياسية دفعت قطاعات من الناخبين إلى التشكيك في قدرة إدارته على الوفاء بتلك الوعود.
وتتصدر الحرب على إيران قائمة الملفات التي أثارت غضب الناخبين، بعدما انعكست تداعياتها على أسعار الوقود والأسمدة وتكاليف الإنتاج، خصوصا في ولايات الغرب الأوسط، إلى جانب المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية.
كما أثارت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب قلق الناخبين في الولايات الحدودية مع كندا، بينما تسببت سياسات الترحيل الجماعي للمهاجرين في تراجع شعبية الجمهوريين داخل ولايات تضم أعدادا كبيرة من السكان اللاتينيين، مثل أريزونا وتكساس.
وفي فلوريدا، التي حظي فيها ترمب بدعم واسع خلال الانتخابات السابقة، أثارت سياساته المتعلقة بالهجرة وإلغاء الحماية المؤقتة لمهاجرين من هايتي وفنزويلا استياء بين قطاعات من الناخبين.
ورغم هذه الملفات، لم يمنح ترمب الاقتصاد والحرب على إيران المساحة المتوقعة في آخر ظهور انتخابي له قبل التصويت، إذ انشغل خلال خطاب ألقاه في واشنطن بمشروع تجديد بركة الانعكاس، متحدثا عن أعمال الترميم ومشكلاتها، بدلا من التركيز على القضايا التي تشغل الناخبين.
وقال ترمب إن الانتخابات الحالية هي «أهم انتخابات تجديد نصفي في حياتنا»، بينما وصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر خطابه الختامي بأنه رسالة مثيرة للشفقة.
جمهوريون غاضبون من سياسات الرئيس
وكشفت تقارير صحفية أمريكية عن اتساع حالة الغضب داخل الحزب الجمهوري، مع تحميل عدد من النواب والمرشحين ومسؤولي الحملات الانتخابية ترمب مسؤولية تراجع فرص الحزب في الانتخابات.
ونقلت صحيفة «بوليتيكو» عن 12 مرشحا ومسؤولا انتخابيا ونائبا جمهوريا أن الحزب كان يعتقد في وقت سابق من العام الجاري أنه قادر على تجاوز القاعدة التاريخية التي تجعل حزب الرئيس عرضة لخسارة مقاعد في انتخابات التجديد النصفي، لكن قرارات الإدارة، خصوصا الحرب على إيران والرسوم الجمركية وسياسات الهجرة، قلبت الحسابات.
وقال أحد النواب الجمهوريين، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن الحزب كان يعتقد بإمكانية تحدي التاريخ، قبل أن يشن ترمب الحرب على إيران، مضيفا أن الأحداث اللاحقة زادت الموقف تعقيدا.
وأشارت الصحيفة إلى أن كثيرا من الجمهوريين يفضلون عدم انتقاد الرئيس علنا خوفا من رد فعله ونفوذه داخل الحزب، رغم اعتراضاتهم على سياساته خلال العامين الماضيين.
وبحسب استطلاع أوردته «بوليتيكو»، يرى 29% من الناخبين الجمهوريين أن ترمب جعل الحزب أقل شعبية، بينما يعتقد 30% أن المشكلة تتمثل في غياب الرئيس شخصيا عن ورقة الاقتراع، في حين تتوزع بقية الآراء بين تحميل الديمقراطيين المسؤولية وعدم معرفة أسباب التراجع.
وقال إستراتيجي جمهوري يعمل في سباقات انتخابية تنافسية إن كثيرا من أعضاء الحزب ظلوا جنودا أوفياء رغم اعتراضاتهم، محذرا من أن خسارة كبيرة في الانتخابات قد تفتح الباب أمام مواجهة علنية مع الرئيس.
جمهوريون قد يصوتون لمعاقبة ترمب
وفي قراءة لمستقبل الحزب الجمهوري من الداخل، قالت شيري جاكوبس، المتحدثة السابقة باسم اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، والتي انشقت عنه عام 2016 وانضمت لاحقا إلى الديمقراطيين، إن عددا متزايدا من الجمهوريين لم يعودوا يؤيدون ترمب، لكنهم يتظاهرون بدعمه خشية التعرض لانتقام سياسي.
وأوضحت، في حوار مع «الجزيرة نت»، أن بعض الجمهوريين الذين أعلنوا معارضتهم للرئيس خسروا الانتخابات التمهيدية داخل الحزب أو قرروا اعتزال العمل السياسي، ما أتاح لهم التعبير عن مواقفهم دون الخوف من نفوذه.
وأضافت أن هناك جمهوريين آخرين يشاطرونهم الاعتراضات، لكنهم يفضلون إخفاء مواقفهم، مشيرة إلى أن تراجع شعبية ترمب دفع بعض المرشحين إلى تجنب ظهوره في حملاتهم الانتخابية، رغم عدم قدرتهم على رفض مشاركته عندما يقرر الانضمام إليهم.
واعتبرت أن مؤشرات الانتخابات الخاصة التي شهدتها الولايات الأمريكية خلال عام 2025 أظهرت إمكانية تصويت ناخبين جمهوريين ضد مرشحي حزبهم، رغم استمرار مشاركتهم في الاقتراع.
ورأت جاكوبس أن قاعدة حركة «ماغا» بدأت تتقلص، مع ابتعاد بعض الجمهوريين التقليديين عنها، مؤكدة أن ترمب فقد جزءا من قاعدة الدعم التي اعتمد عليها في السابق.
ولم تستبعد أن يصبح بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين مستعدين للتصويت لعزل ترمب إذا تهيأت الظروف السياسية لذلك، خصوصا إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب وبدأوا إجراءات المساءلة.
كما شككت في قدرة نائب الرئيس جيه دي فانس على خلافة ترمب ووراثة زعامة حركة «ماغا»، معتبرة أن الولاء داخل الحركة يرتبط بشخصية الرئيس نفسه، وليس بالسياسات أو البرامج، وهو ما يجعل انتقال هذا الولاء إلى شخصية جمهورية أخرى أمرا غير مضمون.
الديمقراطيون يستهدفون معاقل الجمهوريين
امتدت المنافسة الانتخابية إلى ولايات اعتادت التصويت للجمهوريين، من بينها كانساس وتكساس وأيوا وأوهايو وألاسكا، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة بين الحزبين.
ويعول الديمقراطيون على الفوز في تكساس من خلال مرشحهم جيمس تالاريكو، وفي كانساس من خلال هاملتون، بينما يواجهون تحديات في الدفاع عن مقاعد متقاربة، من بينها ميشيغان.
وفي سباق مجلس الشيوخ بميشيغان، أثار دعم النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز للمرشح الجمهوري مايك روجرز، في مواجهة عبدول السيد، اهتماما سياسيا، بعدما أعلن ترمب ترحيبه بهذه الخطوة.
وشهد السباق نفسه تصعيدا في الهجمات الجمهورية على عبدول السيد، وهو مرشح ديمقراطي مسلم، إذ اتهمته جاكوبس بالتعرض لحملة تستغل العنصرية والخوف لتصويره باعتباره غريبا عن المجتمع الأمريكي، رغم أنه ولد في ميشيغان.
وقالت إن ترمب وفانس يحاولان التأثير في الناخبين من خلال نشر ادعاءات مضللة بشأن المرشح، خصوصا في الأيام الأخيرة من الحملة، عندما لا يكون هناك وقت كاف لتفنيد المعلومات وتصحيحها.
وفي المقابل، حصل عبدول السيد على دعم شخصيات فنية ورياضية بارزة، من بينها المغني الأمريكي بروس سبرينغستين، المعروف بلقب «الزعيم»، الذي وصفه بأنه مدافع عن الدستور والديمقراطية الأمريكية.
كما أعلنت خليلة علي، ابنة أسطورة الملاكمة الراحل محمد علي كلاي، وابنها جاكوب علي فيرثهايمر، دعمهما للمرشح الديمقراطي خلال فعالية في كنيسة بمدينة ديترويت، معتبرين أنه يمثل امتدادا لإرث محمد علي.
وشملت قائمة المؤيدين أيضا الممثل مارك روفالو والمخرج مورغان جيه فريمان، في محاولة لتعزيز حضور المرشح الديمقراطي داخل الولاية.
استطلاعات ترجح تقدما للديمقراطيين
وتوقعت مؤسسة «ديسيجن ديسك إتش كيو» المتخصصة في التوقعات الانتخابية أن يحصل الديمقراطيون على 52 مقعدا في مجلس الشيوخ مقابل 48 للجمهوريين، وأن يستعيدوا مجلس النواب بأغلبية تبلغ 241 مقعدا مقابل 194.
لكن هذه التوقعات لا تعني حسم النتيجة، إذ يراهن الجمهوريون على ارتفاع مشاركة أنصارهم في يوم الاقتراع، خاصة أن استطلاعات الرأي قد لا تعكس دائما حجم التأييد الفعلي لأحد الحزبين.
وكان نحو 57 مليون شخص قد أدلوا بأصواتهم قبل يوم الانتخابات، في رقم قياسي يعكس حجم الاهتمام بالاستحقاق، فيما تجاوز الإنفاق على الإعلانات السياسية خلال الحملة 11 مليار دولار.
كما ضخ الملياردير إيلون ماسك، الحليف المقرب من ترمب، مئات ملايين الدولارات لدعم الجهود السياسية للجمهوريين.
وفي المقابل، أشارت جاكوبس إلى مؤشرات وصفتها بالإيجابية للديمقراطيين، من بينها ارتفاع مشاركة الناخبين اللاتينيين في التصويت المبكر، معتبرة أن اتجاهات تصويت بعض الفئات التي دعمت ترمب عام 2024 ربما بدأت تتغير.
ومع ذلك، حذرت من المبالغة في توقع حدوث «موجة زرقاء» كاسحة، مشيرة إلى أن بعض التقديرات ترجح فوز الديمقراطيين بالمجلسين، لكن بفوارق محدودة، في ظل مخاوف من تأثير الأموال الانتخابية ومحاولات التلاعب بالنتائج.
مخاوف من الطعن في النتائج
وبالتزامن مع انطلاق التصويت، تتزايد التساؤلات بشأن موقف ترمب والجمهوريين من النتائج إذا جاءت على غير مصلحتهم، خصوصا في ظل استمرار الرئيس في تكرار مزاعم غير مثبتة عن وجود تزوير انتخابي واسع النطاق.
وسبق أن اتهم ترمب الديمقراطيين بالغش الانتخابي، دون تقديم أدلة، كما لوح بإمكانية استخدام حق النقض ضد كل التشريعات إذا خسر الجمهوريون السيطرة على الكونجرس.
وفي تصريحات لبرنامج بودكاست تابع لصحيفة «نيويورك بوست»، قال إنه إذا لم يحقق الجمهوريون الفوز، فسوف يستخدم الفيتو ضد كل شيء، قبل أن يضطر الطرفان إلى التفاوض وإبرام الصفقات.
وشهدت ألاسكا تطورا قضائيا لافتا، بعدما رفضت محكمة مسعى لوزارة العدل كان من شأنه تعطيل التصديق على نتائج انتخابات مجلس الشيوخ في الولاية إذا خسر السيناتور الجمهوري دان ساليفان بفارق ضئيل.
كما رفضت المحكمة العليا الأمريكية طلبا عاجلا لإجبار ولاية كاليفورنيا على إلغاء بطاقات اقتراع بريدية لأكثر من 20 ألف شخص، بدعوى احتمال عدم حملهم الجنسية الأمريكية.
وفي سياق متصل، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن توجيه اتهامات إلى أكثر من 220 شخصا في 28 ولاية خلال الولاية الثانية لترمب، ضمن حملة تستهدف التصدي لتصويت غير المواطنين.
لكن خبراء قانونيين ومسؤولين انتخابيين أثاروا مخاوف بشأن دقة الإجراءات المتبعة، مشيرين إلى أن بعض الملاحقات طالت مواطنين أمريكيين، في حين تؤكد دراسات حكومية أن تصويت غير المواطنين نادر للغاية، ولم تثبت حالات أثرت فيها أصواتهم في نتائج الانتخابات.
وتناولت الصحيفة حالات لمقيمين دائمين واجهوا اتهامات جنائية مرتبطة بالتسجيل والتصويت، من بينهم أمانديب كور، وهي هندية تقيم بصورة قانونية في كاليفورنيا، وعمر مونيوز، البالغ 72 عاما، والذي يقيم في الولايات المتحدة منذ أكثر من خمسة عقود.
واعتبر خبراء حقوق التصويت أن توقيت هذه الملاحقات يحمل أبعادا سياسية، في ظل سعي ترمب إلى دعم مزاعمه بشأن نزاهة الانتخابات والدفع نحو تشديد إجراءات التصويت، بما يشمل إثبات الجنسية وبطاقات الهوية وتقييد التصويت بالبريد.
البيت الأبيض يستعد لخسارة محتملة
ولا تقتصر المخاوف من الهزيمة على الجمهوريين في الكونجرس، إذ كشفت تقارير إعلامية عن استعدادات داخل البيت الأبيض للتعامل مع احتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ.
ونقل موقع «ديلي بيست»، عن مراسلة شبكة «سي إن إن» كريستن هولمز، أن ترمب اطلع على استطلاعات الرأي والخرائط الانتخابية، وأبلغ بعض حلفائه ومستشاريه بتوقعه سيناريو سيطرة الديمقراطيين على المجلسين.
وبحسب التقرير، فإن الرئيس لا يفكر فقط في خسارة الأغلبية، بل في تداعياتها على العامين المتبقيين من ولايته، خصوصا احتمالات فتح تحقيقات بشأن إدارته، وعقد جلسات مساءلة قد تمهد لإجراءات عزله.
كما نقلت مراسلة شبكة «إم إس ناو» باولا ريد أن أجواء الإدارة تعكس شعورا متزايدا باحتمال تكبد الحزب خسائر انتخابية، مع توقع مغادرة شخصيات بارزة الإدارة خلال الأيام التالية للاقتراع.
وفي سياق الانتقادات الموجهة إلى الرئيس، نشرت مجلة «أتلانتيك» مقالا ساخرا للكاتبة ألكساندرا بيتري، تساءلت فيه عما إذا كان ترمب يريد فعلا فوز حزبه، بعدما أمضى جزءا من خطابه الأخير في الحديث عن تفاصيل ترميم بركة الانعكاس في واشنطن.
واعتبرت الكاتبة أن انشغال الرئيس بمشروع الترميم وشبكات المياه والعشب، قبل ساعات من فتح مراكز الاقتراع، يعكس افتتانه بصورته ومشروعاته الشخصية، بدلا من التركيز على القضايا الاقتصادية والسياسية التي تحدد موقف الناخبين.

