محمد عزام

كاتب وصحافي مصري

 

في عام 2006 انتشرت عربيًا قصيدة "واحد اتنين.. الجيش العربي فين؟"، وبداهة يوحي اسمها بقالب نقدي هزلي ساخر توسله الشاعر المصري محمد بهجت مدخلًا لتسليط الضوء على حالة العجز والتقاعس والصمت تجاه القضايا المصيرية للأمة، وعلى رأسها مسألة فلسطين والحروب والصراعات الإقليمية منتقدًا انشغال الجيوش الكبرى في المنطقة بأمور ثانوية أو بالراحة والروتين، لتظل غائبة عن أي دور حقيقي أو فاعل في مواجهة التحديات والأعداء.

 

بيد أنه على كثرة الدول الواردة في الأبيات، إلا أنه قد غاب عنها الجيش اليمني، وحكمًا إن كان للقصيدة جزء ثانٍ في هذه الأيام، فلا مفر من أن يسأل الشاعر واحد اتنين الجيش اليمني فين؟ و"فين" تعني في اللهجات العربية الدارجة (مثل المصرية والحجازية والمغربية) "أين؟". وليس بهجت فقط من يسأل، فاليمنيون أنفسهم يسألون ومعهم "البابا في روما والحطابون في الجبال النائية، والفلاحون في مزارعهم، وهؤلاء العجائز الجالسون حول نار المدفأة في ليالي الشتاء" بصوت الفنان حمدي غيث في فيلم الناصر صلاح الدين.

 

حسنًا، إليك الإجابة: الجيش اليمني اليوم يقبع في تعز وحضرموت وشبوة، بينما هؤلاء المقاتلون الذين تسمع عنهم في جبهات الساحل الغربي وباب المندب والمخا هم من المليشيات السلفية التي يعتقد البعض داخل اليمن، وحتمًا خارجها، أن لا سبيل سواها وقفًا لـ"الزحف الحوثي المقدس"، فلن يفل الحديد إلا الحديد، غير أن معدنهم لا تبدو صلابته بقوة الخصم نفسها، فالمليشيا الحوثية فعالة عسكريًا ومدربة جيدًا ومزنرة بأيديولوجيا خلاصية، في مقابل مليشيا أضعف ومنقسمة، ولا مفر من الاعتراف بأن العديد منها عبارة عن تشكيلات منقسمة بشدة وتتنافس فيما بينها، وفي أحسن الأحوال إن لم يقاتل منتسبوها دفاعًا عن بيوتهم أو مناطقهم، تراهم يفقدون دوافع الثبات ويقدمون الفرار على التضحية بالنفس.

 

علاوة على ما سبق، تؤكد مصادر على الأرض، أن موالين للمجلس الانتقالي الجنوبي يتعاونون مع الحوثيين وينقلون إليهم المعلومات، بل وحتى يتاجرون معهم بالسلاح، وعلى أي حال وبغضّ النظر عن جبهة "الشرعية" المتضعضعة وولاءت قواتها المتوزعة في مقابل وحدة صف "المليشيا" البادية، فإن الأزمة البنيوية هي المعضلة الأساسية لهزائم متكررة أمام الحوثي، فمن يقودون المعارك في مواجهتها منحوا رتبًا عسكرية وهمية، كما حدث على سبيل المثال مع القياديين في المقاومة الشعبية بمدينة تعز جنوب غربي اليمن، عادل عبده فارع الذبحاني المعروف بـ"أبو العباس"، وعبده حمود الصغير، اللذين صدر قرار رئاسي رقم 42 في الـ 26 من مارس 2017 بمنحهما رتبة عقيد.

 

تلك القيادات صارت لها مليشيات محلية تحتاج إلى تمويل ورواتب بالتالي، وبدلًا من أن تنشغل بالتخطيط والتدريب المحترف، صار همها توفير احتياجات حاملي سلاح لا يعرفون استخدامه إلا في نقاط تحصيل ضرائب القات. ففي تعز، اعتاد العسكريون الاستيلاء على نقاط التحصيل وطرد المحصلين، لتجمع قيادات في الألوية التابعة لمحور تعز العسكري ضريبة القات، عبر نقاط مثل الهنجر والسمسرة، وصار هذا شغلها الشاغل منذ تحرير مناطق وسط المدينة من قبضة الحوثيين في نهاية عام 2015، إلى أن جدد الحوثي حصاره للمدينة في أكتوبر الجاري، فكيف ستحارب فصائل المقاومة الشعبية التي أُدمجت في الجيش، التابع للحكومة الشرعية، بينما كل ما تفكر فيه قياداتها تحصيل ضريبة القات وعدم توريدها للخزينة العامة؟

 

في المقابل، يعاقب الحوثيون من يستولي على إيرادات الضرائب، وكل إيرادات مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها الجماعة تستخدم لجميع الأغراض بما فيها العسكرية، أي إن مظهر الدولة يتجلى لدى المليشيا أكثر من الحكومة المعترف بها دوليًا، وتلك مفارقة ربما فسّرتها سيطرة الجماعة على صنعاء عاصمة اليمن في مقابل انحسار الحكومة إلى عدن عاصمة الجنوب، بما يعنيه هذا من وجود هياكل مؤسسات يملأها الحوثي، بينما نسخة الشرعية عاجزة عن تعبئة مركزها، حتى إن تعز التي تشهد جولة حامية الوطيس الآن ومحاولة حوثية محمومة للاستيلاء عليها، شهدت أعمال نهب وفوضى ارتكبها عسكريون منتسبون إلى قوات محور تعز العسكري التابع للشرعية، مثل الاستيلاء على ممتلكات الأهالي ونهبها. وتتوزع خريطة المنازل المنهوبة على أحياء "الجحملية، النقطة الرابعة، الجمهوري، صالة والمجلية" شرقي مدينة تعز، وأحياء "المطار القديم، بئر باشا، الحصب، عمد والدحي" في المنطقة الغربية، ومناطق في وسط المدينة وشمالها تضم أحياء "التحرير الأسفل، وتبة الأخوة، والضبوعة، وعصيفرة، وجبل جرة، وجبل الزنوج، وكلابة والموشكي".

 

بطبيعة الحال، الوقائع كثيرة، ومنها ما بات مكررًا إلى درجة الملل مثل الأولوية العسكرية الوهمية، وهي ظاهرة قديمة سبق أن تناولتها تحقيقات العربي الجديد بالتقصي مثل الوقائع السابقة، فالأمر ليس حربًا متكافئة، بل إن الكفة تميل لمصلحة الحوثيين بوحشيتهم وجديتهم و"تضحياتهم" دفاعًا عن أوهام أو معتقدات، سمّها ما شئت، غير أن كل من ينتظر انتصارًا لشرعية فاقدة لكل مقومات الكلمة كمن "ينتظر السمنة من بطن النملة لا هو طابخ ولا قالي".