عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

في ظل انتظار وترقب لقرار البرلمان المصري، للموافقة على إرسال قوات عسكرية مصرية، للتعاون العسكري مع السعودية في حربها مع الحوثيين في اليمن، فاجأ شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الجميع، بمبادرة أطلقها تدعو الطرفين سعوديين وحوثيين، للقبول بدعوته بالذهاب للسلام بدلا من الحرب، ودعا عقلاء الأمة للقيام بهذا الدور، وأن الأزهر على أتم استعداد ليكون عونا لكل من يقوم بهذا الدور.

 

من الواضح أن شيخ الأزهر قام بمبادرته من نفسه، فليست معبرة عن السلطة المصرية، ولا تحت سقفها ورعايتها، وبخاصة أنها بدأت في الانتشار على المواقع الإخبارية، ومواقع التواصل الاجتماعي، واتضح أن موقف السلطة ليس معارضا للمبادرة، حيث إنه ترك للمواقع المرتبطة بها تناول المبادرة، والتنويه بها، بل رأينا كتابا ليسوا فقط محسوبين على السلطة، بل لا يمكن أن يصدر عنهم حرف يمكن أن يفسر عكس هوى السلطة، من هؤلاء: مقال كتبه حمدي رزق مشيدا بالشيخ ومبادرته.

 

الموقف الأبرز الذي يدل على عدم معارضة السلطة المصرية لمبادرة الشيخ، لا يقف فقط عند التناول المحايد والإيجابي إلى حد ما من إعلامها، بل رأينا مفتي مصر الدكتور نظير عياد يصدر بيانا يؤيد فيه الشيخ في مبادرته، ورغم أن الطيب هو من اقترح تعيين المفتي، إلا أنه رجل وظيفة لا يستطيع مخالفة التوجهات، ولو كانت مؤيدة لمن أتى به في المنصب، بل هو يعبر عن عدم معارضة السلطة للمبادرة من حيث المبدأ.

 

وسواء كان صمت السلطة عن مبادرة الشيخ، والتي تمت دون الرجوع إليها، من باب ترك مساحات للعمل الديني للقوة الناعمة المصرية، حيث رأى سياسيون مستقلون، وآخرون ممن ليسوا معارضين للسلطة، رأوا في مبادة الشيخ أنه كانت معبرة عن الدور الأليق للسلطة أن تقوم به، وكأنه كان تعديلا لموقفها، وربما لم تطلق السلطة أذرعها الإعلامية لمهاجمة المبادرة، بحكم أن البرلمان تأخر في القرار المتعلق بإرسال قوات للسعودية، سواء كان التأخر بهدف الاتفاق على مقابل الإرسال، أو إنضاج الموقف، ففي النهاية نحن أمام موقف صامت من السلطة.

 

كانت مبادرة الشيخ أشبه بإلقاء حجر في الماء الآسن، والذي امتلأ بالإثارة ودق طبول الحرب، فقد صدر الصوت من منبر لا يشك أحد في توجهه، وإن كانت صدرت من قبل من جهات أخرى، لكن تم التشكيك في دوافعها، رغم أنها دعوات عاقلة، فكان أول من دعا لذلك هيئة علماء فلسطين في بيان لها، ثم بيان لجماعة الإخوان المسلمين في هذا الإطار، رغم إدانته للاعتداءات الحوثية على السعودية، ودعوات أخرى.

 

 

بيانات معارضة لدعوة شيخ الأزهر

 

لكن المستغرب في الجهات التي عارضت دعوة شيخ الأزهر، كبيان أصدرته هيئة علماء اليمن، انتقدت دعوة الشيخ، وبأنه لا يعرف تفاصيل المعركة، ولا تفاصيل الصراع وتاريخه مع الحوثي، وكان عليه أن يكون على معرفة وبينة من هذه التفاصيل، وهو موقف يفهم من مشايخ اليمن، بحكم أن المعركة مباشرة معهم، وما حدث لهم من مآسي وتشريد، ولكن ما يؤخذ على بعض المنصات العلمائية اليمنية: هو الإفراط في التماهي مع الموقف السعودي، والوثوق فيه، رغم أن جزءا من مشكلتهم كانت بسبب علاقة السعودية بالحوثي من قبل.

 

وخرجت أصوات محسوبة على التوجه السعودي ـ من غير السعوديين ـ يهاجم بيان شيخ الأزهر، ويهاجم من يؤيده، بل يحرض عليه، ويرفع هؤلاء لافتة غريبة تشهر في وجه كل من يعارض موقفهم من الحوثي وغيره، وهو مصطلح: التأيرن، أن كل رافض لموقفهم، أو أي موقف للسعودية، فهو يتبناه بدافع التأيرن، أي: الميل لإيران وتأييدها، وهو فزاعة ترفع بوجه كل صاحب موقف، يرى أن الحرب ليست حلا، وأن نتائجها غير مضمونة، وقد كان هذا الموقف من قبل في حرب الخليج وقت تحرير الكويت من الاحتلال العراقي وقت صدام، بأن دخول القوات الأمريكية للخليج هو ذريعة لن تخرج بعدها، وهو ما حدث، وتم التشكيك في نوايا أصحاب هذا التوجه، ولا يزال يتاجر به ضدهم.

 

ولكن البيان الأغرب في التعقيب على مبادرة شيخ الأزهر، هو بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والذي أيد المبادرة، لكنه كتب عبارات تفرغ المبادرة من مضمونها، بل تفشلها، وتجعل دولا تقف ضدها كمصر والسعودية، وذلك دون قصد منهم بلا شك، فقد نوه البيان بالمبادرة، لكنه أشار إلى أن تكون بداية لسعي مصالحات أخرى، وذكر من ذلك المسجونين في مصر، وألمح للسعودية، وهي عبارات تصح في سياق آخر، ولا يمكن أن تصح في هذا السياق.

 

وربما أحرج الاتحاد لوجود علماء كبار منه عبروا عن رأيهم في الأزمة، بما يخالف ما أعلنه الاتحاد في نفس الموقف من قبل، كالشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان، وهو أحد نواب رئيس الاتحاد منذ نشأته، ولذا نوه الخليلي بدعمه وقبوله وتشجيعه لمبادرة شيخ الأزهر، ولعل السبب في صيغة الاتحاد، وهو وجود شخصيات فاضلة في صدارة الإدارة، لها موقف من الشيعة، لكن كان لا بد أن تتجنب هذه القيادات أن تخلط بين موقفها الذي تقتنع به، وبين موقف الاتحاد كمعبر عنه، وعن مبادئ تأسيسه، والتي منها: القيام بدور شعبي في قضايا الأمة، والحوار بين الشعوب والحكومات، فيما يحقق صالح الأمة.

 

أعتقد أن الزخم الذي أحدثه بيان شيخ الأزهر، لا يزال يمثل فرصة، في إيجاد مسار يمكن للعلماء أن يقوموا بدور لتفعيله، ومن المهم أن يستمر الأزهر في الدفع ببيانه قدما للتطبيق، والعمل على البداية، ولتكن البداية بوقف التصعيد، ثم وضع آليات للوصول للسلام الذي يحقق الأمن للمنطقة، والعدالة لليمنيين جميعا، لكن المهم وقف هذا النزيف، الذي لا يستفيد منه سوى الأمريكان والصهاينة، والذي لن يجلب سوى الخراب للمنطقة بأسرها للأسف، وهو ما يسعى إليه ترامب ونتنياهو، للخروج من مشكلاتهم السياسية.