مالك ونوس
كاتب ومترجم سوري
لا يتبادر إلى ذهن المراقب بعد الانتهاء من الاستماع إلى خطاب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يوم 18 أكتوبر الجاري، وقد خصّصه للتعليق على الحوادث التي رافقت التظاهرات المتجددة، السبت الماضي، في عموم فرنسا، سوى العبارة التي كتبها المتظاهرون على لافتات حملوها في عدة تظاهرات "الشعب وحده هو مَن ينقذ الشعب". خطابٌ أصرَّ فيه ماكرون على تجاهل مطالب المحتجين والمتظاهرين، وتَعمَّد التركيز على أعمال العنف التي صاحبت التظاهرات، ملقيًا اللوم في خروجها وأعمال العنف على ما صنّفها "مجموعات صغيرة من اليسار الراديكالي الذين انضم إليهم مجرمون كثيرون" كما قال. وهو إذ ذاك يؤكد لمن كتبوا تلك العبارة أنه لا يمثلهم، بل يمثّل السلطة التي تمثل بدورها رأس المال المسيطر على الحياة الاقتصادية، والمتحكّم في القرارات وفي توجيه المجتمع وفق مصالحه. ونتيجة ذلك، يجد كثيرون من أبناء البلاد، والحال كذلك، أنفسهم مهمشين، فيضافون، من حيث التهميش، إلى أبناء المهاجرين واللاجئين، المتهمين الرئيسيين بافتعال أعمال العنف.
يستغرب المرء لماذا يصرّ رئيس واحدة من أهم الدول على إنكار الواقع الذي أدى إلى موجات غضب واحتجاج متكرّرة، ومنها التي نظمها أخيرًا كثيرون من الطلاب وأبناء البلاد، أسبوعين متتاليين، وقد وصل عددهم يوم السبت، 17 أكتوبر الجاري، إلى 800 ألف شخص. فلن يكون لهذا النكران سوى أثر واحد، تأجيج الاحتجاجات مرّة أخرى، في عطلة الأسبوعين المدرسية التي بدأت الاثنين، وعوّلت عليها السلطة لأن تكون عاملًا مساهمًا في إخماد الاحتجاجات. ولم ينكر ماكرون الواقع فحسب، بل أصر على إلقاء اللوم في ما تشهده البلاد من تراجع مستوى المعيشة وزيادة أسعار الوقود على "النزاع الذي اندلع في الخليج العربي، ولم تشارك فيه فرنسا، لكننا نعاني من تداعياته"، كما قال.
لذلك يبدو أن ماكرون لم يقرأ الوقائع قراءة صحيحة، ليعرف أن سبب التظاهرات تردّي المستوى المعيشي، وتردّي واقع التعليم وتراجع سويته. أما العنف الذي رافقها، وأعمال النهب والتحطيم التي طاولت المتاجر العالمية الكبرى، والشركات العملاقة العابرة للقارّات، وشركات الهواتف الخليوية والاتصالات، فهو لأنها تمثل، في نظر هؤلاء، الطبقة المسيطرة. هذه الشركات التي تمارس النهب المقونن للمستهلكين، فتتراكم ثرواتها، وتتزايد أفرعها باضطراد بفضل ذلك النهب، وهي التي توظف أقل عدد من الموظفين، وتلتهم الشركات الصغيرة والمتوسّطة، وتزاحم أصحاب المتاجر والأعمال الصغيرة التي توظف عددًا أكبر وتعول أسرًا أكثر. أما حين أعلن ماكرون في خطابه عن تضامنه مع أصحاب تلك الشركات ومع رؤساء البلديات، واعدًا إياهم بأن حكومته ستقدّم لهم الحلول اللازمة، وقال: "بدءًا من الاثنين، سيترأس رئيسها خلية أزمة من أجل حشد المساعدات بأسرع وقت ممكن، لمساندة كل من يمرّ بهذه الساعات العصيبة"، فهذا ما يجعل الفرنسيين يرونه رئيسًا يمثل الأغنياء وليس الفقراء. هؤلاء الفقراء الذين وصلت أعدادهم في فرنسا الغنية سنة 2024، إلى 9,817,000 شخص، أي ما يشكل نسبة 15.4% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وفق إحصائية للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، صدرت أواسط هذه السنة.
وعلى الرغم من هذا الواقع، يواصل ماكرون إنكار السبب الرئيس للاحتجاجات، فهو يصرّ، في كلمته، على تصنيف المتظاهرين أشخاصًا مُغرَّرًا بهم، حين أظهرهم منساقين لمن يدعونهم إلى "النزول إلى الشوارع والتظاهر وإحداث الفوضى"، متهمًا الداعين بأنهم لا يسعون سوى إلى هدفٍ واحد: "الإضرار بالجمهورية وتفريغ النقاش الديمقراطي من مضمونه" على حد قوله. وهو بذلك يتناسى، أو لا يريد الاعتراف بجذر المشكلة وبالدوافع الحقيقية التي دفعت الطلاب إلى الاحتجاجات، والتي يعرفها كل فرنسي، طالبًا كان أو ولي أمر أو مدرسًا أو أي عارف بأحوال البلاد. فأولياء أمور الطلاب اعتادوا على عودة أبنائهم قبل موعدهم من المدارس، نتيجة غياب المدرّسين الناتج بدوره عن قلة أعدادهم في المدارس الحكومية. كما اعتادوا على عودة بعضهم مرضى نتيجة عدم السماح لهم بالدخول إلى المراحيض لقضاء الحاجة، لأن عليهم الانتظار ساعتين في المدارس الابتدائية والإعدادية لكي تفتح دورات المياه خمس دقائق. أو الانتظار حتى الساعة الثانية عشرة في المدارس الثانوية، أو انتظار رد أحد المديرين على بريد إلكتروني لمدرِّسة تطلب فيه السماح لأحد الطلاب بدخول دورة المياه استثنائيًا، وهذا كله نتيجة قلة عمّال النظافة التي ترفض الحكومة تعيين مزيد منهم في المدارس.
فالحكومة التي لا تنفق على البنى التحتية للمدارس، لا تنفق أيضًا لتعيين مدرّسين جدد، ما أدّى إلى تراجع مستوى التعليم في البلاد. وليس هذا ما يقلق الطلاب ويجعلهم أسرى هواجس تصاحب أوقات دراستهم فحسب، هنالك هاجس نظام باركورسوب (Parcoursup) الذي خصصته وزارة التعليم من أجل توجيه الطلاب لاختيار تعليمهم الجامعي، وعبره يجري توزيعهم على الجامعات، وفق قواعد تدخل فيها الخوارزميات، من دون أن يكون للطالب ورغبته ودرجاته أي تأثير بالنتيجة. ما يمكن أن يؤدّي إلى ظلم كثيرين، علاوة على تأخّر نتائجه في الصدور، وكذلك عدم إبلاغ الطالب بنتيجته في حال عدم قبوله، ما يجعله عرضة للضياع، وخسران سنة دراسية، يُمضي قسمًا منها منتظرًا صدور نتيجة لا تأتي لكي يقرّر ما سيفعله. فليس من العبث في هذا الواقع أن يحمل الطلاب المتظاهرون لافتاتٍ كتب عليها عبارة: "Parcoursup nous trie, l’État nous détruit"، (باركورسوب يُصنّفنا، والدولة تُدمِّرنا).
هل يتوقف الأمر عند هذه الوقائع؟ يبدو من الإجراءات التي ستتبعها الحكومة أن ثمة توجهًا قمعيًّا، وربما استبداديًا يلوح في الأفق. فبينما يذهب بعضهم إلى إمكانية توجه ماكرون إلى إعلان حالة الطوارئ للبقاء في السلطة مدّة أطول، وتأجيل الانتخابات الرئاسية، بهدف منع اليسار الذي يصنفه متطرفًا من الوصول إلى السلطة، عبر زعيم حزب "فرنسا الأبية"، جان لوك ميلونشون، إلا أن ملامح هذا التوجه ستظهر مع إمكانية فرض حظرٍ للتجول في بعض المدن ومنع التجمّعات. كما ستظهر في سياق محاولته سلب الطلاب واحدًا من حقوقهم، وهو الحق في التعبير عن الرأي، والمطالبة بحقوقهم عبر التظاهر الذي يعد، هو الآخر، حقًا مصانًا بموجب الدستور.
لذلك يعود ماكرون إلى تذكير الطلاب وتوجيههم بالطرق الأخرى لإيصال صوتهم، أي عبر "النقاشات في الاجتماعات العامة بمشاركة الأحزاب السياسية، لا في الشوارع عن طريق العنف"، كما قال، متناسيًا أن قسمًا من ذلك العنف جاء ردًا على عنف الشرطة غير المبرّر، الذي طاول تجمعات هادئة في أحيان كثيرة. ويضيف: "يجب أن تجري النقاشات في الصحف، وعلى منصات البرامج التلفزيونية، وفي التجمعات السلمية". مع العلم أن حوارًا كهذا لم يتوقف الطلاب عن الخوض فيه يومًا على منصات التواصل الاجتماعي، وتطرحه الأحزاب في بياناتها، لكن الرئيس الذي يمثّل السلطة يبدو أنه لم يستمع لتلك النقاشات، ولم يقرأ الشعارات التي رفعها المحتجون، ولم يستمع إلى كلمات ممثليهم في الوقفات الاحتجاجية. وهي مطالب لا تحتاج للنقاش أو الحوار لكي تتضح، تكفي زيارة منه أو من رئيس الوزراء بعض المدارس، والوقوف على واقعها، لمعرفة مدى تراجع مستوى التعليم، واحتياجات الطلاب والمدرسين، وإدراك الهواجس التي تعصف بأذهانهم وعقولهم، بدلًا من أن تكون تلك الأذهان منشغلة بالتحصيل العلمي ومراكمة المعارف.
يبدو من خطاب ماكرون أن لا استجابة سريعة، أو ربما، لا دراسة، في المدى المنظور، لمطالب المحتجين من طلاب ونقابيين وأولي أمر الطلاب وأحزاب سياسية وغيرهم، وهي المطالب التي طُرحت في احتجاجات سابقة. وفي خطابه، يبدو ماكرون أنه لا يقبل أن تلوى ذراع حكومته، سيعمل على تعويض أصحاب المتاجر والشركات المتضرّرة من أعمال العنف التي صاحبت الاحتجاجات، وسيتخذ إجراءات أكثر شدة لحمايتهم، لكنه يرى أن مطالب أبناء الشعب تُعرض خلال نقاشات وحوارات لم يحدد لها موعدًا. وحتى يكون ماكرون قادرًا على تحديد موعد للقاء ممثلي المحتجين، ستتكرس لدى هؤلاء، ولدى شريحة واسعة من الشعب الفرنسي الفكرة التي وردت على اللافتات التي يرى أصحابها أن "الشعب وحده هو من ينقذ الشعب"، وأن الطبقة السياسية والمالية لها رئيسها، ماكرون، أما هم فليس لهم سوى السعي جاهدين ليكون لهم رئيسهم، وهم الكثرة.

