يُعدّ التنازع والفرقة من أخطر الآفات التي تفتك ببنية المجتمعات الإسلامية، وتُبدد طاقتها، وتُغري بها المتربصين؛ لذا وضع التشريع الإسلامي ضوابط صارمة تُلزم المتنازعين بمخافة الله والمسارعة إلى إطفاء نيران الخلاف، والنزول على مبادرات التوفيق بدلاً من الاستسلام لدواعي الكبر واللدد في الخصام، مؤكداً أن الاستجابة للصلح ليست منقصة بل هي عنوان النبل وعلامة الإيمان الصادق.
وتتجلى حكمة الشريعة في تشخيصها الدقيق لمنابع النزاع، حيث كشفت النصوص النبوية والقرآنية عن المكائد الشيطانية الرامية إلى التحريش والوقيعة بين الإخوة والمتحابين، مما يوجب على المسلم فقه ألاعيب هذا العدو، واستحضار التوجيهات القرآنية والنبوية التي تُعلي من شأن العفو، وتُحذّر من الإصرار على القطيعة والهجر الذي يُعرّض العبد لخسارة قبول الطاعات ونيل المغفرة الإلهية.
ولا يكتفي المنهج الإسلامي بالتنظير الأخلاقي لفكرة السلام الداخلي والمجتمعي، بل يرسم آليات عملية لتجاوز الخصومات ترتكز على فضيلة المبادرة بالسلام، والاستعداد للتنازل الإيجابي عن بعض الحقوق الشخصية رغبةً في وأد الفتن، مستشهداً بصفحات ناصعة من السيرة النبوية ومواقف الصحابة الأجلاء، الذين قدموا مصالح الأمة وحقن الدماء على حظوظ النفس ونوازع الملك والغلبة.
خطورة اللدد في الخصومة وعاقبة التمادي في الشقاق
إن المتأمل في توجيهات الوحي يجد تحذيراً شديداً من التمادي في العداوات والنزول عند نزوات النفس الأمارة بالسوء، فالإصرار على الخصام والامتناع عن الاستجابة لنداءات الإصلاح ليس دليلاً على قوة الحجة أو عزة النفس، بل هو من باب العزة بالإثم التي تدفع صاحبها إلى الهلاك، وتفوّت عليه قبول الأعمال الصالحة وكسب الأجر من الله سبحانه وتعالى. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من صفة اللجاج والجدال العقيم مبيناً شناعتها وبغض الله لأهلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (البخاري، رقم: 2457).
والألد هو الشديد اللدد والخصومة، والذي يتخذ من الجدال والتعنت منهجاً، فتراه لا يرجو حقاً ولا يقبل تسوية، بل يسعى إلى إفحام خصمه وإلحاق الأذى به دون وازع من خلق أو دين. ومثل هذا الطبع الرديء لا يقف شره عند دائرة الخلاف الفردي، بل يمتد خطره ليهدد أمن المجتمع واستقراره؛ فالألد الخصم يهدم أركان التراحم ولا يبني، ويسعى في الأرض بالإفساد، متناسياً أن المقياس الحقيقي للرفعة في ميزان الإسلام يكمن في اللين وسعة الصدر، وأن أبعد الناس عن الله وأبغضهم إليه هم أولئك الذين يتلذذون بإيقاد نيران الصراع وتوسيع فجوته بدلاً من إغلاق أبوابه.
فضيلة المبادرة بالسلام ومكانة المصلحين
في مقابل التنفير من العداوة، يفتح الإسلام باب الفضل العظيم على مصراعيه لمن يتجاوز كبرياءه ويبادر إلى إخماد الفتن؛ فالذي يستجيب للصلح ويسعى إليه هو خير الناس وأقربهم إلى مرضاة الله، وقد قرر المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا المعيار الإيماني بوضوح تام، فقال: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (البخاري، رقم: 6077). وتلك المبادرة تكشف عن معدن أصيل، ونفس علت فوق مشاعر الغل والحقد، وتطهرت من قيود الأنانية.
إن مجرد البدء بالسلام وإظهار الرغبة في طي صفحات الخلاف يُعد برهاناً ساطعاً على سمو النفس وطهارة القلب وطيب المنبت؛ فالمصلحون وأهل المبادرة لا ينتظرون أن يأتيهم الخصم معتذراً، بل يتسابقون إلى مغفرة الله وفضله، مستشعرين أن قبول الصلح ليس ضعفاً، بل هو شرف وقوة أخلاقية تُكسب صاحبها المنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة، وتجعله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر في بيئته ومجتمعه.
التحريش الشيطاني وأثره في تفكيك البنية الاجتماعية
لا يمكن فهم جذور الخصومات بمعزل عن كيد الشيطان ومكائده المستمرة؛ فالشيطان عدو أزلي للإنسانية، هدفه الأساسي تفكيك الروابط الأسرية، وزرع الأحقاد، والتفريق بين المتحابين والمتآخين. ولقد نبّه القرآن الكريم المؤمنين إلى هذه الحقيقة الصادمة حتى يحذروا خطواته، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم غاية مساعي إبليس في أمة الإسلام بعد أن استقر التوحيد، فقال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" (مسلم، رقم: 2812). وهذا التحريش هو المدخل الواسع الذي ينسل منه الشيطان لإفساد ذات البين، وبث الكراهية بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، وتدمير الأسر؛ والتنازع لا يقف ضرره عند القطيعة الاجتماعية فحسب، بل يجر إلى الفشل والوهن العام وتمزق المجتمع وضعف أركان الدولة، مما يفتح الباب للأعداء والمتربصين للتدخل في شؤون الأمة والعبث بمقدراتها، لذا كان العاقل هو من يتجاوز الآلام والجروح، ويحب الخير للجميع، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه.
إيثار التسامح وأدب الحوار في مواجهة الإساءة
لقد قدم الرعيل الأول نماذج راقية في ضبط النفس عند مواجهة الخصومة، متمثلين في ذلك أخلاق القرآن والنبوة التي تُعلم العبد كيف يُفحم الجاهل بالحلم ويفتح أبواب العودة للمخطئ. ومن أعظم هذه الشواهد ما رُوي عن الواعظ البر عمر بن ذر، الذي شتمه رجل يوماً، فلم يقابل السب بالسب، ولم يستسلم لنيران الانتقام، بل واجهه بحكمة بالغة قائلاً: "يا هذا، لا تغرقن في شتمنا ودع للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، 5/ 113).
وهذا المسلك النبيل يعكس بصيرة نيرة تدرك أن ترك موضع للصلح هو السبيل لحفظ ماء الوجه، وتسكين ثورات الغضب، وتأليف القلوب بعد تنافرها؛ فالمسلم لا ينبغي له أن يستنفد أقصى درجات العداء في خلافاته العابرة، بل عليه أن يدع للرجوع مساحة، وللتوبة والتصافي منفذاً، طاعةً لله تعالى الذي أمر بالدفع بالتي هي أحسن، وتحقيقاً لمبدأ مقابلة المعصية بالطاعة والظلم بالحلم.
فقه التنازل عن الحقوق وحفظ دماء المسلمين
يتطلب إنهاء الخصام في كثير من الأحيان شجاعة خاصة تقتضي التنازل عن جزء من الحق الشخصي تقريباً لوجهات النظر وتهدئة للنفوس، وقد زخرت السيرة النبوية بمواقف ترسخ هذا المعنى، ومنها موقف كعب بن مالك رضي الله عنه مع خصمه؛ حيث ارتفعت أصواتهما حتى بلغت مسامع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما كاشفاً سجف حجرته ونادى: "يا كعب"، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار النبي بيده أن: "ضع الشطر"، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قم فاقض" (البخاري، رقم: 2710)؛ فالنزول عن بعض الحق صناعة للمعروف وإخماد لثورة الغضب.
وتتجلى ذروة التنازل الإيماني في الموقف التاريخي الخالد لسبط رسول الله الحسن بن علي رضي الله عنهما، حين تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عام الجماعة (البداية والنهاية، 8/ 16)؛ فرغم أنه كان يملك قوة عسكرية عظيمة وكتائب كالجبال، إلا أنه فضّل الصلح تنازلاً عن الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة، بل رغبة فيما عند الله ومراعاة لدينه وحقناً لدماء الأمة وجمعاً لكلمتها، محققاً بذلك نبوءة جده صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين" (البخاري، فتح الباري، رقم: 2704)، ليبقى هذا الموقف نبراساً خالداً يؤكد أن المجد الحقيقي يكمن في وحدة الصف وحفظ الأرواح وإصلاح ذات البين.
...................................
المراجع:
العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية، علي محمد الصلابي، ص 13-14.
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصفهاني.
البداية والنهاية لابن كثير.
إصلاح ذات البين في ضوء الشريعة الإسلامية، كامل أحمد القاض.

