عبد الناصر سلامة

رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق

 

لا جدال في أن الشعب المصري، أثبت منذ أحداث 25 يناير 2011 وحتى أكتوبر 2026، أنه يستحق بجدارة لقب الشعب الطيب، وعلى اعتبار أن مصر كانت الأكثر ذكرًا في الكتب السماوية، فهي أيضًا بلد طيب، لذا كان من الطبيعي أن يمر عليها عبر التاريخ كل أنواع الاحتلال، دون مقاومة أحيانًا، بل عن طيب خاطر في معظم الأحيان (هكسوس، آشوريين، فرس، مقدونيين، رومان، بيزنطيين، مماليك، عثمانيين، إنجليز، فرنسيين..)، حتى أن القائد الفرنسي نابليون بونابرت كان يتودد إليهم بحلقات الذكر الصوفية، كما تقرب إليهم القائد العسكري جاك مينو بإشهار الإسلام، إلى غير ذلك من روايات تاريخيّة مثيرة للانتباه والشفقة في آن واحد.

 

في التاريخ الحديث، وتحديدًا منذ عام 1952، أي على مدى أكثر من سبعة عقود، كان العنوان الرئيس لتلك الحقبة يتلخص في مطالب القيادة السياسية طوال الوقت بالصبر، والربط على البطون، والاقتصاد في الطعام والشراب، والتقشف، وتحديد النسل، والتبرعات، والجهود الذاتية، وتشجيع الهجرة، والسفر للعمل في الخارج، على اعتبار أن موارد الدولة شحيحة، على حد قولهم، وأنها بلد فقيرة، على حد زعمهم، وأن المستقبل سوف يكون أفضل، على حد وعدهم، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، وأن المواطن هو سبب الأزمة، حتى أنهم اعتبروا الثروة البشرية الكبيرة في حد ذاتها أزمة.

 

كما أن طريقة إدارة البلاد أيضًا، منذ يناير عام 2011، أثبتت هي الأخرى، بما لا يدع أي مجال للشك، أننا أمام شعب طيب بالفعل، تم استخدامه الاستخدام الأمثل للإطاحة برئيسين، هما حسني مبارك ومحمد مرسي، لضمان استمرار نظام حكم بعينه، حسبما يرى المراقبون، وهو النظام الذي كان يمكن أن يسقط بتنصيب جمال، نجل الراحل حسني مبارك، رئيسًا عام 2011، ثم باستعادة ذلك الحكم عام 2013، بعد أن كان قد سقط بالفعل في أيدي سلطة مدنية إخوانية، تمثلت في الراحل محمد مرسي.

 

بعد ذلك توالت الأدلة على طيبة شعب مصر، بإعلان وزير الدفاع وقتها، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، عدم وجود النية لديه، هو وأقرانه عمومًا، في الترشح لمنصب الرئيس، لأن الحكم ليس هدفهم أبدًا، وأن الشرف العسكري أهم من مناصب الدنيا، على حد قوله، كما أن الجيش لن يتحرك لمصالح شخصية، ثم ترشح بعد ذلك وجاء رئيسًا، مؤكدًا أنها فترة رئاسية واحدة، امتدّت بعد ذلك لفترتين، مؤكدًا أيضًا الالتزام بالفترتين، إلا أنه تم تعديل الدستور بإضافة فترة ثالثة، ليس ذلك فقط، بل تم تعديل الدستور، لتصبح الفترة الواحدة 6 سنوات، بدلًا من أربع، وبذلك أصبح السيسي يتصدر سدة الحكم رسميًا، ستة عشر عامًا، حتى عام 2030، في عمر الـ76 عامًا، دون منغصات قانونية.

 

لا شك أن الشعب المصري الطيب يعيش الآن حالة من التيه السياسي، مع ظهور حملات شعبية متعددة ومريبة، تطالب ببقاء السيسي على رأس السلطة حتى عام 2050 أحيانًا، ومدى الحياة في أحيان أخرى، إلا أن هذه الحملات تواجه امتعاضًا شعبيًا واسعًا، خصوصًا مع حالة الضنك والفقر التي أصبح يعاني منها معظم الشعب، ومع عدم وجود أمل في حياة أفضل، خصوصًا في ظل الوعود الكثيرة التي أطلقها السيسي نفسه، منذ اعتلائه سدة الحكم، بحياة أفضل بعد عام، أو بعد عامين، أو ستة أشهر، الأمر الذي كان ينذر بصدام حتمي، بين القائمين على هذه الحملات وقوى الشعب المختلفة.

 

المهم، أن الرئيس المصري امتص حالة الغضب وخرج إلى الشعب، الأربعاء الماضي (14 أكتوبر)، مؤكدًا عدم المساس بالدستور، ما يعني للوهلة الأولى أن الدستور لن يتم تعديله، حسبما يتم الترويج لذلك، إلا أنه لم يؤكد أنه لن يكون رئيسًا بعد عام 2030، ولم يتعهد بذلك، كما لم يشر بأي شكل من الأشكال إلى طبيعة انتقال السلطة، وكيف ستكون، وهل إلى شخص عسكري أيضًا، أم إلى قيادة مدنية، أم أن العملية الديمقراطية من خلال الانتخابات هي التي سوف تحسم ذلك، منبهًا إلى خطورة الفوضى والعبث بأمن البلاد، ومحذرًا من سقوط الدولة، وهو ما يؤكد عليه كثيرًا في الفترة الأخيرة، ما يشير إلى مخاوف أو معلومات تتعلق بهذا الصدد.

 

ما أن أطلق السيسي مقولته تلك، إلا ونشطت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع، محذرة من أن تكون هذه حيلة أخرى جديدة، تضاف إلى ما سبق، خصوصًا مع استمرار أنصاره في إطلاق حملات التأييد لتعديل الدستور، ما زاد من حالة البلبلة والشك في مصداقية الخطاب، خصوصًا أن وسائل الإعلام الرسمية لم تتعامل مع الحدث بحجمه، أو باهتمام، وكأن الأمر ليس من الأهمية إلى الحد الذي يستحق ذلك، ما جعل الرأي العام أمام أمر محيّر، سوف يظل النقاش والجدل بشأنه مفتوحًا ثلاثة أعوام مقبلة، أو أن يقضي الله أمرًا ما خارج التوقعات والحسابات.

 

السؤال الآن: باستثناء استقالة الرئيس السوداني الأسبق، عبد الرحمن سوار الذهب عام 1986، هل هناك حاكم واحد في دول الجمهوريات العربية، غادر الحكم عن طيب خاطر؟ وهل هناك بين الحكام العرب من يستطيع اعتزال الحياة السياسية طواعية، ليكون عرضة بعد ذلك للمساءلة والمحاكمة، عن وطن خانه، أو دم سفكه، أو مال سرقه، أو سجين ظلمه، أو عرض اغتصبه، أو أرض فرط فيها؟ وهل هناك بين الحكام العرب من آمن بالديمقراطية والحريات واحترم الرأي الآخر؟ وهل هناك بينهم من نشر الرخاء، وأشاع الأمن، وقاوم الفساد؟ أم أنها حالة فشل عامة، تعاني منها الشعوب العربية من المحيط للخليج؟

 

أعتقد أن الأزمة السياسية المصرية ليست حالة خاصة، هي حالة عربية بامتياز، وهو الأمر الذي يجب أن يرتقي إلى جهد عربي مشترك، ينادي بأحقية هذه الأمة في حياة أفضل، وأحقية هذه الشعوب في مستقبل أفضل، وأحقية المنطقة عمومًا في العيش بسلام وكرامة، بمنأى عن الوصاية الخارجية، والقواعد العسكرية، وحاملات الطائرات والبوارج، والقصف المتبادل هنا وهناك، في استنزاف واضح لموارد ومقدرات الأمة.

 

وعلى الرغم من ذلك، فإن الحالة المصرية خصوصًا، يجب التعامل معها باعتبارها النموذج والمثال الذي يجب أن يتصدر المشهد، لأسباب عديدة، في مقدمتها التاريخ والجغرافيا والثروة البشرية، وهو ما يوجب على الجميع، مصريين وعربًا، الضغط في هذا الاتجاه، من أجل صالح المنطقة ككل، وليس العكس كما حدث في السابق، باعتبار أن التجربة الديمقراطية المصرية يمكن أن تشكل النواة، أو الإلهام للعديد من بلدان المنطقة، كما كانت بالفعل في ستينيات القرن الماضي، ملهمة للثورات وحركات التحرر في القارة الأفريقية ككل، ما يوجب عدم التعويل طوال الوقت على أننا أمام شعب طيب، جزاؤه التخدير بالوعود عامًا بعد عام، واللدغ من الجحر نفسه مرات ومرات، فكثيرًا ما تخطئ الحسابات.