سعيد عفيفي

أحد مؤسسي تكنوقراط مصر

 

من منحك الحق في تحديد من يصلح لحكم مصر، وكيف يختار المصريون رئيس جمهوريتهم؟

 

يا عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، إن منصب رئيس الجمهورية ليس صكًّا للوصاية على الشعب، وليس تفويضًا مفتوحًا لإعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها وفق رؤية شخص واحد، مهما طال بقاؤه في السلطة.

 

لقد تابعتُ ما طرحته بشأن تأهيل بعض الحاصلين على درجتي الماجستير والدكتوراة من خلال الدراسة لمدة ثلاثين شهرًا في الأكاديمية العسكرية، تمهيدًا لتولي مواقع قيادية. وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبحت الأكاديمية العسكرية هي البوابة التي ينبغي أن يمر منها أصحاب المؤهلات العليا حتى يُسمح لهم بتولي المسؤوليات؟ وهل المطلوب من الدولة أن تُخضع الكفاءات المدنية لمنظومة إعداد عسكري حتى تصبح مؤهلة للمشاركة في إدارة شؤون البلاد؟

 

إن القضية ليست اعتراضًا على التعليم أو التدريب أو تطوير مؤسسات الدولة، ولا انتقاصًا من دور القوات المسلحة في حماية الوطن؛ القضية هي حدود السلطة، وطبيعة الدولة، واحترام الدستور، وحق الشعب في تقرير من يحكمه وكيف تُدار بلاده.

 

 

أولًا: يا سيادة الرئيس، أنت رئيس دولة ولست وصيًا على شعب

 

الشعب المصري ليس قاصرًا حتى يحتاج إلى وصي يقرر نيابة عنه من يصلح لقيادته، وليس مجموعة من الموظفين الذين ينتظرون من السلطة أن تحدد لهم المسار الوحيد للوصول إلى المسؤولية العامة.

 

رئيس الجمهورية، أيًا كان اسمه، ليس مالكًا للدولة، ولا صاحب الحق المطلق في تحديد شكل مستقبلها السياسي والإداري؛ إنه يتولى منصبًا عامًا تحكمه قواعد دستورية، وتحد سلطاته نصوص القانون، ويظل مسؤولًا أمام الشعب ومؤسسات الدولة في الحدود التي يقررها الدستور.

 

فإذا كان الهدف هو تطوير الكفاءات، فلتكن هناك معايير موضوعية، وتدريب متخصص، ومنافسة عادلة، وتكافؤ للفرص، أما أن تتحول رؤية الرئيس إلى معيار يحدد الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الآخرون للوصول إلى مواقع المسؤولية، فذلك يفتح بابًا خطيرًا أمام تغليب إرادة السلطة التنفيذية على استقلال المؤسسات وتنوع الخبرات.

 

 

ثانيًا: مصر دولة لها دستور، وليست مشروعًا شخصيًا لرئيسها

 

يا سيادة الرئيس، لدينا دستور ينظم سلطات الدولة، ويحدد اختصاصات مؤسساتها، ويقرر الحقوق والحريات العامة. والدستور ليس وثيقة شكلية تُستدعى عند الحاجة، ثم تُترك جانبًا عندما تتعارض أحكامه أو روحه مع تصورات المسؤولين.

 

إن المادة الخامسة من الدستور المصري تقرر أن النظام السياسي يقوم على التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وأن السلطة مسؤولية تُمارس في إطار الدستور والقانون. كما تقرر المادة الرابعة والعشرون أن اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني مكونات أساسية في التعليم، وتؤكد المادة التاسعة على تكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تمييز. والأهم أن المادة الرابعة من الدستور تنص على أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات.

 

هذه المبادئ ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل قواعد ينبغي أن تحكم طريقة ممارسة السلطة، وتمنع اختزال الدولة في إرادة فرد أو مؤسسة واحدة. ومن هنا، فإن أي تصور لتطوير مؤسسات الدولة يجب أن يُناقش في ضوء الدستور والقانون، لا باعتباره أمرًا مفروضًا لمجرد أن رئيس الجمهورية يراه مناسبًا.

 

 

ثالثًا: هل الشهادة الجامعية وحدها تكفي؟ بالتأكيد لا، ولكن!

 

لا أحد يعترض على أن تولي المناصب العسكرية يتطلب تأهيلًا عسكريًا مناسبًا، ولا على أن بعض المناصب تحتاج إلى اختبارات دقيقة وبرامج تدريب متخصصة، فلكل مؤسسة طبيعتها، ولكل وظيفة شروطها. لكن السؤال الحقيقي هو: هل ينبغي الخلط بين التأهيل العسكري والتأهيل المدني؟ وهل تصلح قاعدة واحدة لتحديد كفاءة جميع أصحاب الخبرات، بصرف النظر عن طبيعة المسؤوليات التي سيتولونها؟

 

الطبيب يُقيَّم بعلمه وخبرته وقدرته على العلاج، والمهندس بكفاءته المهنية، والاقتصادي بقدرته على تحليل الأوضاع وإدارة الموارد، والقاضي باستقلاله وعلمه بالقانون، والدبلوماسي بخبرته في العلاقات الدولية، أما الضابط، فيُقيَّم وفق معايير التأهيل العسكري والقيادة والانضباط.

 

قد يحتاج بعض أصحاب الشهادات العليا إلى تدريب إضافي قبل تولي منصب بعينه، وهذا أمر طبيعي، لكن التدريب يجب أن يرتبط بمتطلبات الوظيفة، لا أن يتحول إلى وسيلة لإخضاع جميع الكفاءات لمسار واحد لا يراعي اختلاف التخصصات والخبرات.

 

الدولة الحديثة لا تبحث عن أشخاص يشبهون بعضهم في طريقة الإعداد، بل عن أشخاص تتكامل خبراتهم لخدمة المجتمع.

 

 

رابعًا: من يختار رئيس الجمهورية؟ الشعب أم السلطة؟

 

وهنا نصل إلى جوهر القضية؛ إذا كنا نتحدث عن اختيار رئيس الجمهورية، فإن الدستور هو الذي يحدد شروط الترشح والإجراءات المنظمة للانتخابات الرئاسية، وليس رغبة الرئيس الحالي أو تصوره الشخصي بشأن الشخص الذي يصلح لخلافته. وتنظم المادة 140 من الدستور مدة الرئاسة وإجراءات انتخاب رئيس الجمهورية، فيما تحدد المادة 141 الشروط الواجب توافرها فيمن يترشح لهذا المنصب.

 

وبالتالي، فإن تحديد شروط الترشح لرئاسة الجمهورية ليس اختصاصًا شخصيًا للرئيس القائم، ولا يجوز استحداث شروط إضافية خارج الإطار الدستوري والقانوني لمجرد أن السلطة ترى أنها أكثر ملاءمة.

 

ومن حق المصريين أن يختلفوا مع الرئيس، وأن ينتقدوا سياساته، وأن يقدموا بدائل سياسية واقتصادية، وأن يختاروا من يرونه أصلح لقيادة البلاد وفق الإجراءات الدستورية.فليس من حق أي رئيس أن يتعامل مع الشعب باعتباره تابعًا يحتاج إلى الإرشاد الدائم، أو أن يتصور أن خبرته الشخصية تمنحه سلطة تحديد الخيارات السياسية المتاحة للمصريين. إن الشعب هو صاحب السيادة، والرئيس هو صاحب منصب محدد الصلاحيات والمدة.

 

 

خامسًا: الكفاءة لا تُقاس بالولاء، والدولة لا تُبنى بعقلية الوصاية

 

مصر ليست فقيرة في العقول ولا في الخبرات؛ لديها أساتذة جامعات، وعلماء، وأطباء، ومهندسون، واقتصاديون، وقضاة، ودبلوماسيون، وخبراء في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، وملايين الشباب القادرين على الابتكار والعمل. المشكلة ليست في غياب الكفاءات بقدر ما تتعلق بكيفية الاستفادة منها، وبوجود مؤسسات تسمح لها بالمشاركة والمنافسة والمحاسبة، بعيدًا عن الاحتكار أو الإقصاء.

 

إن بناء الدولة لا يتحقق بإقناع الناس بأن طريقًا واحدًا هو الطريق الصحيح، ولا بتوسيع نفوذ مؤسسة على حساب المؤسسات الأخرى، بل بإقامة نظام واضح للمساءلة، وتكافؤ الفرص، واستقلال الخبرة المهنية، واحترام الاختلاف.

 

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا ليس: كيف نجعل جميع الكفاءات تسير في المسار الذي تختاره السلطة؟ بل: كيف نجعل مؤسسات الدولة تستفيد من جميع الكفاءات، وتحاسب المقصّر، وتمنع احتكار القرار، وتضمن أن تكون المصلحة العامة فوق مصلحة أي مسؤول؟

 

 

سادسًا: يا سيادة الرئيس، السلطة ليست وصاية أبدية

 

الرئاسة مسؤولية مؤقتة وليست ملكية دائمة، والدولة أكبر من أي رئيس، ومؤسساتها يجب أن تستمر بقوة القانون لا بقوة الأشخاص.

 

إن احترام الرئيس الحقيقي لا يأتي من مطالبة المواطنين بقبول رؤيته دون نقاش، بل من احترام حقهم في الاختلاف معه، ومن تمكينهم من المشاركة السياسية، ومن تقديم نموذج لدولة لا تتوقف عند شخص ولا تختزل مستقبلها في إرادته.

 

ولا يجوز أن يصبح النقد السياسي دليلًا على عدم الوطنية، أو أن تتحول المطالبة باحترام الدستور إلى خصومة مع الدولة. فالدولة ملك لجميع مواطنيها، بمن فيهم المؤيد والمعارض، وصاحب الرأي المتفق مع السلطة وصاحب الرأي المخالف لها. إن المصري الذي ينتقد الرئيس لا يفقد بذلك حقه في المواطنة، والمواطن الذي يطالب بتداول السلطة لا ينتقص من الدولة، بل يتمسك بأحد المبادئ التي يقوم عليها النظام الدستوري.

 

 

كلمة أخيرة إلى عبد الفتاح السيسي

 

يا سيادة الرئيس، مصر ليست ثكنة عسكرية، وإن كانت قواتها المسلحة مؤسسة وطنية نحترم دورها الدستوري. ومصر ليست شركة خاصة، ولا ملكية شخصية، ولا مزرعة يديرها صاحبها بالطريقة التي يراها مناسبة. مصر دولة ذات تاريخ عريق، وشعب صاحب حق أصيل في السيادة، ودستور يجب أن يكون المرجعية الحاكمة لجميع السلطات.

 

إذا أردت تطوير التعليم والتدريب، فافتح أبواب المنافسة أمام الكفاءات، وإذا أردت إصلاح الإدارة، فضع معايير واضحة وشفافة. وإذا أردت بناء مؤسسات قوية، فاجعلها مستقلة في اختصاصاتها، وخاضعة للقانون، وقادرة على العمل دون انتظار توجيه من شخص واحد.أما أن يُفهم من خطاب السلطة أن مستقبل المسؤولية العامة ينبغي أن يمر عبر مسار واحد تحدده القيادة السياسية، فذلك يستوجب نقاشًا عامًا صريحًا حول حدود هذا التصور ومدى توافقه مع طبيعة الوظائف المعنية وأحكام الدستور.

 

لسنا ضد التأهيل، بل ضد الوصاية، ولسنا ضد الانضباط، بل ضد احتكار القرار، ولسنا ضد مؤسسات الدولة، بل مع دولة المؤسسات.

 

يا عبد الفتاح السيسي، لست وصيًا على الشعب المصري، ولا يملك أي رئيس أن يحل محل إرادة المصريين في تقرير مستقبلهم السياسي. مهمتك أن تمارس سلطاتك في حدود الدستور، وأن تحترم حقوق المواطنين، وأن تترك للدولة ومؤسساتها والمجتمع السياسي مساحة حقيقية للتنوع والمنافسة.

 

فالشعب الذي يمنح الشرعية هو الذي يملك حق الاختيار، والدستور الذي ينظم السلطة هو الذي يحدد حدودها، ولا أحد فوق الدستور أو فوق حق المصريين في تقرير مصيرهم.

 

(مواطن مصري يؤمن بأن مصر دولة مؤسسات، وأن كرامة الشعب تبدأ باحترام حقه في الاختيار).