أسامة رشدي
سياسي وحقوقي مصري
عندما قال السيسي إنه "لا مساس بالدستور"، استبشر بعض حسني النية، وظنوا أن السيسي سيتوقف عن العبث بالدستور بعد انتهاء ولايته التي مدّدها حتى عام 2023، لكنه سرعان ما فاجأهم في خطابه يوم 17 أكتوبر في الأكاديمية العسكرية بطرح جديد يرمي إلى تقطيع أوصال الدستور ونقض عُراه! فقد اقترح إعداد مجموعة منتقاة من حملة الدكتوراة والماجستير، ممن تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، وتدريبهم داخل الأكاديمية العسكرية لمدة ثلاثين شهرًا، وأوصى برلمانه الملاكي بوضع إطار تشريعي يمهّد لاختيار رئيس الجمهورية من بين هؤلاء الحاصلين على "دبلومة الرئاسة". هذا يعني أن السيسي لن يغادر قبل أن تصبح المؤسسة العسكرية بوابة العبور إلى الرئاسة، ويختار هو مَن يُسمح للشعب بالاختيار بينهم!
يستدعي هذا الطرح مقارنة بـ"مجلس صيانة الدستور" في إيران، الذي يعتمد أهلية المرشحين للرئاسة قبل عرضهم على الناخبين. فإذا أصبح المرور بالأكاديمية العسكرية شرطًا للترشح، نكون أمام وصاية يمكن وصفها بالانتقال من "ولاية الفقيه" إلى "ولاية الجنرال"؛ فمع اختلاف النظامين، يتشابه منطق تصفية البدائل قبل وصولها إلى صناديق الاقتراع.
السيسي، الذي دمّر كل المؤسسات وأفرغها من محتواها، وأثقل البلاد بديون لا قبل للأجيال بها، وفرّط في أمن مصر المائي وأمن الطاقة، وجوّع ثلثي الشعب المصري، لا يزال يعطينا الدروس في معنى الدولة. ولذلك يريد تعيين "مجلس لتشخيص مصلحة النظام" بزي عسكري، يضمن بقاء الرئاسة داخل الدائرة المأمونة، ولا يريد أن يفهم أن مصلحة مصر لا تُختزل في استمرار نظام حكمها العسكري الفاشي، الذي أقامه على أنقاض الديمقراطية التي يعاديها. كما لا يفهم أن احترام الدستور لا يتحقق بالإبقاء على نصوصه مع مصادرة الحقوق التي يكفلها، وفي مقدمتها حق المصريين في اختيار حكامهم وتغييرهم ومحاسبتهم.
تقرر المادة الرابعة من الدستور أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، وتؤسس المادة الخامسة النظام السياسي على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة. وهذه المبادئ تفقد مضمونها إذا أصبحت المنافسة الرئاسية محصورة في دائرة تنتقيها السلطة، وتتولى مؤسسة عسكرية إعدادها واعتماد أهليتها.
فالانتخابات مسار يبدأ بحرية التنظيم والتعبير، وتكافؤ الفرص، وإتاحة الترشح والمنافسة وفق شروط دستورية عادلة. أما إغلاق المجال السياسي، ثم تقديم مجموعة جرى انتقاؤها تحت إشراف السلطة باعتبارها البدائل المتاحة، فهو إعادة إنتاج للوصاية مهما اكتسى بمظاهر الانتخاب.
وقد يُقال إن المادة 141 تتيح للقانون تحديد شروط إضافية للترشح لرئاسة الجمهورية. لكن هذه الإحالة لا تمنح المشرّع تفويضًا مفتوحًا لإهدار الحقوق؛ فالمادة 92 تمنع أي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات من تقييدها بما يمس أصلها وجوهرها، ويأتي ذلك إلى جانب ضمان حق الانتخاب والترشح في المادة 87، وانتخاب الرئيس بالاقتراع العام السري المباشر وفق المادة 143.
ومن ثم، فإن تحويل التأهيل داخل الأكاديمية العسكرية إلى شرط إلزامي للترشح يثير تعارضًا جوهريًا مع هذه الضمانات، خصوصًا عندما يكون القبول في هذا المسار نفسه خاضعًا لانتقاء مؤسسات السلطة. عندها يصبح حق الترشح متوقفًا على موافقة سابقة من جهة لا تملك منح المواطنين حقوقهم السياسية أو حجبها عنهم.
ولا يعالج هذا التعارض إصدار قانون؛ فالتشريع لا يعلو على الدستور، ولا تتحول مصادرة الحقوق إلى ممارسة مشروعة لمجرد التصويت عليها في مجلس نواب يعلم الجميع أنه لا يمثل الشعب، بل هو مندوب عن الأجهزة التي اختارته!
والأخطر هو توسيع دور المؤسسة العسكرية في تشكيل السلطة السياسية؛ فالقوات المسلحة ينبغي أن تكون مؤسسة وطنية ملكًا للشعب، ومكانتها تقتضي صون طابعها الوطني العام وإبعادها عن التنافس على الحكم. وحتى المادة 200، بصيغتها المعدلة عام 2019، تتحدث عن صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على مدنية الدولة وحقوق الأفراد وحرياتهم، ولا تمنح المؤسسة العسكرية اختصاص اختيار المرشحين للرئاسة أو احتكار تأهيلهم.
إن إقحام الجيش في صناعة الخلفاء يربطه باستمرار نظام سياسي بعينه، ويضعه في موقع الطرف والحَكَم معًا. وهذا يضر بالحياة السياسية وبالمؤسسة العسكرية نفسها، التي ينبغي أن تظل مؤسسة لجميع المصريين، على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم.
ثم إن الكفاءة والوطنية لا تحتكرهما مؤسسة أو فئة أو دائرة ولاء، وحصول المواطن على الدكتوراة، أو اجتيازه دورة تدريبية، لا يمنحه بذاته أهلية قيادة دولة، كما أن غيابه عن هذه المسارات لا ينفي عنه القدرة على الحكم. فالكفاءة السياسية تُختبر بالخبرة والبرامج والإنجاز، والقدرة على إدارة الخلاف والاستماع إلى المجتمع، والاستعداد للمساءلة واحترام حدود السلطة.
أما تقسيم المصريين إلى فئة تفهم الدولة وتستحق قيادتها، وأخرى تُنتقص أهليتها لأنها خارج الدائرة المحيطة بالحاكم، فهو تعميق للانقسام الوطني وإهدار لمبدأ المواطنة. وهو يتعارض مع تكافؤ الفرص الذي تقرره المادة التاسعة، والمساواة وحظر التمييز، بما فيه التمييز بسبب الانتماء السياسي، وفق المادة 53، ومع مسؤولية رئيس الجمهورية عن رعاية مصالح الشعب كله بموجب المادة 139.
المعارضة ليست نقصًا في الوطنية، والاختلاف مع الحاكم ليس دليلًا على الجهل بالدولة. وقد يكون من أبرز مظاهر الكفاءة أن يرى المواطن مواضع الفشل التي تعجز السلطة عن الاعتراف بها، وأن يقترح بدائل لسياسات تصر على مواصلتها رغم كلفتها على المجتمع.
ولا خلاف على أهمية التعليم والتدريب وتنمية قدرات من يتولون المسؤولية العامة، لكن برامج التأهيل لا تحل محل الحياة السياسية، ولا تمنح القائمين عليها حق انتقاء النخبة الحاكمة. فالأحزاب والجامعات والنقابات والمجتمع المدني والإعلام الحر ساحات تتبلور فيها الأفكار، وتتراكم الخبرات، وتُختبر القيادات. وهذا ما تتطلبه التعددية السياسية وحرية تكوين الأحزاب اللتان تحميهما المادتان الخامسة و74.
ومن المفارقة أن تُغلق منافذ العمل السياسي، ثم يُستدل على غياب البدائل لتبرير إعدادها داخل مؤسسة تابعة للدولة. فالبدائل لا تظهر بأمر رئاسي؛ إنها ثمرة مشاركة حرة وتنافس حقيقي وإمكانية آمنة للاختلاف.
إذا كان الحديث عن مستقبل الرئاسة جادًا، فإن بدايته تكون بفتح المجال العام، والإفراج عن المحبوسين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم السياسية، وضمان حرية التنظيم والتعبير والإعلام، وتهيئة شروط انتخابات حرة وتنافسية تحت إدارة مستقلة ومحايدة. ويكون بالتخلي عن أي مقترح يجعل الحقوق السياسية مرتبطة بموافقة المؤسسة العسكرية أو ببرامج التأهيل التابعة لها.
ولو كان لدينا مجلس نواب حقيقي، فمن واجباته أن يتحمل مسؤوليته في صون الدستور، ورفض تحويل التوجيهات الرئاسية إلى تشريعات تكرس الإقصاء والوصاية والانقسام. فوظيفته مراقبة السلطة وحماية حقوق المواطنين، لا إلباس رغبات الحاكم ثوب القانون.
إن احترام الدستور يُقاس بما يتاح للمواطنين من حقوق فعلية، وبقدرتهم على تغيير حكامهم ومحاسبتهم، وأي حديث عن انتقال السلطة يفقد معناه إذا اقترن بإعداد خلفاء مقبولين سلفًا، وإغلاق الطريق أمام غيرهم.
مصر وطن لجميع أبنائها، والرئاسة مسؤولية عامة تستمد شرعيتها من إرادتهم الحرة. ولا يملك أي حاكم أن يحوّل انتهاء ولايته إلى ترتيب لاستمرار وصايته، أو أن يجعل المؤسسة العسكرية بوابة إلزامية للحكم. من حق المصريين أن يختاروا رئيسهم، وليس من حق الرئيس أن يختار لهم حدود الاختيار.

