استنفر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أعضاء البرلمان لعقد جلسة طارئة غير مسبوقة، تستهدف انتزاع تفويض عسكري يتيح الزج بالقوات المسلحة المصرية في مواجهات مسلحة خارجية لحماية أمن السعودية من ضربات جماعة الحوثي.

 

وفي هذا السياق المتسارع، يسعى السيسي إلى تحويل البرلمان إلى مجرد واجهة بروتوكولية تصادق دون نقاش على قرارات مصيرية بالغة الخطورة، مما يضع أرواح آلاف الضباط والجنود في مهب مغامرة عسكرية مجهولة العواقب.

 

مقايضة الدماء بالمساعدات المالية الخليجية


وبناءً على هذا المسار الاندفاعي، يربط الخطاب الرسمي بين التدخل الخارجي واستمرار المساعدات، ليضع أرواح المقاتلين كأداة لسداد الديون المتراكمة، في مشهد يسلب القرار الاستراتيجي استقلاليته التاريخية لصالح اشتراطات المانحين الإقليميين.

 

ويؤكد الدكتور تقادم الخطيب الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة لايبتزغ، أن لجوء السلطة إلى المقايضة العسكرية يعكس ارتهاناً مالياً غير مسبوق، محذراً من أن تحويل الواجب الدفاعي إلى خدمة أمنية مدفوعة يقوض ما تبقى من السيادة.

 

وعلاوة على هذه التبعات الاقتصادية، تعاني الموازنة من عجز سيولة خانق يدفع القيادة لتقديم تنازلات أمنية خطيرة، متجاهلة التداعيات المدمرة لمواجهة الحوثيين الذين يمتلكون ترسانة قادرة على استنزاف أي قوات نظامية تتدخل ضدهم.

 

ومن هذا المنطلق المتأزم، يتجاهل الموقف الرسمي حقيقة أن تأمين الملاحة في البحر الأحمر يستوجب مساراً سياسياً، خصوصاً بعد أن فقدت البلاد ما يقارب 60% من إيرادات قناة السويس خلال عام 2024 وحتى عام 2026.

 

وفضلاً عن تلك المعطيات، يظهر توجه السيسي رغبة في استرضاء الحلفاء في الرياض، ولو كان الثمن توريط الجيش في حرب بالوكالة تخلو من أي مكاسب جيوسياسية مباشرة، وتزيد من تفاقم العزلة والضغوط المعيشية للمواطنين.

 

ومن ثم يتجلى أن استخدام القوات النظامية كحزام أمني خارجي يمثل مقامرة كارثية، إذ إن إنقاذ الاقتصاد المتعثر يتطلب إنهاء سياسات الهدر وتراكم القروض، بدلاً من البحث عن أموال طارئة عبر الانخراط في معارك عسكرية خارجية.

 

وفي ضوء تلك الحسابات الخاطئة، تسقط أوهام الحصول على تدفقات مالية مستدامة لإنقاذ العملة المنهارة، حيث تدرك المؤسسات الاستثمارية أن إقحام الدولة في نزاع عسكري إقليمي يرفع المخاطر الائتمانية ويهدد الاستقرار المالي بصورة مباشرة.

 

تعطيل الدستور وتجريد البرلمان من صلاحياته


وتأسيساً على هذا التدهور المؤسسي، يتحول استدعاء المادة 152 من الدستور إلى مناورة دعائية مفرغة، حيث يصادر النظام حق النواب في المساءلة ليختزل سلطة البرلمان في التصفيق لقرارات فوقية محسومة داخل الدائرة الضيقة.

 

ويوضح الدكتور خليل العناني أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا، أن هندسة المشهد النيابي جردت البرلمان من دوره الرقابي، محولة التفويض إلى إجراء روتيني يعمق هيمنة السلطة التنفيذية ويسقط التوازن بين السلطات.

 

وبموازاة هذه الهيمنة المطلقة، تتعرض العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية لتشويه ممنهج، إذ تتبدل أولويات حماية الحدود الوطنية وثوابت الأمن الداخلي لحساب حروب لا تخدم سوى بقاء النظام السياسي وتثبيت أركان تحالفاته الإقليمية الهشة.

 

ومن زاوية شديدة الحساسية، فجر إعلان يوم السبت 17 أكتوبر 2026 ارتباكاً واسعاً، كونه تجاوز التقاليد العسكرية العريقة وتجاهل تقييم القيادات الميدانية، ليعلن فتح أبواب الحرب خلال حفل تخرج اعتيادي أمام الرأي العام.

 

والجدير بالذكر في هذا الصدد، أن مصادرة القرار السيادي وتهميش الكفاءات العسكرية المحترفة يعزز النزعة الفردية في إدارة الدولة، مما يقوض الجاهزية الميدانية للجيش ويفكك أسس التخطيط الاستراتيجي الرصين المتبع على مدار عقود.

 

وترتيباً على تلك السياسات العبثية، يمثل التورط في حرب جبلية تهديداً مباشراً للأمن القومي الحقيقي، حيث يصرف الانتباه عن التحديات المشتعلة على الحدود الغربية وفي العمق الاستراتيجي لحوض النيل الذي يواجه مخاطر وجودية حاسمة.

 

ونتيجة لتراجع الهيبة البرلمانية، يفقد المجتمع أدوات الضغط السلمي لمراجعة خيارات القيادة العسكرية، مما يؤسس لمرحلة من المغامرات الخارجية غير المحسوبة، يدفع ثمنها الجنود من أرواحهم وتتحمل تبعاتها الأجيال القادمة بلا ذنب.

 

استنساخ مأساة الستينيات في جبال اليمن


واستناداً إلى الدروس التاريخية القاسية، يعيد هذا التحرك أشباح التورط الكارثي في حرب اليمن خلال الستينيات، والتي استنزفت خيرة مقاتلي الجيش وموارده، لتشكل المقدمة المباشرة لهزيمة ساحقة في شهر يونيو من عام 1967.

 

ويشير الدكتور أحمد عبد ربه أستاذ النظم السياسية المقارنة بجامعة دنفر، إلى أن وعورة الجغرافيا اليمنية أفشلت أعتى التحالفات عبر التاريخ، معتبراً أن تكرار محاولة السيطرة عليها عسكرياً يعكس جهلاً مطبقاً بحقائق الواقع الميداني المعقد.

 

وحساباً لهذه المعطيات الصادمة، تمتلك جماعة الحوثي صواريخ باليستية ومسيرات هجومية متطورة، ما يجعل أي قوات مصرية تنتشر هناك هدفاً سهلاً ومباشراً لنيران حرب العصابات، دون تحقيق أي نصر عسكري ملموس على الأرض.

 

وعلى صعيد موازٍ للفشل، لم تستطع قوات التحالف التي تقودها الرياض حسم المعارك على مدى 10 سنوات متواصلة، الأمر الذي يجعل الزج بالجنود المصريين الآن محاولة يائسة للتغطية على هزائم التحالفات الإقليمية العاجزة.

 

وبالنظر إلى حالة التذمر الشعبي، يرفض الشارع الزج بأبنائه في نزاعات مشبوهة دفاعاً عن عروش نفطية، في وقت ترتفع فيه معدلات الفقر وتنهار فيه الخدمات الأساسية بفعل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة داخل الوطن.

 

وانطلاقاً من هذا الواقع القاتم، لا يخدم هذا التفويض سوى إلهاء المجتمع عن أزماته البنيوية، عبر افتعال معارك خارجية براقة المظهر، تنتهي دوماً بكوارث عسكرية وخسائر بشرية فادحة لا يمكن تعويضها بأي أموال.

 

وعلى ضوء السوابق الميدانية، يدرك المخططون المستقلون أن الرمال اليمنية ستتحول إلى مصيدة استنزاف تستهدف تحطيم معنويات الجيش، وتجر البلاد إلى مستنقع صراعات إقليمية لا تنتهي، خدمةً لمصالح غير وطنية بالمرة.

 

وإزاء هذه التحديات الجسيمة، يبقى التمسك بحصر مهام القوات المسلحة داخل حدود الوطن واجباً ملحاً، لإيقاف محاولات التفريط في الدماء المصرية، ووضع حد للارتهان الخارجي الذي يقود الدولة نحو هاوية لا رجعة منها.