حلت أمس الجمعة الذكرى السنوية الثانية لرحيل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحيى السنوار، والذي ارتقى شهيدًا بارُا في 16 أكتوبر 2024 خلال اشتباك مسلح ومباشر مع قوات جيش الاحتلال في حي تل السلطان غرب رفح.
وفي هذا السياق، تؤكد الحركة أن قائد معركة 7 أكتوبر 2023 دشن مرحلة جديدة للمواجهة الشاملة، لا تزال ارتداداتها الميدانية والسياسية ترسم مشهداً إقليمياً فارقاً يعزز سعي الشعب الفلسطيني لانتزاع حقوقه الوطنية المشروعة والراسخة.
تفاصيل اللحظات الأخيرة في رفح
وحول مجريات الميدان الأخيرة، بينت المعطيات المصورة أن السنوار ظهر جالساً على أريكة وهو ينزف دماً من إحدى يديه، بعد تعرضه لإصابة بليغة خلال محاولته التحصن داخل أحد منازل حي تل السلطان السكني المحاصر بالكامل.
وعلاوة على ذلك، واجه القائد الفلسطيني طائرة مسيرة معادية ملقياً نحوها عصا خشبية بيده غير المصابة بكل بسالة، قبيل إقدام آليات الاحتلال المدرعة على قصف المنزل بقذائف ثقيلة، مما أدى إلى استشهاده مقاتلاً حتى الرمق الأخير.
ومن جانبها، ادعت قوات الاحتلال أن هذه العملية العسكرية كانت مدبرة لاستهدافه بدقة، غير أنها أقرت رسمياً بتعرفها على هويته عقب انتهاء الاشتباك الدامي والوصول الفعلي إلى جثمانه داخل أنقاض المبنى المدمر غرب مدينة رفح.
وبناءً على ذلك، أوضحت حماس في بيانها الرسمي أن هذا المشهد الثوري الصارم رسخ رمزية السنوار كأيقونة فدائية، بعدما تقدم الصفوف حاملاً سلاحه في خط المواجهة الأول، ليدحض كافة المزاعم التي روجتها الدعاية العسكرية الإسرائيلية.
وفي الإطار ذاته، تحول ذلك المشهد الميداني الاستثنائي للاشتباك بالعصا إلى حافز نضالي متجدد للمقاومة، مؤكداً صلابة العقيدة القتالية للمقاتلين، واستحالة كسر الإرادة الوطنية مهما بلغت القدرات التكنولوجية والقوة التدميرية العسكرية الهائلة لجيش الاحتلال بالقطاع.
وبالتوازي مع ذلك، ارتبطت سيرة الراحل في الذاكرة الجمعية الفلسطينية بثلاثية ملهمة، حيث لخصت مسيرته النضالية محطات الـ 3 أركان البارزة المتمثلة في رمزية المخيم، وقيادة الطوفان، وتحدي الطائرة المسيرة بالعصا قبل ارتقائه شهيداً في الميدان.
مسيرة التأسيس والسنوات داخل المعتقلات
ومن هذا المنطلق، تبرز البدايات الأولى في سيرة المناضل المولود في 19 أكتوبر 1962 بمخيم خان يونس، إثر تهجير أسرته قسراً من بلدة المجدل التاريخية عام 1948، ليصقل المخيم مبكراً مداركه ووعيه السياسي والوطني ضد الاستعمار.
وإلى جانب ذلك، تابع السنوار مسيرته التعليمية بالجامعة الإسلامية بغزة محرزاً بكالوريوس اللغة العربية، حيث ترأس مجلس الطلبة وقاد أنشطة الكتلة الإسلامية، وبرز وقتذاك كمنظر تنظيمي صلب في ميادين التعبئة والعمل الجماهيري والطلابي الفاعل.
وعلى هذا الصعيد، تعرض للاعتقال أول مرة عام 1982، ثم أعادت سلطات الاحتلال سجنه في عام 1988، ليصدر بحقه حكم قضائي جائر بالسجن مدى الحياة لـ 4 مؤبدات، قضى منها نحو 23 عاماً متتالية داخل الزنازين.
ومن جهة ثانية، استطاع السنوار تحويل السجون إلى قلاع للتثقيف عبر ترؤسه الهيئة العليا لأسرى حماس، وخوضه برفقة زملائه معارك إضرابات كبرى عن الطعام خلال أعوام 1992 و 1996 و 2000، لتتوج بنضال مماثل في عام 2004.
وفي سياق متصل، أتقن الأسير اللغة العبرية بكفاءة عالية وترجم عبرها مؤلفات استراتيجية قيّمة، كما ألّف دراسات فكرية ورواية الشوك والقرنفل الأدبية، مجسداً من خلالها نبض التجربة الفلسطينية الصعبة والمعقدة منذ نكسة عام 1967 المريرة وتداعياتها.
وتأكيداً على ذلك، شارك السنوار مبكراً في إرساء دعائم أول تشكيل أمني للحركة، مساهماً بحلول عام 1986 في تأسيس جهاز مجد الأمني، الذي غدا النواة الحقيقية الأولى للعمل الاستخباري الوقائي الهادف لتحصين المقاومة وملاحقة الاختراقات المعادية.
وفضلاً عن ذلك، غدت تلك النظريات واللوائح التنظيمية التي سطرها في الأسر مرجعية حركية راسخة، مما عزز حضوره كقيادي محنك يتمتع بقدرات استثنائية على صياغة الرؤى الأمنية والهيكلية وتطبيقها ميدانياً بدقة وانضباط عالٍ للغاية.
قيادة الحركة وإدارة المواجهة الشاملة
وبموجب ذلك، نال السنوار حريته بصفقة وفاء الأحرار عام 2011، ليتزوج لاحقاً ويُرزق بـ 3 أبناء، مستأنفاً نشاطه القيادي المباشر بتولي مسؤوليات أمنية وعسكرية عليا داخل الهيكل التنظيمي الميداني لحركة حماس في قطاع غزة.
ومن هذا المضمار، انتخب السنوار عام 2017 رئيساً للمكتب السياسي للحركة بغزة، متصدياً لمعالجة الأزمات المجتمعية المعقدة، ومبادراً رفقة قيادة حركة فتح إلى بذل جهود حثيثة لإنهاء الانقسام الداخلي وتحقيق المصالحة الوطنية وفق برنامج الصمود.
وفي مسار مكمل، قاد أشكالاً نضالية متنوعة شملت إطلاق مسيرات العودة السلمية عام 2018، بالتوازي مع تطوير ترسانة السلاح، وخوض مواجهات عسكرية وازنة هزت نظرية الردع لدى قيادة جيش الاحتلال وأعادت ترتيب معادلات الصراع.
وعلى صعيد المواجهة، خاض السنوار جولات كبرى تقدمتها معركة سيف القدس عام 2021، جاعلاً ملف تحرير الأسرى من معتقلات الاحتلال على رأس سلم الأولويات الوطنية، بوصفه عهداً أخلاقياً والتزاماً ثابتاً لا يخضع لأي مساومات سياسية.
وعلى نحو موازٍ، عقب استشهاد رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية في 31 يوليو 2024، تولى السنوار قيادة حماس العامة، ممسكاً بزمام الإدارة الاستراتيجية والتنفيذية وسط ظروف ميدانية استثنائية بالغة الخطورة جراء استمرار العدوان المتواصل.
ومن زاوية أخرى، وضعت سلطات الاحتلال السنوار على رأس قائمة المطلوبين مع قائد الجناح العسكري محمد الضيف، وشقيقه محمد السنوار الذي تسلم قيادة كتائب القسام، محملة هذا الثلاثي القيادي المسؤولية التامة عن التخطيط لمعارك طوفان الأقصى.
وختاماً لذلك، رسم السنوار برحيله نموذجاً للقائد المقاتل الذي جمع بين النظرية الفكرية والبندقية، ليتحول استشهاده في الصفوف الأولى إلى وقود ثوري يدفع الأجيال نحو التمسك بنهج المقاومة حتى تحقيق التحرير وإقامة الدولة المستقلة.

