تتزايد مطالبات الصحافيين والسياسيين والحقوقيين بالإفراج عن سجناء الرأي، وسط مخاوف بشأن أوضاع المحتجزين داخل السجون وانعكاسات استمرار حبسهم على حياتهم الأسرية والصحية.

 

وخلال ندوة نظمتها نقابة الصحافيين، تحدثت أسر محتجزين عن قصر الزيارات والقلق على ذويها، فيما أعلنت سبعة أحزاب وقوى سياسية تضامنها مع سجناء الرأي، وطالبت بمراجعة أوضاع السجون والإفراج عن المحبوسين احتياطياً الذين تجاوزوا المدد القانونية.

 

وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه، بحسب شهادات وتقارير تناولتها الندوة والبيان السياسي، احتجاجات داخل السجون، من بينها إضرابات عن الطعام، وسط دعوات لفتح أماكن الاحتجاز أمام وفود مستقلة للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستجابة للشكاوى المتعلقة بالرعاية الطبية وظروف الاحتجاز.

 

 

ارتفاع عدد الصحافيين المحبوسين

 

قالت إيمان عوف، رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحافيين، إن عدد الصحافيين المحبوسين ارتفع من 20 إلى 26 صحافياً، وفقاً لما أعلنته خلال الندوة التي ناقشت قانون منع الحبس في قضايا النشر، بمشاركة نقيب الصحافيين خالد البلشي وعدد من الصحافيين وأسر المحتجزين.

 

وأكدت عوف أن قضية الصحافيين المحبوسين لا يمكن اختزالها في عدد الأشخاص الموجودين خلف القضبان أو السنوات التي أمضوها بعيداً عن أسرهم، مشيرة إلى أن استمرار الاحتجاز يترك آثاراً مباشرة على الأطفال والزوجات وبقية أفراد العائلة، الذين يضطرون إلى إعادة ترتيب حياتهم اليومية في غياب أحد أفرادها.

 

ورفعت خلال الندوة لافتات تحمل شعار «الصحافة مش جريمة»، في إشارة إلى المطالبات بحماية حرية التعبير ووقف ملاحقة الصحافيين بسبب عملهم أو آرائهم. وشددت عوف على أن الدفاع عن حرية الصحافة لا يقتصر على أعضاء النقابة، بل يشمل كل من يتعرض للملاحقة بسبب التعبير عن رأيه.

 

وأوضحت الشهادات التي طُرحت خلال اللقاء أن طول فترات الاحتجاز يفرض أعباء تتجاوز الجانب القانوني، إذ تحرم بعض الأسر من وجود الأب أو الأم في مراحل أساسية من حياة الأبناء، بينما تعيش زوجات وأقارب المحتجزين في حالة مستمرة من القلق، خصوصاً مع ما يصفونه بصعوبة الاطمئنان على أوضاع ذويهم داخل السجون.

 

 

حالات احتجاز تمتد لسنوات

 

استعرضت عوف عدداً من الحالات التي قالت إنها تكشف امتداد فترات الاحتجاز وتأثيرها على الصحافيين وأسرهم، ومن بينها الصحافية صفاء الكوربجي، العاملة بمجلة الإذاعة والتلفزيون الحكومية، التي تحدثت عن معاناتها من شلل الأطفال منذ الصغر وتراجع قدرتها على الحركة.

 

وبحسب ما عرضته عوف، أمضت الكوربجي نحو خمس سنوات في النيابة من دون إحالتها إلى المحاكمة، وهي حالة أثارت تساؤلات بشأن طول الإجراءات القانونية وما يترتب عليها من استمرار الاحتجاز.

 

وتطرقت عوف كذلك إلى قضية الصحافي كريم إبراهيم، الذي قالت إنه محبوس منذ نحو ست سنوات، مشيرة إلى احتمال عقد جلسة للنطق بالحكم في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. كما تحدثت عن الصحافي مصطفى أحمد الخطيب، المحتجز منذ عام 2019، وقالت إن حالته الصحية تدهورت بشدة.

 

وضمت قائمة الحالات التي استعرضتها الصحافي أحمد سبيع، الذي قالت عوف إنه أمضى نحو عشر سنوات في الاحتجاز قبل الإفراج عنه وإعادة القبض عليه، إلى جانب توفيق غانم، مدير مكتب وكالة الأناضول السابق، البالغ من العمر 68 عاماً، والمحتجز منذ خمس سنوات، بحسب روايتها، وسط مخاوف بشأن وضعه الصحي.

 

وذكرت عوف أسماء صحافيين آخرين، بينهم محمد أبو المعاطي، ومدحت رمضان، وأحمد أبو زيد الطابونجي، ورمضان جويدة، وخالد ممدوح، وأشرف عمر، وحيدر قنديل. وتأتي هذه الحالات في سياق مطالبات حقوقية بمراجعة أوضاع المحتجزين، والتحقق من الأسس القانونية لاستمرار حبسهم، وضمان حصولهم على الرعاية الطبية اللازمة.

 

 

أطفال يكبرون بعيداً عن آبائهم

 

كانت التداعيات الأسرية للاحتجاز من أبرز الموضوعات التي تناولتها الندوة، إذ عرضت عوف شهادات عن أطفال حُرموا من وجود آبائهم خلال سنوات نموهم، وأسر اضطرت إلى تحمل أعباء جديدة نتيجة غياب أحد الوالدين.

 

ومن بين الحالات التي أشارت إليها قضية الصحافي حمدي مختار، إذ قالت عوف إن حالته النفسية والجسدية تدهورت، وإن ابنه كان في عامه الأول تقريباً عندما قُبض على والده، قبل أن يصل إلى سن الدراسة من دون أن يتذكر ملامحه.

 

وتوضح هذه الشهادة جانباً من الآثار التي قد تترتب على الاحتجاز المطول، خصوصاً عندما يستمر خلال مراحل الطفولة المبكرة. فالوقت الذي تقضيه الأسرة بعيداً عن أحد أفرادها لا يمثل مجرد مدة مسجلة في أوراق القضية، بل يرتبط بتفاصيل يومية وعلاقات تتشكل وتتغير مع مرور السنوات.

 

وفي حالة أخرى، تحدثت عوف عن الصحافي ياسر أبو العلا، وقالت إن زوجته وشقيقة زوجته قُبض عليهما، وإن ابنه البالغ 18 عاماً أصبح مسؤولاً عن أشقائه في غياب والديه. وأضافت أن الأسرة لا تعرف، بحسب شهادتها، إلى أين ستؤول القضية.

 

 

زيارات قصيرة ومخاوف على المحتجزين

 

لم تقتصر الشهادات على تأثير الحبس في الأطفال، بل تناولت أيضاً ظروف الزيارات ومخاوف الأسر بشأن صحة المحتجزين وما يجري داخل أماكن الاحتجاز.

 

وقالت نورا السيد، زوجة المخرج وكاتب السيناريو عمر صلاح ملك، إن زوجها محبوس منذ خمسة أشهر على ذمة قضية مرتبطة بالنشر والعلانية، وإن زيارتها الأخيرة له، يوم الأربعاء السابق للندوة، لم تتجاوز نصف ساعة بسبب الإجراءات الأمنية المشددة.

 

وعبّرت السيد عن قلقها على زوجها وعلى أوضاع المحتجزين، ووصفت الظروف داخل السجون بأنها «مزرية»، مشيرة إلى احتجاجات وإضرابات قالت إنها شهدتها أماكن الاحتجاز، وإلى ما ذكرته بشأن لجوء بعض المحتجزين إلى إيذاء أنفسهم أو محاولة الانتحار تحت وطأة الضغوط.

 

ودعت إلى التضامن مع المحتجزين، معتبرة أن قصر الزيارات وصعوبة الاطمئنان عليهم يزيدان مخاوف أسرهم، خصوصاً في ظل تداول شهادات عن احتجاجات داخل السجون.

 

وفي السياق نفسه، تحدث أحد المشاركين في الندوة، بصفته صديقاً لعائلة الصحافي أشرف عمر، عن زيارات أجراها برفقة آخرين، وقال إنها كانت تنتهي عادة بعد نحو نصف ساعة، رغم إشارته إلى أن لائحة السجون تسمح بزيارة تستمر ساعة كاملة.

 

وأضاف أن الزيارة قد تمتد أحياناً لبضع دقائق إضافية عندما يكون بين الزوار أشخاص من كبار السن، لكنه قال إن الاحتجاجات داخل السجون ترافقت مع تعليمات بإنهاء الزيارات.

 

وأشار إلى أن بعض الأهالي شعروا بالقلق بعدما تأخرت إحدى الزيارات بسبب الزحام، خشية أن يكون هناك منع من الوصول إلى ذويهم، قبل أن يتبين لهم، وفقاً لروايته، أن التأخير ارتبط بتكدس الزيارات المتأخرة وكثرة الزائرين.

 

 

اتهامات متكررة وحبس احتياطي طويل

 

وتناولت الندوة أيضاً أوضاع الصحافيين الذين يواجهون اتهامات مرتبطة بالنشر، قبل أن تشمل قضاياهم اتهامات أخرى، مثل الانضمام إلى جماعة محظورة أو نشر أخبار كاذبة أو ارتكاب جرائم بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية.

 

وقالت مفيدة كامل، زوجة الصحافي خالد ممدوح، إن زوجها محبوس منذ عامين وثلاثة أشهر، بعد نحو 30 عاماً من العمل في الصحافة والترجمة والإذاعة المصرية. وأوضحت أنه يواجه اتهامات بالانضمام إلى جماعة محظورة ونشر أخبار كاذبة،

 

ونفت انتماءه إلى جماعة الإخوان، مشيرة إلى أن كتاباته السابقة تضمنت انتقادات لها، وأنه لم ينضم إلى حزب أو تنظيم سياسي، بحسب روايتها.

 

من جانبه، قال المحامي الحقوقي نبيل جندي إن بعض القضايا التي تبدأ باتهامات تتعلق بالنشر قد تتوسع لتشمل اتهامات بالانضمام إلى جماعة أو تمويلها، إلى جانب اتهامات بنشر أخبار كاذبة أو مخالفات مرتبطة بقوانين الجرائم الإلكترونية.

 

واعتبر جندي أن هذا المسار قد يؤدي إلى استمرار احتجاز متهمين في قضايا يرتبط أصلها بالتعبير عن الرأي أو ممارسة العمل الصحافي. وأشار إلى حالات يتابعها، من بينها صفاء الكوربجي وحمدي الزعيم، قائلاً إن بعض المحتجزين أمضوا فترات في الحبس الاحتياطي تراوحت بين عامين وخمسة أعوام.

 

ورأى أن إطالة الحبس الاحتياطي قد تجعله يؤدي عملياً وظيفة العقوبة قبل صدور حكم نهائي، كما تطرق المشاركون إلى حالات قالوا إن أصحابها أعيد احتجازهم على ذمة قضايا أخرى بعد الإفراج عنهم في قضايا سابقة، وذكروا حمدي الزعيم ضمن هذه الحالات.

 

 

سبعة أحزاب تطالب بالإفراج عن سجناء الرأي

 

بالتزامن مع ندوة نقابة الصحافيين، أصدرت سبعة أحزاب وقوى سياسية بياناً أعلنت فيه تضامنها مع سجناء الرأي والمحتجزين، استناداً إلى تقارير وشهادات تحدثت عن دخول عشرات الأشخاص في إضراب مفتوح عن الطعام داخل السجون ومجمعات الاحتجاز.

 

وحمّل البيان السلطة السياسية ووزارة الداخلية المسؤولية السياسية والجنائية عن سلامة المضربين وصحتهم، مؤكداً التضامن مع مطالب تتعلق بالكرامة الإنسانية والحق في الحياة.

 

كما رفض الموقعون ما وصفوه بتحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة ممتدة خارج إطار المحاكمات.

 

وانتقد البيان آليات «التدوير»، التي قال الموقعون إنها تؤدي إلى استمرار احتجاز أشخاص من دون سقف زمني واضح، حتى بعد انتهاء مدد حبسهم أو الإفراج عنهم في قضايا سابقة.

 

وطالب الموقعون بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المحبوسين احتياطياً الذين تجاوزوا المدد القانونية، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وإصدار عفو عام وشامل عن سجناء الرأي والحركات الاجتماعية.

 

كما دعا البيان إلى فتح السجون أمام وفود مستقلة تضم ممثلين عن نقابة المحامين ونقابة الأطباء والمنظمات الحقوقية المستقلة، للتحقق من الشكاوى المتعلقة بالإهمال الطبي وظروف الاحتجاز، والوقوف على أوضاع المحتجزين ومدى حصولهم على الرعاية اللازمة.

 

ووقّع البيان حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي المصري، والحزب الشيوعي المصري، وحركة الاشتراكيين الثوريين، وحزب العيش والحرية، وحزب الكرامة، وحزب الوفاق القومي.

 

وبين شهادات الأسر ومطالب الأحزاب والقوى السياسية، تتجه الدعوات إلى معالجة ملفات المحتجزين من خلال مراجعة قانونية لمدد الحبس، والتحقق المستقل من أوضاع السجون، وضمان الحقوق الأساسية للمحتجزين.

 

وتبقى قضية الصحافيين المحبوسين، وفقاً لما طرحته الندوة، مرتبطة أيضاً بأوضاع عائلاتهم، التي تتحمل آثار الغياب وتنتظر وضوح مصير ذويها، في ظل مطالبات بإنهاء الاحتجاز المطول وضمانات أكثر فاعلية لحرية التعبير والمحاكمة العادلة.