تتقاطع مسارات الخطاب الذي ألقاه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لترسيخ معادلة البقاء، حيث تضمنت مشاركته في الندوة التثقيفية رقم 44 للقوات المسلحة يوم الأربعاء 14 أكتوبر رسائل تعيد تشكيل مفاهيم التهديد الداخلي والخارجي بدقة وحسم بالغين.
ويتصاعد هذا المسار بحضور عبدالفتاح السيسي حفل أكاديمية الشرطة يوم الخميس 15 أكتوبر، بعد فاصل زمني بلغ 16 ساعة، ليفرض تطويقاً لوعي المجتمع وتربط سلامة الدولة بمدى الامتثال التام للسردية الأمنية المعلنة دون أي تردد.
ثنائية الأجنحة وتأميم المجال العام
وانطلاقاً من هذا التأسيس، يرتكز عبدالفتاح السيسي على ثنائية الجيش والشرطة باعتبارهما جناحي الحماية الأوحدين للبلاد، مما يرفع أي مساءلة مدنية لأداء الجهازين إلى مستوى الخطر الوجودي المباشر الذي لا يحتمل أي تهاون أو مراجعة.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور يزيد صايغ، الباحث الأول بمركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، أن حصر مفهوم الحماية داخل المؤسستين النظاميتين يؤدي عملياً إلى مصادرة العمل السياسي، وتحويل المواطنة إلى مجرد امتثال لمنظومة الردع الرسمية.
واستناداً إلى التحليل ذاته، يرى صايغ أن مطالبة عبدالفتاح السيسي أسر الخريجين بالشراكة الأمنية يمثل محاولة لتعميم التجنيد المعنوي، مما يجعل النسيج العائلي أداة للمراقبة والتحوط ضد أي صوت يغرد خارج المسار المرسوم من السلطة.
وعلى نحو موازٍ، تتوالى التحذيرات الموجهة للضباط الجدد من الترصد والملاحقة، لغرس قناعة دائمة بأن رجل الأمن محاط باستهداف مستمر، مما يبرر عزلته الشعورية عن المجتمع ويمنحه حصانة معنوية تمنع أي تدقيق في ممارساته الميدانية.
علاوة على ذلك، يمثل دمج مسألة الوعي بالحرب النفسية والمؤامرة آلية ثابتة لإغلاق النقاش حول الأزمات المعيشية، عبر إدراج كل اختلاف في الرؤى ضمن مخططات التضليل الممنهجة التي تفترض وجود أعداء يتربصون بالبلاد طوال الوقت.
وبالإضافة إلى تلك الرؤية، تجري مصادرة حق التعبير المستقل عن الهموم اليومية عبر وصم التساؤلات بمحاولات زعزعة الثبات الداخلي، الأمر الذي يحول الحوار المجتمعي إلى اصطفاف إجباري مغلق يحرم المواطنين من المشاركة في صياغة أولوياتهم.
ومن ثم، تضحي محاولات النيل من البناء المؤسسي المستمرة منذ عام 2013 بمثابة ذريعة لاستباق أي اعتراض اجتماعي، وتختزل تماسك مصر في دوائر القرار الأمنية دون النظر إلى ضرورة فتح المجال العام للمجتمع للتعبير بحرية.
استدعاء الماضي لتثبيت الهدوء الداخلي
وبناءً على هذه المنطلقات، يعود السيسي لاستدعاء أحداث عام 2011 كأداة مركزية لقطع الطريق أمام أي حراك جماهيري، وتصوير التغيير بوصفه مرادفاً حتمياً للفوضى وانهيار المؤسسات، متجاهلاً التطلعات الشعبية المشروعة التي حركت الملايين بالميادين.
وفي هذا الإطار، يشير الدكتور شريف يونس، أستاذ التاريخ والفكر السياسي بجامعة حلوان، إلى أن التكرار المستمر لمشاهد الاضطراب يمثل هندسة لترسيخ الخوف، بحيث يقبل المجتمع بالتراجع التام للمكتسبات الحقوقية مقابل ضمان حد أدنى للأمان.
وتبعاً لقراءة يونس المنهجية، فإن التذكير باستعادة هوية البلاد في عام 2013 لا يستهدف استعادة التاريخ بقدر ما يرمي إلى احتكار الحديث باسم الإرادة الشعبية، وتحويل لحظة الاحتجاج الكبرى إلى تفويض دائم يمنع تداول السلطة التنفيذية.
ومن هذا المنطلق، يكرس المنقلب مفهوم الإرادة الشعبية ككيان ثابت ومجمد عند لحظة ماضية، مع حرمان الجيل الحالي من حقه في مساءلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي فاقمت أعباء الديون وأثقلت كاهل الأسر بمعدلات تضخم باهظة.
وإزاء هذا المعطى، يفرض الحديث عن تزييف الحقائق عبر الشائعات شللاً تاماً لحرية تدفق المعلومات، حيث تتحول المنصات الإعلامية إلى ناقل لتوجيهات الأجهزة التنفيذية، بينما يُجرّم الاستقصاء المستقل حول إدارة الموارد وتوزيع المشاريع بوصفه تهديداً مقصوداً.
وترتيباً على ذلك، تصبح مقدرات الوطن رهينة لتعريف فوقي يحدده كبار المسؤولين دون رقابة برلمانية مستقلة، حيث تتطابق مصلحة الجهاز الحاكم مع مصلحة المواطنين، وهو تطابق تعسفي يلغي التعددية الفكرية ويهمش مطالب العدالة الاجتماعية والتنمية.
وجدير بالذكر هنا، أن الإصرار على مواجهة التحديات بمسؤولية مجتمعية يهدف إلى نقل عبء الإخفاقات الاقتصادية إلى كاهل المواطن العادي، ومطالبته بالصبر الدائم، بينما تظل القرارات الإستراتيجية والسيادية محصورة داخل الغرف المغلقة دون أي رقابة شعبية.
المناورات الدستورية وموازين القوى الإقليمية
وعلى صعيد متصل، يثير تأكيد قائد الانقلاب العسكري المباشر والمكرر بمقدار 2 مرة عدم المساس بالبنود الدستورية تساؤلات ملحة حول دوافع إثارة الملف في منتدى عسكري، لا سيما في ظل سوابق شهدت تعديل القواعد الأساسية لتمديد فترات الحكم.
وفي هذا الصدد، يوضح الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن إثارة مسألة الدستور أمام قيادات القوات المسلحة يهدف إلى طمأنة المراكز الحيوية، مع إبقاء الباب موارباً لإعادة تفسير النصوص لخدمة استمرارية التحالف الحاكم.
وطبقاً لتقدير السيد، فإن غياب التطرق للمبادئ الدستورية في أكاديمية الشرطة يعكس تفاوتاً متعمداً في صياغة الرسائل، حيث تُخصص الوعود السيادية للدوائر الصلبة، بينما يقتصر الخطاب الأمني الموجه للمجتمع على الانضباط والطاعة العمياء دون ذكر الحقوق.
وبالمثل تماماً، جاء استدعاء عبدالفتاح السيسي لقضايا حل الدولتين وأمن الخليج لتوظيف الملفات الخارجية في تدعيم الشرعية السياسية وجلب الدعم المالي، بينما تظل السياسة الداخلية عاجزة عن تقديم أي انفراجة حقيقية للمواطنين المحاصرين بضغوط المعيشة الخانقة.
ومن زاوية مكملة، يرتبط هذا التحرك الخارجي بالرغبة في تقديم الذات كشريك أمني لا غنى عنه للمنظومة الإقليمية والدولية، مما يتيح للسلطة هامشاً واسعاً لتجاهل المعايير الديمقراطية ومطالبات الإصلاح السياسي والحقوقي التي تتبناها المنظمات والفعاليات المستقلة دولياً.
وفي المحصلة الختامية، يبرز التباين بين خطابي يوم 14 ويوم 15 أكتوبر استراتيجية متكاملة لتقاسم الأدوار وإحكام القبضة على مقدرات مصر، عبر توظيف الذاكرة والمخاوف الأمنية لفرض الاستسلام التام كخيار وحيد أمام مجتمع يتطلع للعدالة والكرامة.
وخلاصة هذا المشهد، أن الخطاب المزدوج للسيسي لا يسعى إلى طمأنة الداخل بقدر ما يرسم خطوطاً حمراء تحرم على الجميع التفكير في بدائل سلمية، وتضع مصير التنمية في قبضة جهاز بيروقراطي يرى في كل بادرة استقلال مجتمعي خطراً داهماً.

