يصلح ملف تفريعة قناة السويس لفتح نقاش حول الفارق بين الدعاية للمشروعات القومية وقياس نتائجها الاقتصادية الفعلية، خصوصا مع عودة الترويج لإنجازات قائد الانقلاب العسكري، عبد الفتاح السيسي في المؤتمرات والمنتديات. فالمشروع الذي افتُتح في 6 أغسطس 2015، وسط احتفالات واسعة ووعود بزيادة إيرادات القناة وتوفير فرص العمل، يطرح سؤالا أساسيا بعد مرور أكثر من عقد: هل حقق العائد الذي انتظرته الدولة والمصريون الذين ساهموا في تمويله، أم أن النتائج جاءت دون سقف التوقعات؟

 

لا تتعلق المسألة بمجرد نجاح أعمال الحفر أو افتتاح ممر ملاحي جديد، وإنما بمدى قدرة المشروع على تحقيق إيرادات إضافية تبرر تكلفته، وتوفير موارد مستدامة للاقتصاد المصري، في وقت تواجه فيه البلاد أعباء الديون واحتياجات الإنفاق على الخدمات العامة. كما تثير التجربة أسئلة بشأن طريقة اتخاذ القرار، ومدى واقعية التوقعات التي صاحبت الإعلان عن المشروع، وشفافية تقييم نتائجه بعد التشغيل.

 

ومن هنا، فإن مراجعة التفريعة لا تعني إنكار أهمية قناة السويس بوصفها أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، بل تعني التمييز بين أهمية القناة التاريخية والاستراتيجية، وبين الجدوى الاقتصادية لاستثمار بعينه، وهي مسألة ينبغي أن تخضع للأرقام والدراسات لا لحجم الاحتفالات المصاحبة للافتتاح.

 

 

وعود ضخمة لم تتحقق بالأرقام المعلنة

 

بدأت فكرة التفريعة الجديدة بتوقعات رسمية متفائلة بشأن قدرة التوسعة على زيادة أعداد السفن العابرة وتعزيز موارد النقد الأجنبي.

 

ووفقا للبيانات المنشورة على الموقع الرسمي لهيئة قناة السويس، استهدف المشروع رفع الإيرادات السنوية من نحو 5.3 مليارات دولار إلى 13.226 مليار دولار بحلول عام 2023، مع تعزيز تنافسية الممر الملاحي وتوفير فرص عمل جديدة.

 

لكن الفارق بين التوقعات والنتائج الفعلية أصبح أحد أبرز الأسئلة التي تلاحق المشروع. فقد بلغت إيرادات القناة نحو 5.465 مليارات دولار عام 2014، قبل افتتاح التفريعة، ثم سجلت 5.175 مليارات دولار عام 2015، وتراجعت إلى نحو 5.005 مليارات دولار عام 2016، وفقا للأرقام الواردة في التقرير الأصلي.

 

وعلى الرغم من ارتفاع الإيرادات لاحقا إلى 5.585 مليارات دولار عام 2017، فإنها ظلت بعيدة عن الهدف المعلن البالغ 13.226 مليار دولار سنويا بحلول 2023.

 

وفي ذلك العام، حققت القناة بالفعل إيرادات قياسية بلغت 10.25 مليارات دولار، لكنها لم تصل إلى الرقم المستهدف عند إطلاق المشروع. 

 

وهنا تبرز نقطة جوهرية في تقييم التجربة: ارتفاع الإيرادات بعد تنفيذ التوسعة لا يكفي وحده لإثبات أن التفريعة حققت جدواها الاقتصادية، مثلما أن عدم بلوغ التوقعات لا يعني بالضرورة أن المشروع لم يقدم أي فائدة ملاحية.

 

فالحكم الدقيق يتطلب مقارنة الإيرادات الإضافية التي يمكن نسبتها إلى المشروع بتكاليف تنفيذه وتمويله وصيانته، مع احتساب المتغيرات التي أثرت في التجارة الدولية وأسعار الشحن وحركة السفن.

 

وتكمن المشكلة في أن الخطاب الدعائي الذي صاحب الافتتاح ركز على العوائد المنتظرة، بينما يحتاج التقييم الاقتصادي بعد سنوات التشغيل إلى نشر حسابات واضحة توضح ما تحقق فعليا، وما كان يمكن تحقيقه من دون تنفيذ المشروع، ومدى تأثيره في موارد الدولة.

 

 

كم بلغت تكلفة التفريعة؟

 

قدرت التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 8.2 مليارات دولار، بحسب تقرير لوكالة رويترز تناول توسعة قناة السويس عام 2015. وشمل المشروع حفر مجرى مائي جديد بطول 35 كيلومترا، إلى جانب أعمال توسعة وتعميق في أجزاء من المجرى القائم وممرات أخرى، ليصل إجمالي نطاق الأعمال إلى نحو 72 كيلومترا وفقا لبيانات هيئة القناة. 

 

ولم تكن هذه الأموال مجرد أرقام في موازنة مشروع حكومي، بل ارتبط جزء من تمويلها بمدخرات المصريين، بعدما طرحت الدولة شهادات استثمار مخصصة لتمويل المشروع، إلى جانب الاقتراض من البنوك. وهو ما جعل التفريعة قضية اقتصادية واجتماعية في الوقت نفسه، إذ ارتبطت الحملة المصاحبة لها بفكرة مشاركة المواطنين في مشروع قومي سيعود عليهم بالنفع.

 

وكانت التوقعات المرتفعة بشأن الإيرادات وفرص العمل أحد عناصر الترويج للشهادات، لكن قياس العائد الفعلي يتطلب التمييز بين قيمة الأموال التي جُمعت، والعائد الذي حصل عليه أصحاب الشهادات وفق شروطها، وبين الأرباح الاقتصادية التي حققتها القناة نتيجة التوسعة.

 

كما أن احتساب تكلفة المشروع لا ينبغي أن يتوقف عند فاتورة الحفر وحدها، بل يجب أن يشمل تكلفة التمويل والفوائد والفرص البديلة لاستخدام الأموال. فالمليارات التي وُجهت إلى التوسعة كان يمكن تخصيصها لمشروعات أخرى أو لخدمات عامة، لكن معرفة ما إذا كان ذلك البديل أفضل تحتاج إلى دراسة مقارنة، لا إلى افتراض مسبق.

 

ومن ثم، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح في أي منتدى يستعرض الإنجازات هو: هل نشرت الجهات المعنية تقييما مستقلا ومفصلا يقارن التكلفة الكلية بالعائد الإضافي الذي تحقق بسبب التفريعة؟ وهل أُتيحت للمواطنين بيانات تسمح لهم بفهم نتائج الاستثمار الذي شاركوا في تمويله؟

 

 

من إيرادات قياسية إلى تراجع حاد

 

تُظهر السنوات اللاحقة أن إيرادات قناة السويس لم تتحرك في اتجاه تصاعدي ثابت، بل تأثرت بعوامل اقتصادية وجيوسياسية متباينة.

 

ففي عام 2023، سجلت القناة إيرادات قياسية بلغت 10.25 مليارات دولار، وهو أعلى مستوى سنوي في تاريخها آنذاك، قبل أن تتراجع الإيرادات إلى 3.991 مليارات دولار عام 2024، بانخفاض بلغ نحو 61%، وفقا للبيانات الرسمية التي نقلتها وسائل إعلام دولية. 

 

وجاء هذا التراجع بصورة أساسية نتيجة اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب، والهجمات التي استهدفت سفنا تجارية، ما دفع شركات شحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وانخفض عدد السفن العابرة للقناة من 26 ألفا و434 سفينة عام 2023 إلى 13 ألفا و213 سفينة عام 2024. 

 

وتفرض هذه التطورات ضرورة الفصل بين تقييم تفريعة 2015 وبين الخسائر التي تعرضت لها القناة لاحقا بسبب الظروف الأمنية الإقليمية. فلا يصح تحميل التوسعة وحدها مسؤولية تراجع الإيرادات في 2024، كما لا يصح اعتبار الإيرادات القياسية المسجلة في 2023 دليلا كافيا على تحقق جميع الوعود التي صاحبت المشروع.

 

لكن هذه التقلبات تكشف أيضا أن الاعتماد على توقعات متفائلة لحركة التجارة العالمية لا يكفي لتبرير استثمارات ضخمة، خصوصا عندما تكون الإيرادات مرتبطة بعوامل لا تتحكم فيها الدولة بالكامل. فالمشروع الذي يستهدف زيادة العوائد ينبغي تقييمه وفق سيناريوهات متعددة، تشمل النمو المتوقع، والأزمات المحتملة، وحجم الزيادة الفعلية في القدرة الاستيعابية للممر الملاحي.

 

ومن المهم هنا أن تكون المقارنة مبنية على الإيرادات والتكاليف الفعلية، لا على اختيار سنة قياسية واحدة أو سنة استثنائية متراجعة. فالمعيار الاقتصادي الأكثر دقة هو معرفة ما إذا كانت التفريعة قد رفعت قدرة القناة التنافسية، وما مقدار العائد الإضافي الذي حققته مقارنة بالتكلفة الكلية للاستثمار.

 

 

هل كانت الدعاية أكبر من النتائج؟

 

أحد أبرز جوانب الجدل حول التفريعة هو الطريقة التي قُدم بها المشروع للجمهور. فقد صاحب الافتتاح احتفال رسمي واسع النطاق، وجرى تقديمه بوصفه خطوة ستنقل الاقتصاد المصري إلى مرحلة جديدة من النمو، مع وعود بزيادة إيرادات القناة وتوفير فرص العمل وتعزيز مكانة مصر في التجارة العالمية.

 

لكن المشروعات القومية لا تُقاس بحجم الاحتفال بافتتاحها، ولا بالصور التذكارية والخطابات الرسمية، وإنما بقدرتها على تحقيق أهداف قابلة للقياس. وإذا كانت التوقعات الأصلية تشير إلى إيرادات تتجاوز 13 مليار دولار سنويا، فإن عدم بلوغ هذا الرقم حتى عام 2023 يستحق مراجعة علنية لأسباب الفجوة بين المستهدف والمتحقق.

 

وتتطلب هذه المراجعة الإجابة عن أسئلة محددة: هل كانت تقديرات حركة السفن واقعية منذ البداية؟ وهل أُخذت المنافسة بين طرق التجارة البحرية في الاعتبار؟ وهل جرى احتساب أثر التباطؤ الاقتصادي العالمي وتقلبات التجارة الدولية؟ والأهم، هل نُشرت دراسة لاحقة تقارن النتائج الفعلية بالتوقعات الأصلية وتشرح أسباب الانحراف عنها؟

 

ولا يعني طرح هذه الأسئلة تبني حكم مسبق بأن المشروع لم يحقق أي فائدة، بل يضع المسؤولين أمام مسؤولية توضيح النتائج. فالشفافية لا تنتقص من قيمة المشروعات الناجحة، وإنما تساعد على تمييز الإنجاز الحقيقي من التوقعات التي لم تتحقق.

 

كما أن استمرار الترويج للمشروعات باعتبارها إنجازات مكتملة من دون نشر تقييمات اقتصادية مستقلة يضعف ثقة الجمهور في الخطاب الرسمي، ويجعل أي إعلان جديد عن مشروع ضخم عرضة للتشكيك، حتى عندما تكون له فوائد فعلية.

 

 

دروس التفريعة للمشروعات الجديدة

 

تزداد أهمية مراجعة تجربة قناة السويس مع طرح مشروعات كبرى أخرى، سواء في البنية التحتية أو المدن الجديدة أو مشروعات استصلاح الأراضي والطاقة. فالتحدي لا يكمن في قدرة الدولة على تنفيذ أعمال هندسية ضخمة فحسب، بل في تحديد أولويات الاستثمار، وضمان أن تتناسب التكلفة مع العائد المتوقع، وألا تتحول الوعود الاقتصادية إلى أرقام دعائية يصعب التحقق منها بعد انتهاء الاحتفالات.

 

وتقدم تجربة التفريعة درسا أساسيا يتمثل في ضرورة الفصل بين الإنجاز الهندسي والنجاح الاقتصادي. فقد يُنفذ المشروع وفق الجدول الزمني المحدد، وتُفتتح منشآته في موعدها، لكنه لا يحقق جميع التوقعات المتعلقة بالإيرادات وفرص العمل والنمو. وفي المقابل، قد تظهر له فوائد استراتيجية أو تشغيلية يصعب قياسها من خلال الإيرادات المباشرة وحدها.

 

لذلك، فإن التقييم الجاد يحتاج إلى بيانات عن حجم السفن الإضافية التي استطاعت القناة استقبالها، والوقت الذي وفرته التوسعة، والتغير في تكاليف التشغيل والصيانة، وحجم الإيرادات الإضافية المنسوبة إلى المشروع، فضلا عن تكلفة التمويل والآثار الاقتصادية غير المباشرة.

 

ومن الضروري كذلك نشر تقديرات واضحة بشأن الوظائف التي وفرها المشروع بالفعل، والتمييز بين الوظائف المؤقتة المرتبطة بالحفر والإنشاءات، وفرص العمل المستدامة التي تستمر بعد انتهاء التنفيذ. فالتعهد بتوفير عشرات الآلاف من الوظائف لا يمكن تقييمه بمجرد الإشارة إلى أعداد العمال الذين شاركوا في الإنشاءات، بل يتطلب بيانات موثقة عن طبيعة الوظائف ومدتها وأثرها في سوق العمل.

 

 

المطلوب حسابات لا احتفالات

 

مع عودة الحديث عن إنجازات السيسي، يمكن أن تتحول تفريعة قناة السويس إلى اختبار لمدى استعداد الجهات الرسمية لمناقشة نتائج المشروعات بالأرقام، لا الاكتفاء باستعراض مراحل تنفيذها وصور افتتاحها.

 

ويبدأ ذلك بنشر تقرير شامل يقارن الأهداف المعلنة قبل التنفيذ بالنتائج الفعلية بعد التشغيل، ويوضح إجمالي التكلفة ومصادر التمويل وأعباء الاقتراض، ويحسب العائد الاقتصادي الإضافي الذي تحقق بسبب التوسعة. كما ينبغي أن يشرح التقرير تأثير الأزمات الدولية، حتى لا تختلط نتائج المشروع بالعوامل الخارجية التي أثرت في حركة الملاحة.

 

ويجب أن يتضمن التقييم رأيا مستقلا من خبراء الاقتصاد والنقل البحري، وأن يتيح البيانات اللازمة لمراجعة الحسابات والتحقق من الاستنتاجات. فالمشروعات التي تمولها الدولة أو يشارك المواطنون في تمويلها ليست ملكا للخطاب الدعائي، بل تخضع للمساءلة العامة باعتبارها استثمارات تمس الموارد والفرص المتاحة للأجيال المقبلة.

 

والخلاصة أن تفريعة قناة السويس ليست قصة يمكن اختزالها في وصفها بالنجاح المطلق أو الفشل الكامل. فالأرقام تظهر أن القناة حققت إيرادات قياسية في بعض السنوات، لكنها لم تبلغ الهدف السنوي المعلن عند إطلاق المشروع بحلول 2023، ثم تعرضت إيراداتها لانخفاض حاد عام 2024 بسبب أزمة البحر الأحمر. 

 

وبين هذه الوقائع، يبقى السؤال الأهم: هل حصل المصريون على عائد اقتصادي يتناسب مع مليارات الدولارات التي استُثمرت في التفريعة؟ الإجابة لا ينبغي أن تُترك للدعاية أو للانتقادات وحدها، بل يجب أن تستند إلى حسابات معلنة وتقييم مستقل. فهذا هو الفارق بين الاحتفاء بمشروع قومي ومحاسبة المسؤولين عن نتائجه، وبين تقديم الإنجازات بوصفها شعارات سياسية وقياسها باعتبارها استثمارات يفترض أن تخدم الاقتصاد والمواطنين.