تسعى الدوائر الاستراتيجية في تل أبيب لاستعادة قنوات التعاون التاريخية بهدف تأمين مصادر الوقود الحيوي، وتوظيف الثقل النفطي للشرق الليبي كركيزة أساسية لمواجهة التمدد المتنامي لكل من موسكو وأنقرة في مياه البحر المتوسط.
وفي هذا السياق، تبرز تجارب التنسيق الأمني السابقة كنموذج عملي لتحقيق مصالح متبادلة تضمن تدفق الإمدادات البترولية وتوفير الحماية العسكرية، مما يمهد الطريق لبناء تفاهمات ميدانية غير معلنة تحد من تنامي الوجود الأجنبي الساحلي.
محطات تاريخية أرست قواعد التعاون السري
وفي محطات تاريخية سابقة اقترن اعتلاء الملك الحسن الثاني للعرش في المعرب في شهر فبراير 1961 بمؤامرة مصرية استهدفته، لكن جهاز الموساد أحبط المخطط وأخطر الجنرال محمد أوفقير، مما مكّن الأجهزة المغربية من تفكيك الخلية المعادية في الدار البيضاء بسرعة وحزم.
وبناءً على ذلك التدخل، منحت الرباط نظيرتها وصولاً استراتيجياً شمل إقامة قاعدة تدريب أمني دائمة، في مقابل حصول الجيش المغربي على صفقة تضمنت 100 دبابة مخصصة لدعم التمركزات العسكرية وتأمين الحدود المشتعلة على الجبهة الجزائرية.
وتجدد هذا التنسيق في شهر سبتمبر 1965 حين استضاف فندق القمة العربية فريقاً مشتركاً ضم رافي إيتان وبيتر مالكين، لزرع أجهزة تنصت بالغة الدقة خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 18 سبتمبر داخل أروقة الاجتماعات المغلقة.
وبفضل تلك التسجيلات، التقطت الاستخبارات هجوم جمال عبد الناصر العنيف ضد الملك حسين وضعف الجاهزية العسكرية، واعتبر مئير عميت الاختراق نجاحاً استخبارياً مبهراً، بينما أكد شلومو غازيت دوره الحاسم في حسم نصر عام 1967.
وموازاة مع ذلك، تعقبت المخابرات المعارض المهدي بن بركة حتى اعترضه ضباط فرنسيون أمام براسيري ليب بتاريخ 29 أكتوبر 1965، ليتخلص منه عملاء مغاربة بينما قدم الموساد الخبرة والمخابئ لإخفاء الجثة ضمن عملية بابا باترا.
نفوذ الطاقة وصراع التوازنات الإقليمية
واليوم يستفيد المشير خليفة حفتر من تلك السوابق متسلحاً بسيطرة جيشه على الهلال النفطي وموانئ السدرة ورأس لانوف والبريقة والزويتينة والحريقة، بعدما أثبتت وقائع سابقة قدرة الإغلاقات التكتيكية على إحداث شلل واسع في أسواق التصدير العالمية.
وفي هذا الإطار، تسببت إغلاقات شهر يناير 2020 في خسارة 800 ألف برميل ونحو 55 مليون دولار يومياً، بينما سمحت البنية التحتية بحقلي السرير ومسلة بضخ قرابة 180 ألف برميل يومياً من الخام عالي الجودة خلال سبتمبر 2025.
وعلاوة على ذلك، نجحت شبكات تجارة أركينو الموازية في تصدير 42.1 مليون برميل بين يناير 2024 وديسمبر 2025 وحولت 3 مليارات دولار، لتكسر احتكار المؤسسة بطرابلس وتجعل مقعد الأخيرة الأممي مجرد واجهة تفتقر لأي نفوذ عملي مؤثر.
ومن جانب آخر، يتطلع مخططو تل أبيب نحو حقول ليبيا لتعويض إنتاجهم المحلي المحدود البالغ 25 ألف برميل يومياً، أمام حجم استهلاك ضخم يصل إلى 220 ألف برميل، يتم استيراده عبر خط أنابيب إيلات وعسقلان الشديد الهشاشة.
وتعاظمت تلك المخاطر عندما شلت صواريخ إيرانية مصفاة حيفا البالغة طاقتها 197 ألف برميل في يونيو 2025، مما استدعى استيراد 74 ألف برميل مشتقات يومياً، ليرتفع سعر لتر البنزين إلى 2.69 دولار في تاريخ 1 أكتوبر 2026.
بالتوازي مع هذا، تستغل قوى أنقرة وموسكو الساحل الليبي، حيث قوضت مذكرة تركيا البحرية في نوفمبر 2019 مصالح دول المتوسط، بينما يطور فيلق روسيا 6 قواعد جوية أبرزها الخادم التي تبعد 100 كيلومتر شرق بنغازي، وقاعدتي الجفرة وبراك الشاطئ.
وبصورة أكثر تفصيلاً، تزايدت أعداد القوات الروسية في براك الشاطئ من 300 عنصر في ديسمبر 2024 لتبلغ 450 في أغسطس 2026، مما رفع إجمالي عناصر الكرملين لنحو 2000 جندي يتحركون بحرية لغياب أي مبادرة فاعلة من حكومة نتنياهو.
مبادرات تكتيكية لحماية المصالح المشتركة
وتأسيساً على هذا الواقع، تطرح الاستراتيجية البديلة 3 أدوات سياسية تشمل نشر خلية حماية لصيقة تضم الموساد والشاباك لتأمين حفتر محاكاة لنموذج 1961، لضمان استقرار قيادته في مواجهة الاغتيال مقابل الحصول الفوري على شحنات النفط الخام.
ومن ثم ينبغي لشركة خط أنابيب أوروبا آسيا ضخ 50 ألف برميل يومياً من خام الشرق إلى عسقلان عبر الإمارات لتقليص عجز الواردات بمقدار الربع 1/4، مع استرداد ضريبي يخفض سعر الوقود البالغ 2.69 دولار بمحطات التوزيع.
وبموازاة تلك الإجراءات، يقيد ملحق سري توسع الفيلق الروسي بقاعدتي الخادم والجفرة، مع تقديم معدات ليزر متطورة لمواجهة الطائرات المسيرة، ونشر بطاريات استخبارات إلكترونية ساحلية لرصد التهديدات، وتوفير مركبات مدرعة لتعزيز قدرات القوات البرية المحلية.
وفي خطوة مكملة، تتيح مبادرة سيدرا فلور استئجار منصة استشعار تكتيكية بين طبرق ورأس لانوف لنشر رادارات ساحلية ومجسات صوتية، دون الحاجة لإنشاء قاعدة عسكرية دائمة، مما يجنب الأطراف المعنية أية حساسيات دبلوماسية أو سياسية معقدة.
ونتيجة لهذا التنسيق، تدمج البيانات الاستخبارية مع اليونان وقبرص لمواجهة مطالب أنقرة غير القانونية لعام 2019، وتتبع سفن الإمداد الروسية بدقة، استناداً إلى سابقة عام 1965 التي برهنت على إمكانية تعظيم النفوذ دونما حاجة لتحالفات علنية.
وعلاوة على المسار البحري، تستهدف مبادرة حريقة لوب إعادة تشغيل مصفاة رأس لانوف المعطلة منذ 2013 والبالغة طاقتها 220 ألف برميل، لمعالجة تدني الإنتاج الوطني الذي سجل 153 ألف برميل عام 2025 مقابل طاقة اسمية تبلغ 666 ألف برميل.
وفي سياق المعالجة، تشرف فرق فنية على تشغيل المصفاة لتكرر شركة بازان كميات موازية وإعادة الديزل والكيروسين إلى الحريقة، بالتزامن مع تولي شركات صناعية تجهيز مجمع مطار بنغازي البالغة كلفته 1.3 مليار دولار بأنظمة أمنية وملاحية متطورة.
ومن جانب البنية التحتية، يستوعب هذا المطار الحديث 15 مليون مسافر ويمتلك مدرجاً بطول 3.8 كيلومتر مخصصاً لطائرات إيرباص A380، فيما يدير مكتب اتصال بطبرق الملف عبر قناة أبوظبي لنقل الرحلات من شرق ليبيا مباشرة نحو القدس.
وبحسب التقديرات الدبلوماسية، يمكن تأجيل الاعتراف الرسمي كما حدث تاريخياً، إذ سبق الاعتماد التقني اتفاقيات أبراهام بنحو 55 عاماً، مما يتيح بناء شراكة واقعية تعتمد على المصالح المتبادلة دون إثارة توترات إقليمية وشعبية غير مرغوبة.
وتأكيداً على ذلك، تملك بنغازي اليوم أوراق القوة المتمثلة في الخام ومدارج الطيران لحماية قيادتها من الاغتيال، مستلهمة نجاح عملية فندق الدار البيضاء عام 1965، لبناء تفاهمات شرق أوسطية متينة تستند حصرياً إلى تدفقات نفط سرت.

