كشف حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن الارتفاع الجنوني لأسعار البصل في الأسواق المصرية يرتبط بالتوسع غير المنضبط في التصدير واستغلال التجار للمخزون، وسط غياب التخطيط الذي يحمي المستهلكين والمنتجين.

 

وحذر أبو صدام من استمرار موجة الغلاء خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا أن الأسعار مرشحة لمزيد من الارتفاع، بينما يدفع المواطن المصري ثمن سياسات زراعية وتجارية عاجزة عن ضبط الأسواق وتوفير السلع الأساسية.

 

وتكشف الأزمة مفارقة صارخة؛ فالمحصول الذي خرج من أرض الفلاح بنحو خمسة جنيهات للكيلو، بحسب نقيب الفلاحين، وصل إلى المستهلك بأكثر من ثلاثين جنيهًا، وسط تساؤلات عن المستفيد الحقيقي.

 

وفي الوقت الذي تعجز فيه أسر كثيرة عن مواجهة الارتفاعات المتلاحقة للأسعار، تتحول سلعة أساسية مثل البصل إلى عبء إضافي، يكشف اتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف معيشتهم اليومية.

 

ولا تبدو الأزمة مجرد ارتفاع موسمي عابر، بل نتيجة اختلالات متراكمة في إدارة الإنتاج والتصدير والتوزيع، بينما تواصل الحكومة التعامل مع الأزمات بعد انفجارها بدلًا من منع أسبابها.

 

 

التصدير العشوائي يفتح أبواب الغلاء

 

أكد نقيب الفلاحين أن الإقبال الكبير على تصدير البصل لتغطية احتياجات الأسواق الخارجية أدى إلى تراجع الكميات المتاحة محليًا، ما ساهم في دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة.

 

وأوضح أن الأزمة تفاقمت نتيجة انخفاض المساحات المزروعة خلال المواسم السابقة، بعدما تعرض مزارعون لخسائر بسبب اضطرارهم لبيع إنتاجهم بأسعار تقل عن تكاليف الزراعة والحصاد والنقل.

 

وهنا تتكشف مسؤولية السياسات الحكومية التي لم تنجح في تحقيق التوازن بين حماية الفلاح وضمان توفير احتياجات السوق المحلية، حتى أصبحت الوفرة الإنتاجية عاجزة عن حماية المستهلك من الغلاء.

 

فبدلًا من وضع خطة واضحة تحدد الاحتياجات الفعلية للمصريين والكميات القابلة للتصدير، تستمر الأسواق في مواجهة تقلبات حادة تفتح الباب أمام المضاربات وتضع المستهلك تحت رحمة العرض والطلب.

 

كما تثير هذه السياسة تساؤلًا جوهريًا بشأن أولويات الحكومة؛ فكيف تتحول زيادة الطلب الخارجي إلى أزمة غذائية داخلية، دون وجود آليات فعالة تضمن استمرار توافر المحاصيل الأساسية بأسعار مناسبة؟

 

والأخطر أن تكرار الأزمات يكشف غياب رؤية مستقرة، بعدما أصبح المزارع معرضًا للخسارة عند وفرة المحصول، بينما يواجه المستهلك أسعارًا مضاعفة عندما تتراجع الكميات المعروضة في الأسواق.

 

وبين خسائر الفلاح ومعاناة المواطن، تبدو حلقات التسويق والوساطة المستفيد الأكبر من الاختلالات القائمة، في مشهد يعكس عجز الرقابة عن تحقيق توازن عادل بين المنتج والتاجر والمستهلك.

 

 

مخازن التجار تضاعف معاناة المصريين

 

اتهم أبو صدام بعض التجار بالاستفادة من ارتفاع الأسعار، مؤكدًا أنهم اشتروا محصول البصل من المزارعين بنحو خمسة جنيهات للكيلو، ثم خزّنوه لبيعه لاحقًا بأسعار تتجاوز ثلاثين جنيهًا.

 

وتضع هذه التصريحات ملف تخزين المحاصيل الزراعية تحت المجهر، خاصة مع اتساع الفارق بين أسعار الشراء من المزارعين وأسعار البيع للمستهلكين، وسط مطالبات بكشف أسباب هذه القفزات السعرية.

 

ولا يعني اختلاف أسعار الشراء والبيع أن الفارق بأكمله يمثل أرباحًا صافية، لكنه يفرض ضرورة فحص تكاليف التخزين والنقل وهوامش الوسطاء، والتحقيق في أي ممارسات احتكارية محتملة.

 

وفي المقابل، يواجه الفلاح ارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات والعمالة والري، دون ضمان الحصول على سعر عادل يعوض نفقاته، بينما يصل المحصول إلى المستهلك بأسعار تتجاوز قدرته الشرائية.

 

وهكذا يجد الطرفان الأضعف نفسيهما ضحيتين للمنظومة ذاتها؛ المزارع يبيع بثمن متدنٍ تحت ضغط التكاليف والديون، والمواطن يشتري بأسعار مرتفعة بعدما يمر المحصول عبر حلقات التداول المختلفة.

 

وتثير هذه المفارقة أسئلة محرجة للحكومة بشأن دور الأجهزة الرقابية في متابعة المخزون، وكشف الممارسات الاحتكارية، ومراقبة هوامش الربح، ومنع استغلال نقص المعروض لتحقيق مكاسب غير مبررة.

 

كما أن استمرار الارتفاعات يكشف محدودية الإجراءات الحكومية في حماية القدرة الشرائية للأسر، خصوصًا بعدما أصبحت الزيادات المتكررة تمتد إلى محاصيل غذائية لا تستطيع غالبية البيوت الاستغناء عنها.

 

ولم يعد الحديث عن ارتفاع الأسعار مجرد أرقام متداولة في الأسواق، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لتدهور الأوضاع المعيشية، واتساع معاناة المواطنين مع توفير الاحتياجات اليومية لأسرهم.

 

 

حكومة بلا تخطيط والأسعار تتصاعد

 

حذر نقيب الفلاحين من أن أسعار البصل لا تحمل مؤشرات واضحة على الانخفاض حاليًا، مرجحًا استمرار الزيادة ما لم تتخذ إجراءات تحد من تأثير التصدير على المعروض المحلي.

 

وأشار إلى أن المحصول الجديد من البصل الفتيلة لن يظهر قبل أبريل المقبل، بينما تختلف طبيعة المحصول المتاح في بداية العام، باعتباره بصلًا مقورًا لا يصلح للتخزين طويلًا.

 

وفي المقابل، توقع الدكتور عبد المجيد مبروك، رئيس قسم بحوث البصل بمعهد البحوث الزراعية، أن يبدأ انخفاض الأسعار تدريجيًا مع وصول إنتاج الوجه القبلي إلى الأسواق نهاية ديسمبر وبداية يناير.

 

وأوضح مبروك أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بالتصدير وحده، بل يشمل زيادة تكاليف الإنتاج والأسمدة والمبيدات، إلى جانب ارتفاع الطلب الخارجي على المحصول المصري نتيجة نقص الإمدادات ببعض الدول.

 

وتكشف التقديرات المختلفة بشأن موعد تراجع الأسعار حجم الضبابية التي تحيط بالأزمة، فيما يبقى المواطن عاجزًا عن معرفة متى تنتهي موجة الغلاء أو تستعيد الأسواق قدرًا من الاستقرار.

 

وأشار مبروك إلى أن إنتاج مصر من البصل يتراوح بين 3.5 و4.5 مليون طن، مقابل استهلاك محلي لا يتجاوز مليوني طن، ما يفتح باب التساؤلات بشأن إدارة الفائض وتوزيعه.

 

فكيف تمتلك البلاد إنتاجًا يسمح بتغطية الاستهلاك المحلي والتصدير وتشغيل مصانع التجفيف، ثم يجد المواطن نفسه أمام قفزات سعرية حادة تعجز دخوله المحدودة عن استيعابها؟

 

ولا تكمن المشكلة في التصدير باعتباره نشاطًا اقتصاديًا مشروعًا، وإنما في غياب التوازن الذي يمنع تحول الطلب الخارجي إلى عامل ضغط إضافي على أسعار الغذاء داخل البلاد.

 

وحذر مبروك من حظر التصدير بصورة مفاجئة، مؤكدًا أن ذلك قد يضر بالأسواق الخارجية التي نجحت مصر في دخولها، ويربك سلسلة الإنتاج والتجارة وصولًا إلى المزارعين أنفسهم.

 

ومن جانبه، انتقد أبو صدام القرارات المفاجئة بفتح التصدير وإغلاقه، مطالبًا بوضع خطة زراعية وتجارية تحدد المساحات المطلوبة للاستهلاك المحلي، والكميات المتاحة للتصدير، بما يمنع تكرار الاختلالات.

 

وتؤكد هذه التحذيرات أن القرارات الارتجالية ليست حلًا جذريًا، وأن المطلوب سياسة مستقرة تحمي الإنتاج الزراعي، وتضمن حقوق الفلاحين، وتحافظ على الأسواق الخارجية دون التضحية باحتياجات المصريين.

 

كما تفرض الأزمة ضرورة إعلان بيانات دقيقة عن الإنتاج والمخزون والصادرات، وتفعيل الرقابة على الأسواق، ومواجهة أي تلاعب يفاقم الأسعار، بدلًا من ترك المواطنين يواجهون موجات الغلاء دون حماية.

 

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا يدفع الفلاح ثمن انخفاض الأسعار عند الحصاد، ثم يدفع المواطن ثمن ارتفاعها عند البيع، بينما تغيب المحاسبة الواضحة عن الاختلالات التي تفصل بينهما؟

 

وفي النهاية، تكشف أزمة البصل أن معاناة المصريين لا ترتبط فقط بارتفاع تكاليف الإنتاج، بل تتفاقم مع ضعف التخطيط والرقابة، واستمرار سياسات تترك الغذاء الأساسي عرضة للتقلبات والمضاربات.

 

وحتى تتغير هذه السياسات، سيظل المواطن الحلقة الأضعف، يدفع من دخله المتآكل ثمن فوضى الأسواق، بينما تتكرر الوعود بحماية المستهلك دون أن يشعر بانفراجة حقيقية عند الشراء.