مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

بات العالم على موعد مع جولة جديدة من قفزة أسعار النفط التي زادت اليوم الخميس بأكثر من 5% لتتجاوز 105 دولارات للبرميل، ومن المتوقع أن تواصل الزيادة في ظل استمرار الحرب على إيران وزيادة القلاقل في منطقة البحر الأسود بين روسيا وأوكرانيا، وإصرار أوروبا على خنق النفط والغاز الروسي.

 

مؤشر يزعج الجميع، خاصة أنه يدعم الصدمة الحالية في أسواق الطاقة، ويعقد مهام البنوك المركزية في مواجهة التضخم والانفلات في بعض أسعار السلع الرئيسية، ويزيد الضغوط المالية على الدول المستهلكة لمشتقات الوقود ومنها معظم الدول العربية، ويحبط آمال حكومات تلك الدول في تراجع الأسعار، وبالتالي تقليص مخصصات واردات الطاقة من بنزين وسولار وغاز ومازوت وغيره.

 

القلاقل المصاحبة لزيادة أسعار النفط تقفز إلى السطح مرة أخرى مع عودة مستويات المخاطر الجيوسياسية والأمنية للارتفاع في منطقة الشرق الأوسط وحول العالم، ومعها تعود التوقعات القاتمة لأسواق الطاقة واضطرابات أسعار النفط، والتي رشحت مؤسسات كبرى ارتفاعها إلى 200 دولار مقابل 72 دولارًا قبل اندلاع الحرب على إيران.

 

وهذه كارثة بحد ذاتها، ليس للدول المستهلكة للطاقة فقط، لكن لكل الاقتصادات العالمية، حيث إن القفزة تغذي معدلات التضخم وسياسات رفع سعر الفائدة والتشدد النقدي من البنوك المركزية، والدول العربية أول المتضررين من تلك الصدمة، خاصة مصر وتونس والمغرب والأردن وسورية واليمن والسودان، وحتى الدول النفطية مثل الجزائر والعراق.

 

ووصول سعر البترول إلى هذا المستوى قد يؤدي إلى إفلاس دول وتعثر اقتصادات وزيادة الديون العامة وتعمق العجز في الموازنات، وبالطبع فإن المواطن هو من يتحمل التكلفة في النهاية خاصة في تلك البقعة البائسة من العالم، إذ إن معظم الحكومات العربية لا تعرف حلًا لمعالجة صدمة أسعار الطاقة سوى جيب المواطن وزيادة الأسعار ورفع كلفة المعيشة.

 

ونظرة إلى عناوين أخبار الخميس، تدرك على الفور أن أسعار النفط تتعرض لصدمة عنيفة هذه الأيام مع استمرار مخاوف الأسواق من توقف إمدادات النفط من منطقة الخليج والعراق وإيران، فهناك زيادة ملحوظة في معدل التهديدات والهجمات الإيرانية التي تستهدف شحنات وسفن النفط في الخليج ومضيق هرمز الذي يتم عبره شحن نحو 20% من إجمالي النفط والوقود العالمي، ومع الحديث عن تعافٍ جزئي لصادرات البترول الخليجية وزيادة الدول المنتجة صادراتها، زادت تلك الهجمات على ناقلات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، ووصلت هذه الأيام إلى أعلى مستوى لها منذ بدء حرب إيران.

 

وزاد من المخاطر التي تتعرض لها أسواق النفط ما ذكره موقع أكسيوس الأميركي، اليوم، عن أن واشنطن تستعد لاستئناف عمليات قتالية كبيرة ضد إيران، ومناقشة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه للأمن القومي خيارات لتنفيذ ضربات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، وهو ما دفع سعر الخام نحو الارتفاع ليبقى فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وهو سعر يضغط على كل دول العالم. ومن أسباب الزيادة ما ذكرته مصادر ألمانية عن أن أجهزة المخابرات الإيرانية تستهدف قواعد عسكرية أميركية في ألمانيا، بينها قاعدتا رامشتاين وسبانجدالم، وسط مخاوف من هجمات سرية محتملة مرتبطة بالحرب على إيران.

 

ما زاد من تعقيد الموقف داخل أسواق النفط أيضًا هجمات الحوثيين المتزايدة على القطاع النفطي السعودي، وكذا على أجواء المملكة ومطاراتها، فاليوم تمت مهاجمة مطار الملك خالد الدولي في الرياض بصاروخ باليستي، علمًا أن الهجوم تكرر مرات الأسبوع الجاري، كما تمت مهاجمة مواقع تابعة لشركة أرامكو النفطية وخط شرق غرب الذي ينقل النفط السعودي إلى أسواق العالم عبر ميناء ينبع على سواحل البحر الأحمر. واليوم أيضًا، وجهت الجماعة اليمنية تحذيرًا للعاملين في منشآت النفط السعودية بتجنب المواقع التي تعتبرها أهدافًا، وجددوا التحذير بشن هجمات تستهدف المطارات وشركات الطيران بالمملكة.

 

ودخلت سورية على خط الأزمة، حيث تدرس تقديم دعم عسكري للسعودية وإرسال مساعدات هجومية ودفاعية أو نشر قوات في مهمة هجومية لمساعدة القوات اليمنية المدعومة من التحالف، بعد استهداف الحوثيين مطارات ومواقع نفطية استراتيجية سعودية.

 

يصاحب كل تلك المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط خفض الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط في العالم، إنتاجها النفطي مع اقتراب إعصار من مناطق الإنتاج البحرية، ما دفع الشركات إلى إغلاق منصاتها، ووفق أرقام إدارة المعادن البحرية، فإن منتجي النفط والغاز في خليج المكسيك بالولايات المتحدة خفضوا نحو 25.08% من إنتاج النفط الحالي و16.37% من إنتاج الغاز الطبيعي الحالي حتى يوم الأربعاء بسبب العاصفة.

 

إدارة دونالد ترامب وإيران لا تريدان لأسعار النفط أن تهدأ، ولذا يغذيان منسوب المخاطر ويضعان السوق في فوهة بركان وعلى صفيح ساخن، والمتضرر الأول من تلك الحالة هو المواطن، سواء الأميركي والأوروبي أو القابع في أدغال أفريقيا ومزارع آسيا، حيث يعاني من زيادة سعر السولار الذي يستخدمه في زراعة الأراضي وتموين الآلات الزراعية وسيارات شحن السلع للأسواق والموانئ.