محمد عزام
كاتب وصحافي مصري
إن كان للحرب الضروس في وادي النيل من أثر إيجابي وحيد ونفع غير مقصود، فهو تجديد ذاك التمازج والانسجام الفطري بين شعبي مصر والسودان إثر نزوح حاشد في صحبة النيل من الجنوب إلى الشمال. تقدر الإحصاءات عدد الواصلين بنحو مليوني سوداني في القاهرة والمحافظات الكبرى ينضمون إلى ثلاثة ملايين آخرين استقروا في البلاد قبل منتصف إبريل 2023.
حكمًا أحيا تدفق هذا السرب البشري وصلًا حميميًا بين جماعتين علاقاتهما متجذرة في التاريخ وتتكئ على الجغرافيا، فقد خلق شراكة يومية عميقة تفيض بالأفراح والأتراح. وليس أدل على ذلك من زغاريد الفرحة بتحرير الخرطوم وقد اهتزت لدويها جدران بيوت احتضنتهما معًا في أحياء مثل شارع فيصل بالجيزة، مستقر العديد من الأسر السودانية، أو المقطع المنتشر لسيدة مصرية تودع صديقتها السودانية العائدة بدموع وعناق حار، وكان لافتًا احتضانهما بعضهما بعضًا مرات عديدة كأنهما تتوسلان للزمن أن يتوقف من بعد أن خبر الناس جمال التلاقي وحسنه.
"يا صاحِ هِمَّنا لزيارة أُمنا مصر المؤمّنا بأهل الله" مفتتح قصيدة للشيخ عبد الرحيم البرعي (1923-2005)، أحد أقطاب الحركة الصوفية في السودان قالها حبًا في المحروسة ولا يضاهي جمالها سوى قصيدة تاج السر الحسن "مصر يا أخت بلادي يا شقيقة... يا رياضًا عذبة النَّبع وريقة... يا حقيقة". في المقابل، ثمة أغان وقصائد شعبية مصرية خالدة مثل "دنجي دنجي" من تراث فنان الشعب سيد درويش، وكلمات بديع خيري، وفيها تذوب الهوية الوطنية للشعبين كما يأتي في مقطع "ما فيش حاجة اسمها مصري.. ولا حاجة اسمها سوداني، نهر النيل راسه في ناحية.. ورجليه في الناحية التانية"، ويتكرر الأمر في نشيد الوادي للموسيقار محمد عبد الوهاب ومن كلمات مأمون الشناوي، "السودان لمصر ومصر للسودان".
بلا شك، تلك صفحة طواها التاريخ وصارت نسيًا منسيًا، وأبطالها قبل أناسها في ذمة الله، بيد أن المحنة الأخيرة أعادت طيفها إلى الحياة، ولنا في فيضان ردات فعل سودانية على منشور حذر من توحد البلدين ما يستحق التوقف أمامه، فالكاتب إيهاب عدلان (يتابعه قرابة نصف مليون على فيسبوك)، طرح فكرة مفادها أن "أكثر المستفيدين من حرب السودان، مصر. وإن لم ينتبه السودانيون، فإن شمال ووسط وشرق السودان، سيصبحون في العقود القليلة القادمة جزءًا من جمهورية مصر العربية، هذا هو الحل الوحيد، التوسع جنوبًا، لدولة لديها أزمة قومية مركزها الجنوب المجهول وأزمة موارد ومكان وانفجار سكاني بمعدل طفل كل 15 ثانية".
دون تعميم مخل أو تفصيل ممل، رحبت تعليقات وافرة بوحدة الشعبين، وإن كنت أميل إلى تفسيرها بتداعيات الحرب وكارثتها المحيقة بالبلاد والعباد أكثر منها قناعة بأهمية المسعى للبلدين التائهين في استبداد عالم عربي أكثر تيهًا، إلا أن واحدًا من أظرف التعليقات رد على طرح عدلان بأنه: "ما في زول استفاد من الحرب دي غير شركة تايوتا"، أي يقصد أن طرازات شركة السيارات الشهيرة مثل "لاند كروزر بيك أب" المعروفة في السودان باسم "التاتشر"، و"تويوتا هايلكس" تلعبان دورًا رئيسيًا ومؤثرًا في طبيعة العمليات العسكرية وحركة القوات نقلًا وقتالًا، بينما تختصر إجابة بليغة لأحدهم أسباب الحرب واشتهاء التخلص من أمراض انتهت منها القاهرة منذ زمن: "يعني تاني ما حيكون في جنسك شنو وقبيلتك شنو؟ حيقولو ليك من وين؟ من الخرطوم ..أجدع ناس".
مؤدى ذلك أن تحولًا في إدراك الشعبين لعلاقتهما دخل في طور التغلب على خطابات كراهية متبادلة سادت قبل الحرب انطلاقًا من ترهات شعبوية رددت سفاسف من قبيل "مصر للمصريين" و"السودان للسودانيين"، فالتحديات الجيوسياسية النازلة على الوادي هائلة، وهناك من يستثمر في انقسامات جنوبه وإن وقع، لا قدر الله، فالسيناريوهات التالية ليست في مصلحة شماله، خاصة أن عدوًا في شرق أفريقيا يتربص بالبلدين نهرًا وبحرا وفي قوته ضعفهما، علاوة على أن أمراض اقتصاديهما يتوفر ترياقها لدى الآخر ووشائج القربى بين الشعبين زاخرة والعشرة لا تهون إلا على جهول بثقل السودان في الذاكرة المصرية ومكانة مصر في الذهنية السودانية.
يقينًا ... شعب واحد مصير واحد.

