أحمد عمر

كاتب سوري مقيم في ألمانيا

 

ذكّرتني أخبار الطائرة فلاي دبي بأغنية "طارت الطيّارة" لهيام يونس، وبأسماء أفلام ورد فيها ذكر أسماء عواصم ومدن، مثل "همام في أمستردام"، و"ماما روما"، و"هونغ كونغ إكسبريس"، و"إسكندرية رايح جاي".. وغيرها كثير، لكن الحق أن الحضارتين الإسلامية والمسيحية، يصلح لهما عنوان: القدس رايح جاي.

 

وذكّرتني، والدهر يُنسي، بأفلام الطائرات، مثل "نون ستوب"، و"باسنجر"، و"إير فورس وان"، وهو أشهرها، وهو من بطولة هاريسون فورد، وفيه أن رئيس أمريكا يواجه المعتدين على الطائرة الرئاسية من غير أن يلمّ بمبادئ السباكة والسنكرة، ويعمل رامبو زمانه، وفي الحق أنَّ الرئيس الأمريكي أوّل من يهرب عند احمرار الحدق وحمي الوطيس.

 

وهي أخبار مردّها أصوات استغاثة، وصور لقائدها الهندي المطعون طعنة غير نجلاء فتحي ولا ميرفت أمين، صورة الطيار الهندي المبتسم كأنها بوستر سينمائي، وصورة سبّاكها المغوار، مثل جيسون ستاثام في فيلم "النحّال"، أو "العامل"، الذي أصلح مواسير الجو بعد إصلاح مواسير البر والبحر، وخبر استقبال آخر أنبياء إسرائيل، بيبي نتنياهو له، وهو ينصت إليه، وكله آذان صاغية وقلوب واعية، ثم نشط، وحرّك يديه متفاعلًا من الرواية، كأنه يشاهد فيلمًا من أفلام الإثارة. والتمثيل واضح على نتنياهو، الذي سيخوض معركة انتخابية على أراض عربية وبدماء الشعوب المجاورة، فإما النصر، وإما الدماء.

 

وقد خطفَ خبر خطفِ الطائرة، أخبار تحذير رئيس الإمارات لحكومة إسرائيل من هجوم حماس الوشيك عليها، فنسي. وزاد الطين بلّة بأن صار سبّاك إسرائيل وطيار الهند من المشاهير. أما الطيار المساعد (المساعد غالبًا مسلم في الأفلام الهندية من أجل شباك التذاكر) فهو عُماني، لا اسم له، لا صورة، لا عنوان، وجريمته تتعدى إلى مفتي بلاده، وإلى بلاده، وإلى دينه. فأنّى تؤفكون.

 

ووُصفت بعض جوانب الحادثة، من لدن ناشطين وطيارين ومشاة وبحارة، بأنها فيلم هندي، والأفلام الهندية يُضرَب بها المثل في غياب المنطق، وعُطل قانون السببية، ولم أجد فيلمًا هنديًا إلا وله حظ في السفاهة العقلية، حتى فيلم "جاي بهيم"، الذي أُخذ عن واقعة حقيقية. عادةً يستعيض صُنّاع الأفلام الهندية عن غياب المنطق، ويعوّض في الأفلام البوليودية بالأغاني الساحرة والإطراب، رشوةً للمشاهد النباتي المسكين.

 

وقد شاهدت وسمعت وقرأت عشرات التعليقات من محترفين وهواة، بينهم طيّارون ومضيفون ومضيفات، وهم يشرحون لنا صعوبة اقتحام قمرة الطائرة إلا بكلمة سرٍّ وتعويذة، وصعوبة التعارك والتصارع في القمرة إلا جالسين، آمنين، خاشعين، غير مبدّلين ولا مغيّرين، وتحليلات عن الانسجام الروحي بين القائدين، وصعوبة اصطحاب سكين إلى قمرة القيادة، فلا يصحُّ أن يقود الطائرة هندي وعُماني يشتجران على حبِّ مضيفة جوية، أو على الخُمس أو على فدك.

 

وشاهدت تحليلات فيزيائية تحسب زمن السقوط بمعدلات السقوط الحر حسب قانون نيوتن في الثقالة، والسقوط "العبد"، تخلّص أكثرها إلى أن نتنياهو يخوض امتحان الانتخابات، فإما حياة تسر الصديق، وإما حِباس يغيظ العدى.

 

وسمعت تحليلًا من محلل عميل للمخابرات الأمريكية (يعاني من الجشأة الدائمة) ذهب إلى أنَّ الطيار العُماني عميل إيراني، كان غرضه خطف الطائرة إلى إيران للمقايضة بفكِّ الحصار عنها. والجواب: لمَ سعى إلى خطفها فوق الأردن وقد وقيل: كان سيخطفها إلى اليمن؟ أم كان سيعمد إلى إسقاطها فوق مطار بن غوريون؟

 

وذهب كثيرون إلى أن غرض خطف الطائرة إيقاظ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتحديث فرية الإرهاب الإسلامي، وواقعة ضرب البرجين، وقد علا الماضي الزنجار (من الزنجار جاء لفظ زنجري أو سنكري)، وتخويف المسافرين من المسلمين والعرب بعد أن نُسيت وعفا عليها الزمن. وقد دأبت غرف إخبارية هذه الأيام على النبش في ملفات ضرب البرجين، وتذكّر وتتبّع الأحداث المثيرة للجدل والريبة، فالأمر قد وقع، وإنَّ الأمر مكيدة عظمى، والجناة الحقيقيون هم المستفيدون من الجريمة.

 

والبطولة نوعان: بطولة القوة والبأس والشجاعة والفروسيّة، وبطولة الضحيّة والبراءة والدموع والمظلوميّة. وقد استطاعت إسرائيل تحصيل البطولتين مدة خمس وسبعين سنة؛ فهي أقوى دولة في المنطقة، وجيشها رابع أقوى جيش في العالم. فهي دولة مدنيين تحت السلاح، إذ تستطيع تجنيد نحو نصف مليون جندي في الفور والحال، وعندها سلاح نووي، فهي من أصحاب الفيل. أما عدد الرؤوس، فقيل إنه 200 رأس نووي، عدا "الأرجل" النووية الصغيرة والأسلحة المحرمة دوليًا.

 

ثم إن إسرائيل، بزعمهم، دولة ديمقراطية، وليس مثل الدول العربية حولها، وراثية وملكية، حتى لو كانت جمهورية، فالدول العربية دول مشهورة بالبطش، بل يجب أن تكون باطشة، عضوضًا ومسعورة، فذلك هو شرط الرئيس الذي تنتخبه إسرائيل للشعوب العربية، حتى يظهر جمال العروس.

 

أما البطولة الثانية، فهي بطولة البراءة والمظلومية، فهي دولة مسكينة، يا حبة عيني، تعرضت إلى إبادة في الحرب العالمية الثانية، إنها دولة أحفاد الضحايا، فقد جمعت البطولتين.

 

أما الديمقراطية والانتخابات، والباحثون يفرقون بينهما، فيمكن أن تكون الدولة انتخابية الإجراءات لكنها غير ديمقراطية، فيعمل الإعلام على منحها العصمة، من جهة النص الديني، ومن جهة الحداثة أيضًا. فهي ديمقراطية، ودينية؛ هي جيكل وهايد، هي داوود وجالوت.

 

وذهبت تحليلات مسلوبة ولّادية عجيانيّة إلى أن السباك بطل، أنقذ الشرق الأوسط والعالم والكون من كارثة؛ أنقذ الطائرة بعصا سحرية بعد مشاهدته أفلام كوارث جوية، وقد سخر ترامب من القصة التي تغيرت عدة مرات، ولم يصدقها. فلو وقعت الكارثة لدفع العالم العربي والإسلامي ثمنها، ودخلنا في بسوس إسرائيلية إسلامية، وكأن البسوس غير واقعة، ودعا داعيهم إلى تكريم السنكري السباك بالنياشين والأوسمة في الدول العربية قبل إسرائيل!

 

ومضت تحليلات أخرى إلى أن غرض فيلم "السباك في تبوك" هو التطبيع في البر عبر الجو، فما دامت السعودية تتمنع على التطبيع، ولها شروط على الإبراهيمية وتحقيقها، فقد وقعت إبراهيمية طوارئ، فأنزلت الطائرة في تبوك، ولتبوك في النصوص التوراتية ذكر، وهي مفتاح للخريطة الجديدة التي ترسم للشرق الأوسط ما بعد الجديد. وهكذا رأينا ممرضات سعوديات يشرفن على ملاطفة المسافرات الإسرائيليات ويخدمنهن، تحقيقًا لنبوءة جعل أبناء إسماعيل لأبناء يعقوب خدمًا وعبيدًا.

 

انتظروا الحلقة القادمة من مسلسل نتنياهو والعرش. القضايا الشائكة ما تزال شائكة، وكلها أشواك وغموض على البر، فما بالنا بطائرة الجو وقد هبطت، والشركة الدبوية في بياناتها المتضاربة والمتحولة، تخفي أمورًا، منها أمر مساعد الطيار.. وأخيرا سُرّب اسم مساعد الطيّار العماني، أمه سورية، وزار سوريّا، فاكتملت الحبكة البوليسية، بجمع مفتي عمان مع الحكومة الإسلاميّة الجهاديّة السوريّة.

 

المهم هو أن لا يمتد اتهام المتهم من شخصه إلى أمته، فعندما يكون المتهم مسلمًا تتعدى التهمة إلى ملياري مسلم، بل وإلى دينه، أما تهمة الغربي فعادة تؤول إلى نائب فاعل أو إلى اضطراب نفسي.

 

والرواية تتغير كل ساعة، ولن يظهر المتهم ليتكلم بنفسه، ولن تعرض محتويات الصندوق الأسود، ولكل أمة صندوقها الأسود، وصندوق "التانيين" يقول أنَّ أرضًا قد خطفت، وشعوبا قد زهقت، وسحقت، ومحقت، ولذلك يشكك كثيرون بالروايّة الشائعة بخطف همام الهمامي (أو حمام الحمامي) للطائرة، ولذلك صنعوا مئات الفيديوهات الساخرة، التي تهزأ بالروايّة الإسرائيلية، خاصة أنّ مواسير سمعة إسرائيل قد سدّت بشحوم الأكاذيب والجرائم الإباديّة، ولذلك يعتقدون بإنها خدعة بصّ العصفورة.

 

فلاي دبي: مغامرات، وإثارة، وكوميديا، وغموض، وسنكرة بلا حدود.