تكشف المقارنة بين الجيش المصري في أكتوبر 1973 وموقعه داخل الاقتصاد اليوم تحولًا يستحق مساءلة تتجاوز الاحتفالات والشعارات، ففي الحرب كانت البوصلة واضحة نحو العدو والأرض والعبور والاستعداد القتالي، بينما أصبحت المؤسسة العسكرية بعد عقود حاضرة في قطاعات مدنية تشمل الغذاء والأسمنت والمقاولات والتعدين والبترول وإدارة الأراضي والتجارة.
وتطرح هذه المساحة الاقتصادية الواسعة سؤالًا مباشرًا لا يمكن إخفاؤه خلف كلمة «التنمية»، هل بقي الاقتصاد نشاطًا مساعدًا للمهمة العسكرية، أم أصبحت مؤسسة يفترض أن وظيفتها الأساسية الدفاع عن البلاد منافسًا للمستثمر والمصنع والمزارع والتاجر المدني في سوق يفترض أن تحكمه قواعد متساوية، بينما يمتلك أحد أطرافه أدوات وسلطات لا يملكها الآخرون.
أكتوبر حين كانت الجبهة هي المهمة
تظهر وثائق حرب أكتوبر المنشورة بواسطة وزارة الدفاع أن التخطيط للحرب دار حول إعداد القوات وخطط العمليات وتنظيم التعاون واختبار قدرة التشكيلات على تنفيذ المهام المقررة، أي أن موارد المؤسسة وقيادتها وتدريبها كانت موجهة نحو مهمة عسكرية محددة هي مواجهة قوة تحتل أرضًا مصرية واستعادة المبادرة في الميدان.
وتوثق الوزارة أن القوات عبرت قناة السويس واقتحمت خط بارليف وأقامت رؤوس الكباري وواجهت الهجمات المضادة، بينما تصف دراسة عسكرية أمريكية عملية العبور بأنها نموذج بارز للتخطيط التفصيلي لعبور الموانع، وهو ما يلخص طبيعة المؤسسة في ذلك الوقت، جيش يُقاس أداؤه بقدرته على التخطيط والقتال والسيطرة على الأرض.
ولم يكن معنى ذلك أن القوات المسلحة لم تكن جزءًا من الدولة أو الاقتصاد بأي صورة، لكن مركز الثقل كان واضحًا، فالمصنع والسلاح والتدريب والهندسة واللوجستيات كلها أدوات تخدم المعركة، بينما لم تكن المؤسسة تظهر أمام المواطن بوصفها بائعًا للسلع أو مديرًا لمحطات الوقود أو مطورًا للأراضي أو طرفًا في سوق المقاولات المدنية.
واليوم لا تزال الجاهزية العسكرية قائمة ولا يصح إنكارها، فقد شهد 2026 تدريبات جوية مصرية تركية، وتدريب «العقاب الذهبي» لعناصر المظلات والصاعقة، وتدريبًا جويًا مشتركًا مع الصين شمل مهاجمة أهداف معادية والدفاع عن أهداف حيوية والتزود بالوقود جوًا، وهي أنشطة تؤكد استمرار التدريب القتالي الحديث.
كما تستمر القوات في مهام تأمين الحدود ومواجهة تهريب السلاح والمخدرات والهجرة غير النظامية والتنقيب غير المشروع، ونفذت في يونيه 2026 حملة في المنطقة الجنوبية ضد شبكات قالت وزارة الدفاع إنها تعمل في عدد من هذه الأنشطة، وهي وظائف أمنية وعسكرية تدخل بوضوح ضمن حماية الحدود والأمن القومي.
عندما خرج النشاط إلى السوق
لكن الجدل يبدأ عندما نغادر الثكنة والحدود إلى السوق، فجهاز مشروعات الخدمة الوطنية يقول رسميًا إنه أنشئ عام 1979 لتحقيق اكتفاء ذاتي نسبي للقوات المسلحة وإمداد السوق المحلي، إلا أن موقعه الحالي يعرض أنشطة تمتد إلى الأمن الغذائي والصناعات الثقيلة والمقاولات والتجارة والتعدين والبترول والغاز.
وهذا الاتساع هو جوهر المسألة، لأن المؤسسة لم تعد تزرع فقط لإطعام جنودها أو تنتج احتياجات داخلية، بل أصبحت الشركات التابعة لها تنتج وتبيع سلعًا وخدمات داخل السوق المدني، وتعمل في الأسمنت والأسماك واللحوم والزراعة والطرق والمحاجر ومحطات الوقود والمياه والصناعات الغذائية، أي في قطاعات يعمل فيها بالفعل آلاف المستثمرين والعمال المدنيين.
وتزداد حساسية الملف مع الأراضي، فجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة يذكر ضمن مهامه الرسمية تأسيس الشركات منفردًا أو بالشراكة مع رأس مال مصري أو أجنبي، إلى جانب استغلال أراضي القوات المسلحة بالبيع أو الإيجار بعد التصديق، وهو اختصاص يضع المؤسسة في قلب النشاط العقاري والاستثماري لا على هامشه.
وهنا لا يصبح السؤال عداءً للمؤسسة العسكرية، بل سؤال عدالة اقتصادية، هل يستطيع مصنع مدني أو شركة ناشئة أو مقاول عادي الدخول في منافسة متكافئة عندما يكون الطرف الآخر تابعًا لمؤسسة تمتلك نفوذًا واسعًا في الأرض والتراخيص والمشروعات العامة، أم أن السوق يصبح منحازًا قبل أن تبدأ المنافسة أصلًا.
منافسة غير متكافئة
ويمنح تقرير صندوق النقد الدولي هذا السؤال وزنًا أكبر، إذ قدر في 2025 وجود نحو 80 شركة مملوكة لجهات عسكرية، وقال إن هذه الشركات استفادت من إعفاءات ضريبية ومن الوصول إلى مواقع أراضٍ مميزة والقدرة على تجاوز بعض تعقيدات التراخيص والإجراءات التنظيمية، مع شفافية محدودة للغاية بشأن أوضاعها المالية.
ولا يعني ذلك أن كل شركة عسكرية تسيطر على القطاع الذي تعمل فيه، فبحث كارنيغي المنشور في يوليو 2026 نفسه يشير إلى أن الحصة السوقية لعدد كبير من هذه الشركات محدودة في قطاعات كثيرة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن المؤسسة تمتلك تأثيرًا أكبر في الأرض والمشروعات العامة والعقارات وبعض الأنشطة الاستراتيجية.
كما يشير البحث إلى أن القطاع الخاص كان موجودًا بالفعل في معظم المجالات التي توسعت فيها الأنشطة العسكرية، من الإنشاءات والعقارات إلى الأسمنت والصلب والسلع الغذائية والتعدين والزراعة والخدمات، وهو ما يقوض الحجة القائلة إن التوسع جاء دائمًا لسد فراغ تركه المدنيون أو للدخول في مجالات عجز السوق عن توفيرها.
أما صندوق النقد فقد سجل في تقرير 2026 أن عملية تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي تعثرت خلال أربعة وعشرين شهرًا دون تخارج مادي كبير، بينما جرى إنشاء كيانات عسكرية جديدة، رغم أن سياسة ملكية الدولة المعلنة تستهدف تقليص البصمة الحكومية وإفساح مساحة أكبر لنشاط القطاع الخاص.
وتصبح المفارقة هنا أكثر وضوحًا، فالدولة تطلب من المستثمر الخاص أن يتوسع ويخلق الوظائف ويجلب العملة الأجنبية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بكيانات عامة وعسكرية تعمل في الأسواق ذاتها، بينما يحذر صندوق النقد من أن تكافؤ الفرص والمنافسة أحد الشروط الضرورية لإطلاق قدرة القطاع الخاص على النمو.
ولا يمكن من الأدلة المتاحة الجزم بأن كل نشاط اقتصادي للجيش يؤدي تلقائيًا إلى خسارة المستثمر المدني أو إلى تراجع الجاهزية القتالية، كما لا توجد بيانات منشورة تسمح بقياس عدد ساعات التدريب أو الموارد العسكرية التي انتقلت مباشرة إلى إدارة الشركات، ولذلك فإن القول إن النشاط الاقتصادي ألغى مهمة القتال سيكون استنتاجًا يتجاوز الأدلة المتاحة.
لكن ما تثبته الوقائع هو شيء آخر لا يقل خطورة في النقاش العام، وهو أن مؤسسة كانت صورتها في أكتوبر مرتبطة بالعبور والمدفعية والدفاع الجوي واستعادة الأرض أصبحت اليوم أيضًا مالكًا للشركات ومديرًا للأراضي ومنتجًا للغذاء والأسمنت ومشاركًا في المقاولات والطاقة والتجارة، وهو تغير ضخم في طبيعة حضورها داخل الدولة.
ومن هنا فإن المقارنة بين 1973 واليوم لا تقول إن الجيش ترك البندقية من أجل المصنع، فالتدريبات الحديثة وتأمين الحدود يثبتان استمرار الوظيفة القتالية، لكنها تقول إن البندقية أصبحت تقف بجوار شركة وأرض ومحطة وقود ومزرعة ومشروع عقاري، وأن هذا الجمع بين القوة العسكرية والنشاط الاقتصادي يحتاج إلى رقابة وشفافية لا إلى شعارات.
ويبقى السؤال الذي لا تجيب عنه بيانات الاحتفالات، إذا كانت عقيدة أكتوبر قد وضعت العدو والأرض والجاهزية في مركز المؤسسة، فإلى أي مدى أصبح السوق والأرض والعائد المالي جزءًا من مركز الثقل اليوم، وهل يخدم هذا التوسع الاقتصاد فعلًا أم يضيّق المجال أمام المدنيين الذين لا يملكون الامتيازات نفسها ولا يستطيعون منافسة مؤسسة تجمع بين السلطة والسوق.
فالمشكلة ليست في أن ينتج الجيش احتياجاته أو يحتفظ بقاعدة صناعية تخدم أمن البلاد، وإنما تبدأ حين تتحول الاستثناءات إلى نموذج دائم، ويتسع النشاط من خدمة القوات إلى منافسة المواطن في أسواق مدنية كاملة، عندها يصبح السؤال مشروعًا، هل المطلوب جيش قوي يحمي الاقتصاد أم اقتصاد يعيش فيه المستثمر المدني تحت ظل منافس لا يعمل بالقواعد نفسها.

