تلاحق أزمة قصر تذوق سيدي جابر بالإسكندرية أجهزة الثقافة منذ نحو 18 عامًا، بدأت بتعطل المسرح عام 2008، وانتهت بإغلاق المبنى كاملًا منذ 2017، بينما لا يزال الجمهور ينتظر استعادة موقعه الثقافي.
وتختصر رحلة القصر خللًا إداريًا فادحًا، تتعاقب خلاله أعمال الصيانة والتطوير والزيارات الرسمية، دون أن تتحول الوعود إلى خدمة مستقرة للجمهور، الذي دفع ثمن التعثر من حقه في الثقافة والفنون.
18 عامًا تستهلك حق الجمهور
فمنذ عام 2008، دخل القصر سلسلة متواصلة من الأزمات المرتبطة باشتراطات الحماية المدنية، بعدما توقف النشاط المسرحي لعدم توافق المسرح معها، فيما استمرت بقية الأنشطة داخل المبنى خلال تلك المرحلة.
وبعد تنفيذ تعديلات، عاد المسرح للعمل فترة قصيرة، قبل أن يتوقف مجددًا مع تغير الاشتراطات، لتبدأ دائرة جديدة من الصيانة والتعديل، دون الوصول إلى حل مستقر يحفظ السلامة واستمرار النشاط معًا.
وهنا تتجاوز المشكلة إغلاق قاعة أو تأخر إصلاحات؛ إذ تعكس السنوات المتراكمة عجزًا عن إدارة موقع ثقافي بصورة تضمن جاهزيته، وتحول دون بقاء الجمهور رهينة لمعالجات مؤقتة تتبعها أعطال وتوقفات جديدة.
ثم بدأت أعمال ترميم وصيانة جزئية عام 2014، لكن المسار لم ينته باستعادة القصر عافيته، بل وصل عام 2017 إلى إغلاق كامل للمبنى، بالتزامن مع إطلاق أعمال تطوير أوسع نطاقًا.
ومنذ ذلك الإغلاق، انتقل العاملون إلى قصر ثقافة مصطفى كامل، وواصل بعضهم المشاركة في أنشطة خارجية، بينما بقي المبنى الأصلي بعيدًا عن رواده، فاقدًا قدرته على تقديم خدماته المعتادة داخله.
ومع ضرورة التمييز بين تعطل المسرح منذ 2008 والإغلاق الكامل منذ 2017، فإن الحصيلة تظل قاسية: نحو 18 عامًا من الاضطراب، بينها قرابة تسع سنوات من حرمان الجمهور من المبنى كله.
وبذلك لم تعد القضية مجرد مشروع متأخر، وإنما سنوات ضائعة من فرص التدريب والعروض والقراءة واللقاءات الفنية، وهي استفادة لا يعوضها إعلان لاحق عن تحديث القاعات أو تحسين التجهيزات داخل المبنى.
كما أن استمرار بعض الأنشطة خارج القصر لا يلغي خسارة الموقع نفسه، ولا يعفي الجهات المسؤولة من تفسير بقاء مبنى ثقافي متعدد الطوابق معطلًا، رغم أهميته لأبناء الإسكندرية ومحبي الأدب والفن.
مقاول متعثر ومحاسبة بلا نتائج معلنة
وفي تفسير جانب من التأخير، قال مدير القصر شريف حمدي إن أعمال الترميم التي بدأت عام 2017 واجهت مشكلات في التنفيذ، انتهت بإلغاء التعاقد مع المقاول وإحالة الملف إلى النيابة الإدارية.
لكن هذه الإحالة، على أهميتها، لا تجيب وحدها عن الأسئلة الأساسية: كيف جرت متابعة التنفيذ، ومتى ظهرت المشكلات، ولماذا امتدت آثارها، وما الإجراءات التي اتُّخذت لمنع تحول التعثر إلى تعطيل طويل؟
كذلك لا تتضمن التفاصيل المطروحة نتائج معلنة للتحقيقات أو تحديدًا للمسؤوليات، ما يجعل الحديث عن المحاسبة غير مكتمل، ويترك الجمهور أمام تفسير للتأخير دون بيان واضح لما ترتب عليه من إجراءات.
وفي السنوات التالية، تواصلت محاولات التطوير، قبل أن تعود أعمال رفع الكفاءة بصورة أوضح عام 2021، مع تعديل تصميم بعض المساحات الداخلية، لتدخل الأزمة مرحلة أخرى بعد سنوات من بدايتها.
ومن أبرز تلك التغييرات، وفق مدير القصر، نقل المسرح من الطابق الأرضي إلى الطابق الثالث استجابة لاشتراطات الحماية المدنية، بينما تحول موقع المسرح القديم إلى مستودع داخل المبنى الخاضع للتطوير.
وبصرف النظر عن المبررات الفنية لهذا التعديل، فإن توقيته داخل مسار ممتد يفتح سؤالًا مشروعًا عن التخطيط المسبق، ومدى التنسيق بين الجهات المختصة قبل بدء التنفيذ وتكرار تغيير الاستخدامات والتصميمات.
أما اشتراطات السلامة، فلا يجوز تصويرها باعتبارها عبئًا يبرر التأخير؛ فهي شرط أصيل لتشغيل أي منشأة عامة، ومسؤولية الإدارة أن تدمجها في التخطيط، وتنجزها دون استنزاف سنوات من عمر الخدمة.
ولهذا فإن مساءلة القائمين على المشروع لا تعني المطالبة بافتتاح متعجل، وإنما المطالبة بتفسير زمني وفني وإداري واضح، يبين لماذا احتاج الوصول إلى مبنى آمن كل هذه المدة الطويلة أصلًا.
زيارات متكررة والافتتاح ينتظر الإجراءات
وفي يناير 2025، تفقد وزير الثقافة الأسبق أحمد فؤاد هنو أعمال التطوير، ووجه بإعداد تقرير تفصيلي عن أسباب تأخر المشروع، في خطوة تعكس استمرار الأزمة بعد سنوات طويلة من بدء التعثر.
كما قرر توزيع العاملين على مواقع ثقافية أخرى بالإسكندرية للاستفادة من جهودهم وسد العجز، وهو إجراء يكشف حجم الخلل حين تظل القوى البشرية موجودة، بينما يعجز موقعها الأصلي عن استقبالها والجمهور.
ثم شهد منتصف أغسطس 2026 جولة تفقدية لهشام عطوة، المسؤول عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، شملت الجاليري والمسرح والمكتبة العامة وقاعات التكنولوجيا والموسيقى، وانتهت بتوجيه جديد بسرعة الانتهاء من الأعمال.
وبين طلب تقرير عن التأخير والتوجيه بسرعة الإنجاز، يظل المعيار الغائب هو موعد افتتاح محدد ومعلن، يمكن للجمهور متابعة الالتزام به، بدل الاكتفاء بعبارات عامة تتحدث عن قرب انتهاء المشروع.
وحاليًا يقول مدير القصر إن التطوير أوشك على الانتهاء، تمهيدًا للتسليم إلى الإدارة الهندسية بالهيئة، ثم استكمال الإجراءات الرسمية، ما يعني أن العودة الفعلية للنشاط ما زالت مرتبطة بخطوات لم تُستكمل.
ومن المنتظر أن يضم القصر مساحات إضافية، بينها قاعة للتكنولوجيا وأخرى للتدريبات، إلى جانب إعادة تشغيل قاعات الأنشطة الثقافية والفنية، وهي إضافات تظل قيمتها مرهونة بإتاحتها للجمهور واستمرار تشغيلها بكفاءة.
غير أن تعداد القاعات الجديدة لا يمحو سنوات الحرمان، ولا يحول التأخير إلى إنجاز؛ فالمبنى المكون من ستة طوابق كان يفترض أن ينتج نشاطًا ومعرفة، لا أن يبقى عنوانًا ممتدًا للتطوير المتعثر.
وأمام هذه الحصيلة، يصبح المطلوب إعلان موعد التشغيل ونتائج مساءلة المتسببين في التأخير وخطة النشاط بعد الافتتاح؛ فحق الجمهور لا يُسترد بجولة تفقدية، ولا ببيان جديد يعد بأن النهاية اقتربت.

