أ.د. محسن محمد صالح
كاتب وباحث فلسطيني، المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
شهدت الأيام الماضية حراكًا شعبيًا واسعًا وسط فلسطينيي الخارج، تركز حول استحقاق الانتخابات الفلسطينية، ومواجهة سعي قيادة منظمة التحرير والسلطة في رام الله، للالتفاف على الانتخابات أو التوافق الوطني، من خلال سياسات الإقصاء والتعيين، والمجمعات الانتخابية "المُهندَسَة" مسبقًا.
فقد عقدت الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج اجتماعًا طارئًا في إسطنبول يومَي الجمعة والسبت (25-26/ سبتمبر 2026)، تركز النقاش فيه على ضرورة تحقيق تمثيل وطني حقيقي بإرادة شعبية جامعة، ترفض التعيين والإقصاء، وترفض أي إجراءات تصادر حق الشعب الفلسطيني في اختيار من يُمثّله؛ وتؤكد على ضرورة إيجاد آليات ديمقراطية سليمة وعادلة ونزيهة. ودعا المؤتمر الشعبي الذي يُعبر عن قطاعات واسعة من فلسطينيي الخارج إلى حملة تحرك لمواجهة إجراءات قيادة المنظمة؛ وأكد على الانفتاح على كافة الأطر والهيئات والنخب لتنظيم تحرك وطني واسع في هذا الاتجاه.
كما نظمت الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني، بالتعاون مع مؤتمر فلسطينيي تركيا "الملتقى الوطني الفلسطيني الطارئ" في 26 سبتمبر 2026، بمشاركة نحو 350 شخصية من فلسطين المحتلة ومن فلسطينيي الخارج، يتوزعون على نحو 30 بلدًا؛ حيث شارك منهم 216 حضوريًا في إسطنبول، بينما شارك الباقون عبر الزوم. وتحدث الكثير من ممثلي الهيئات والمؤسسات والجاليات الفلسطينية مؤكدين على رفض سياسات الإقصاء والتهميش، التي تتَّبعها قيادة منظمة التحرير، وعلى رفض التعيين الانتقائي الفوقي الذي تقوم به، كما حدث في الكويت وقطر والبحرين، وكما تُرتِّب هذه القيادة لعمله في البلاد العربية الأخرى، وأوروبا وباقي التجمعات الفلسطينية في العالم؛ مؤكدين على أن المادة الخامسة من النظام الأساسي الفلسطيني تعطي كافة الفلسطينيين (ممن تنطبق عليهم الشروط) حقهم في انتخاب ممثليهم. مع ملاحظة أنه في حالة استحالة عمل هذه الانتخابات، فيجب أن يحدث توافقٌ فلسطيني على آلية مناسبة يتفق عليها الجميع، تكون هي الأقرب للنزاهة والدقة وروح العملية الانتخابية.
اقتراحات عملية
1. مبادرة "فلسطين الرقمية": وتقوم فكرتها الرئيسية على أساس إنشاء منصة رقمية مُحوكَمَة لتسجيل الفلسطينيين في فلسطين المحتلة وفي الشتات، وبناء قاعدة بيانات وطنية يمكن تطويرها لاحقًا لتصبح سجلًا للهيئة الفلسطينية الناخبة. وهو ما سيُسهل كثيرًا مهمة تحديد من يحق له المشاركة في اختيار ممثلي الشعب الفلسطيني، ويقطع الطريق على الاعتذاريات "الجاهزة" التي تتحجّج بها قيادة المنظمة للتهرّب من استحقاق التمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني خصوصًا في الخارج. وبقدر أهمية وجود قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة، بقدر ما يحمل الموضوع حساسية كبيرة، تستدعي حماية البيانات والخصوصية والشفافية، ووضع آليات تَحقُّق صارمة؛ ووجود لجنة إشراف مختصة تتسم بالكفاءة والنزاهة والحيادية. وقد تبنى الملتقى الوطني الفلسطيني الطارئ هذه المبادرة ودعا إلى دعمها وتفعيلها.
2. حملة "صوتي قراري.. لا للتعيين": وهي حملة تمّ إطلاقها في الملتقى الوطني الفلسطيني الطارئ لجمع تواقيع مئات آلاف الفلسطينيين، خصوصًا في الخارج، للتأكيد على حقّ الفلسطينيين في انتخاب ممثليهم، وفق إرادتهم، ومن خلال آليات تمثيلية نزيهة وعادلة.
3. إطلاق حملة تَحرُّك واسعة، تشارك فيها المؤسسات الشعبية والاتحادات والنقابات والجمعيات والجاليات والرموز خصوصًا في الخارج، لتثبيت حقّ الفلسطينيين في انتخاب ممثليهم، ورفض التعيين؛ ونزع الشرعية عن أي انتخابات "مُعلَّبة" أو مصطنعة أو مجمعات انتخابية انتقائية، "تسرق" الإرادة الحرة للإنسان الفلسطيني.
4. دعا د. مصطفى البرغوثي وعدد من الفعاليات فلسطينيي الخارج، بأن ينظموا أنفسهم في البلدان التي تسمح لهم بانتخابات حرة، وأن يجروا انتخابات حقيقية لأوسع شريحة فلسطينية للجاليات، لاختيار ممثليهم في المجلس الوطني الفلسطيني، وليضعوا قيادة منظمة التحرير أمام حقائق الواقع، في مواجهة أساليب التعيين والإقصاء التي تستخدمها قيادة المنظمة.
معركةٌ وجودية وشعبٌ حرٌّ
حملت اللقاءات معاني سياسية مهمة، كان من أبرزها:
- المعركة التي يواجهها الشعب الفلسطيني معركة وجودية، تستهدف شطب قضية فلسطين، وإلغاء وجوده كشعب، وإلغاء حقه الطبيعي في أرضه ومقدساته، وسحق المقاومة وتفكيك المؤسسات التمثيلية الفلسطينية، حتى تلك الملتزمة باتفاقيات أوسلو، وهو ما يستدعي تضافر كافة الجهود من كافة القوى وتعاونها في مواجهة المشروع الصهيوني.
الشعب الفلسطيني شعب عظيم قاتل لأجل حريته وكرامته لأكثر من مائة عام، وقام بعشرات الثورات والانتفاضات، وقدم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى، وأصبح مدرسة للعالم. وبالتالي فمن حقّه أن تُصان حريته وكرامته من القيادة التي تُمثّله، لا أن تقوم هي نفسها بـ"سرقة" حريته، وتجاهل إرادته، وتجاوز حقه في اتخاذ قراره المستقل.
- الشعب الفلسطيني شعبٌ زاخر بالخبرات والطاقات والكفاءات، ولديه مئات الآلاف من خريجي الجامعات؛ وهو من أكثر شعوب العالم تعلُّمًا، كما أنه من أكثر شعوب العالم توقًا للحرية ودفعًا لأثمانها؛ ومن حقِّه أن تكون له قيادةٌ ترتقي إلى مستواه؛ لا أن تُنصَّب عليه قيادةٌ تُعامله باعتباره "قاصرًا تحت الوصاية"، ولا قيادةٌ تَستخفُّ بعقوله. وإذا كان الشعب الفلسطيني قد فرض احترامه على العالم؛ فمن باب أولى أن تكون القيادة الفلسطينية هي أول من يُقدِّره ويدافع عن حقوقه.
* * *
وأخيرًا، فإذا كانت الانتخابات هي المدخل الطبيعي للتعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني، فإنّ الأساس الصحيح لذلك هو فتح المجال للتعبير عن الإرادة الحرة للشعب، بانتخابات حرة نزيهة شفافة، وبآليات تُعبِّر عنه بشكل عادل.. آليات تليق بتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى واللاجئين والمحاصَرين، والقابضين على الجمر تحت الاحتلال وفي الشتات.

