تستعيد الأوساط السياسية والإعلامية في إسرائيل، بعد مرور ثلاث سنوات على عملية طوفان الأقصى، تفاصيل السابع من أكتوبر 2023 بوصفه حدثًا ترك آثارًا أمنية وسياسية واجتماعية ما زالت حاضرة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وتتسع مراجعة ذلك اليوم لتشمل مسؤولية الإخفاق وثقة الإسرائيليين بمؤسسات الدولة ومستقبل الحرب، بالتزامن مع صراع داخلي بين معسكرات سياسية تتنازع على الحكم وهوية الدولة ومسارها بعد سنوات المواجهة.
صدمة الثقة تتجاوز حدود الحكومة
وفي التغطية الإعلامية الإسرائيلية، عادت صور اختراق السياج الحدودي والاشتباكات والنيران إلى الصفحات الأولى، فيما خصصت وسائل إعلام مساحات واسعة لاستعادة ما جرى ومناقشة النتائج التي تركتها العملية بعد ثلاث سنوات.
كما ظهرت هذه الاستعادة بوضوح في غلاف صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الذي حمل صورة لجرافة تخترق السياج الحدودي، في إشارة مباشرة إلى اللحظات الأولى التي سببت صدمة واسعة داخل إسرائيل.
ومن ناحية أخرى، لم تقتصر الصدمة على الخسائر البشرية التي وقعت خلال الساعات الأولى، بل اتسعت بعد استمرار القتال داخل مناطق الغلاف ووصول مسلحين فلسطينيين إلى بلدات ومواقع عسكرية ومدينة سديروت.
وفي هذا السياق، تحولت القضية من إخفاق أمني وعسكري إلى أزمة ثقة أوسع، بعدما اهتز الشعور بأن المؤسسات الإسرائيلية قادرة دائمًا على منع وصول المواجهة إلى داخل التجمعات السكنية المحاذية لغزة.
كما طالت آثار العملية سردية تاريخية اعتادت تقديم إسرائيل لليهود باعتبارها المكان الأكثر أمنًا، بينما أعادت مشاهد الاقتحام والأسر والقتال داخل البلدات طرح أسئلة عن قدرة الدولة على توفير هذا الأمان.
وفوق ذلك، ضاعف أسر جنود ومدنيين من حجم الأزمة الداخلية، مع استمرار الجدل حول إدارة ملف الأسرى واتهامات من عائلات وأوساط معارضة للحكومة بالتفريط في فرص كانت متاحة لإعادتهم.
وفي هذا الإطار، نقل النص عن الجنرال في الاحتياط نيتسان ألون، المسؤول عن ملف الأسرى والمفقودين في الجيش، حديثه عن رفض صفقات تبادل باسم ما وصفه بشعار «النصر المطلق الكاذب».
ومن ثم، لم تعد ذكرى السابع من أكتوبر مجرد مناسبة لاستعادة أحداث عسكرية، بل أصبحت محطة لإعادة فتح ملف المسؤولية السياسية والأمنية، ومناقشة القرارات التي اتخذت قبل الهجوم وبعده.
وفي المقابل، تستخدم أوساط معارضة هذه الذكرى لتجديد مساءلة ائتلاف نتنياهو عن الإخفاق، في وقت تقترب فيه إسرائيل من انتخابات عامة تجعل ملف الحرب والفشل الأمني جزءًا أساسيًا من الصراع السياسي.
احتمالات إقليمية زادت حجم الصدمة
وفي قراءة أخرى للنتائج، تركز أوساط إسرائيلية على ما كان يمكن أن يحدث لو توسعت المواجهة منذ يومها الأول بانضمام حزب الله وإيران إلى الهجوم بصورة مباشرة ومتزامنة.
كما يعيد مستشار الأمن القومي الأسبق غيورا آيلاند طرح هذا الاحتمال، معتبرًا أن دخول قوات حزب الله في السابع من أكتوبر كان يمكن أن يفتح جبهة أكثر خطورة في الشمال.
وبحسب آيلاند، فإن دفع حزب الله بقواته الخاصة في اليوم الأول كان سيمنحه فرصة للتقدم داخل الجليل وربما الوصول إلى حيفا قبل انتهاء ذلك اليوم، وفق تقديره الذي أورده النص.
ومن جهة أخرى، يعكس هذا الطرح حجم القلق الإسرائيلي من تعدد الجبهات، لأن الصدمة لم ترتبط فقط بما وقع فعليًا، بل أيضًا بسيناريوهات كان يمكن أن توسع نطاق الهجوم بصورة أكبر.
وفي السياق ذاته، أعادت تصريحات دونالد ترامب التي قال فيها إن إسرائيل كانت مهددة بالتدمير لولا التدخل الأمريكي، النقاش حول حجم الاعتماد على الدعم الخارجي في اللحظات الأولى للحرب.
كما يشير النص إلى دور إدارة جو بايدن آنذاك في تقديم دعم عسكري وسياسي سريع لإسرائيل، مع تحذيرات إقليمية ودفع المزيد من الأسلحة خلال مرحلة اعتبرها مراقبون شديدة الحساسية.
وبالتالي، أصبح تقييم السابع من أكتوبر مرتبطًا كذلك بالسؤال عن قدرة إسرائيل على مواجهة حرب متعددة الجبهات دون تدخل أمريكي مباشر، خاصة مع امتداد الصراع لاحقًا إلى أكثر من ساحة إقليمية.
وفي المقابل، تستخدم بعض التيارات السياسية هذا السيناريو الافتراضي لتأكيد خطورة الإخفاق، بينما ترى أوساط أخرى أن استعادة احتمالات لم تقع فعليًا تخدم المعركة الداخلية أكثر مما تفسر مسار الحرب.
ومع ذلك، يظل تعدد الجبهات أحد أكثر النتائج حضورًا في النقاش الإسرائيلي، بعدما انتقلت تداعيات الحرب من غزة إلى لبنان وإيران والبحر الأحمر ومناطق أخرى في الإقليم.
جبهات مفتوحة وصراع داخلي ممتد
وفي الذكرى الثالثة، تبدو الحرب بالنسبة لأوساط إسرائيلية بعيدة عن صورة المواجهة المحسومة، إذ تستمر جبهات متعددة وتبقى آثار السنوات الماضية حاضرة في السياسة والاقتصاد والمجتمع والأمن.
كما عبّر رسم كاريكاتيري إسرائيلي عن هذا الشعور من خلال جندي يقف عند علامة ثلاث سنوات على طريق طويل تحيط به مشاهد الخراب والقصف، في إشارة إلى استمرار المواجهة دون نهاية واضحة.
ومن جانب آخر، تتعرض سياسة نتنياهو المرتبطة بالسعي إلى «نصر مطلق» لاعتراضات إسرائيلية واسعة، ترى أن الشعار لم يتحول إلى خطة سياسية تنهي الحرب أو تعالج نتائج السابع من أكتوبر.
وفي هذا السياق، تربط هذه الأوساط استمرار الأزمة بالاعتماد المكثف على القوة العسكرية، وغياب رؤية سياسية متماسكة، مع استمرار النزاع حول الشكل الذي يجب أن تكون عليه إسرائيل بعد الحرب.
كما امتدت النتائج، وفق النص، إلى مسار التطبيع الإقليمي، بعدما تباطأت احتمالات توسيع العلاقات مع دول عربية، وظهرت مراجعات جديدة لدى بعض الأطراف بشأن حساباتها الأمنية وتحالفاتها في المنطقة.
ومن جهة أخرى، يبقى استمرار وجود حماس بعد نحو ثلاث سنوات من القتال موضع نقاش داخل إسرائيل، خصوصًا مع تدمير واسع في غزة وعدم تحقق هدف إنهاء الحركة بصورة نهائية.
كما تزعم جهات إسرائيلية أن حماس تعمل على إعادة بناء جزء من قدراتها والاستعداد لعمليات جديدة، وهو ما يدفع أصواتًا للمطالبة باستئناف حرب أوسع داخل القطاع.
وفي المقابل، تدعو أصوات أخرى إلى زيادة الضغط على سكان غزة وطرح أفكار للتهجير، بينما يستمر الخلاف الداخلي حول جدوى هذه السياسات وكلفتها العسكرية والسياسية على المدى البعيد.
وفي النهاية، تبدو الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى داخل إسرائيل أقرب إلى فتح دفاتر لم تغلق بعد، من الإخفاق الأمني وملف الأسرى إلى الجبهات المفتوحة والصراع على الحكم والهوية ومستقبل الحرب.

