تتسع دائرة الأسئلة حول حادث رحلة «فلاي دبي» المتجهة إلى تل أبيب، بعدما ظهرت معلومات جديدة تفيد بأن مساعد الطيار المشتبه بالاعتداء على قائد الرحلة واجه سابقًا مخاوف أمنية مرتبطة بأفكاره خلال عمله في الطيران العماني.
وتضع هذه المعلومات إجراءات التدقيق الأمني في قطاع الطيران أمام اختبار ثقيل، خصوصًا أن المشتبه به انتقل بين شركات مختلفة قبل وصوله إلى قمرة طائرة تحمل عشرات الركاب نحو واحدة من أكثر الوجهات حساسية أمنيًا.
تاريخ مهني يثير أسئلة أمنية
وفي التفاصيل، أفادت مصادر نقلت عنها شبكة CNN بأن المشتبه به هو المواطن العماني همام الحمامي، وأنه أُبعد سابقًا من التدريب على الطيران بسبب مخاوف مرتبطة بما وُصف بآراء متشددة.
كما ذكر مصدر دبلوماسي إقليمي أن الحمامي لم يغادر الطيران العماني فورًا، وإنما أُسندت إليه وظيفة أخرى داخل الشركة، وهو ما يفتح بابًا لفهم طبيعة التحفظات الأمنية التي أثيرت وقتها.
وبحسب ملف مهني على «لينكد إن»، عمل الحمامي في الطيران العماني سبع سنوات قبل مغادرته في فبراير 2025، ثم التحق بالخطوط الملكية المغربية في يونيو وغادرها في يناير 2026.
وفي المقابل، لم يتضمن الملف نفسه أي إشارة إلى عمله في «فلاي دبي»، رغم أن مصدرًا أكد للشبكة أن الصفحة تعود إلى الشخص المشتبه بتورطه في الحادثة، قبل حذفها لاحقًا.
ومن جهة أخرى، أفاد مسؤول إسرائيلي بأن الحمامي أمضى نحو ثمانية أشهر فقط في «فلاي دبي»، فيما بقيت الأسئلة قائمة بشأن نوع الفحص الأمني والمهني الذي خضع له قبل التوظيف.
وفي السياق نفسه، قالت تقارير أخرى إن السلطات العمانية كانت قد منعته من الطيران بسبب مخاوف أمنية، بينما لم يتضح ما إذا كانت هذه المعلومات نُقلت إلى شركات الطيران التي عمل بها لاحقًا.
ولهذا، تتحول القضية من واقعة اعتداء داخل قمرة قيادة إلى سؤال أوسع عن تبادل المعلومات بين شركات الطيران والسلطات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بوظائف تمنح أصحابها وصولًا مباشرًا إلى أنظمة الطائرة.
كما يزداد هذا السؤال أهمية مع انتقال الطيار بين أكثر من شركة خلال فترة قصيرة، وهو ما يفرض مراجعة كيفية انتقال الملفات الأمنية والمهنية عندما ينتقل الموظف من ناقل جوي إلى آخر.
حسابات محذوفة ورسائل غامضة
وفي مسار موازٍ، حللت CNN حسابات منسوبة إلى الحمامي، وقالت إن منشورين ظهرا على «لينكد إن» بعد نحو تسع ساعات من الحادث، قبل حذف الحساب لاحقًا، دون معرفة من نشرهما فعليًا.
كما تضمن أحد المنشورين مقاطع مصورة من داخل قمرة طائرة «بوينغ 737 ماكس»، بينها تصوير لطائرات إسرائيلية، مع ظهور رقم رحلة تابع للطيران العماني وتاريخ يعود إلى أكتوبر 2023.
وبحسب تحليل الشبكة، انتهى الفيديو بصورتين لأيمن الظواهري وهمام خليل أبو ملال البلوي، المرتبطين بتنظيم القاعدة، وهي مواد أصبحت جزءًا من الفحص الجاري لخلفية الحساب ومصدر منشوراته.
وفي منشور آخر، ظهرت صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تربط مكة والمدينة والقدس، مع قصيدة تتحدث عن رفض الذل وعدم الخوف من الموت والدفاع عن الكرامة.
ومع ذلك، لا تثبت هذه المواد وحدها دافعًا إرهابيًا، خصوصًا أن هوية الشخص الذي نشرها وتوقيت إعدادها لا يزالان غير محسومين، فيما قالت الشبكة إن احتمال الجدولة المسبقة يظل قائمًا.
ومن ناحية أخرى، راجعت الشبكة آلاف التغريدات المحذوفة المنسوبة للحساب، وقالت إنها تضمنت آراء شديدة المحافظة تجاه النساء والعمل المختلط، لكنها لم تعثر ضمن المواد التي راجعتها على دعم للفلسطينيين أو مهاجمة لإسرائيل.
وبالتالي، يصبح الفصل ضروريًا بين المواقف الاجتماعية والدينية من جهة، وبين إثبات التخطيط للعنف من جهة أخرى، لأن التحقيق الجنائي يحتاج أدلة تتجاوز تحليل المواقف الشخصية أو الخطاب المتشدد.
كما يبقى حذف الحسابات بعد الحادث عنصرًا يخضع للفحص، لكنه لا يقدم بمفرده دليلًا حاسمًا على التخطيط، خاصة مع استمرار التحقيق في هوية من تحكم في الحسابات خلال الساعات التالية للواقعة.
التحقيق يلاحق ثغرات التوظيف
وفي الجانب الميداني، أكدت التحقيقات السعودية الأولية أن قائد الطائرة تعرض لاعتداء من مساعده، ما أدى إلى إصابة الاثنين، قبل أن تهبط الرحلة اضطراريًا وبسلام في مدينة تبوك السعودية.
كما كانت الرحلة تحمل 174 راكبًا وثمانية من أفراد الطاقم، بينما تدخل أفراد من الطاقم ومسافرون للمساعدة في السيطرة على الموقف وتأمين الطائرة قبل استكمال إجراءات الهبوط الاضطراري.
وبعد ذلك، انتقل القائد ومساعده إلى المستشفى لتلقي العلاج، قبل نقلهما إلى الإمارات بعد تحسن حالتهما، في وقت واصلت فيه السلطات السعودية والإماراتية تبادل المعلومات بشأن ملابسات الواقعة.
وفي الإمارات، أمر النائب العام بتشكيل فريق تحقيق متخصص لفحص تفاصيل الحادث ودوافعه، بما في ذلك احتمال ارتباطه بنشاط إرهابي أو وجود تخطيط أو توجيه مسبق.
وفي الوقت نفسه، شددت السلطات الإماراتية على أن التحقيقات لم تنته، وطالبت بعدم تداول استنتاجات غير مثبتة، بينما أكدت أن القانون الإماراتي يسري على الجرائم المرتكبة داخل الطائرات المسجلة في الدولة.
ومن جهتها، قالت «فلاي دبي» إنها لا تستطيع التعليق على تفاصيل مرتبطة بالمشتبه به أو خلفيته ما دام التحقيق مستمرًا، مع تأكيدها سابقًا وقوع مشاجرة داخل قمرة القيادة.
وبالتوازي، تحولت قضية الحمامي إلى ملف تدقيق أمني يتجاوز الحادث نفسه، لأن المعلومات الجديدة تفرض سؤالًا مباشرًا حول كيفية وصول شخص أثيرت بشأنه مخاوف سابقة إلى وظيفة طيران جديدة.
وفي النهاية، ستتوقف الإجابة على ما ستثبته التحقيقات بشأن دافع الاعتداء ومدى وجود تخطيط مسبق، لكن القضية وضعت بالفعل أنظمة التوظيف وتبادل المعلومات الأمنية بين شركات الطيران أمام مراجعة يصعب تجاهلها.

