شهدت العاصمة الأوكرانية كييف ومحيطها، هجوماً روسياً واسعاً بالصواريخ والطائرات المسيرة، أسفر عن سقوط قتلى ومصابين، بينهم أطفال، إلى جانب أضرار كبيرة طالت مباني سكنية ومنشآت للبنية التحتية والطاقة ومستودعات وسيارات.
وتزامن الهجوم مع موجة من الانفجارات التي هزت مناطق مختلفة من كييف طوال الليل، وسط تحذيرات متكررة للسكان من هجمات بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة، فيما أعلنت السلطات الأوكرانية حالة من الاستنفار للتعامل مع آثار القصف والحرائق الناتجة عنه.
قتلى ومصابون في منطقة كييف
قال تيمور تكاتشينكو، رئيس الإدارة العسكرية لمنطقة كييف، إن المنطقة تعرضت لهجوم روسي جديد باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، موضحاً أن القصف تسبب في سقوط قتلى ومصابين، بينهم طفل.
وأضاف تكاتشينكو، في منشور عبر تطبيق "تليجرام"، أن الهجمات ألحقت أضراراً بعدد من مرافق البنية التحتية، إلى جانب منازل ومستودعات وسيارات، كما تسببت في اندلاع حرائق في عدد من المواقع.
وأفادت السلطات الأوكرانية في بيانات متعاقبة بمقتل عدد من الأشخاص في كييف والمنطقة المحيطة بها، بينما أصيب آخرون جراء الضربات التي استمرت خلال ساعات الليل.
وقالت أجهزة الطوارئ الأوكرانية إنها عثرت على جثة طفل تحت أنقاض مبنى سكني تعرض للدمار في منطقة كييف، في حين تحدثت السلطات عن أضرار واسعة في عدد من المنشآت والممتلكات المدنية.
وفي العاصمة، أعلن رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو مقتل عدد من الأشخاص في مواقع مختلفة، من بينهم سائق يعمل لدى شركة محلية للخدمات العامة، بعد استهداف أحد المستودعات.
أضرار واسعة وانقطاع في الكهرباء
لم تقتصر آثار الهجوم على الخسائر البشرية، إذ تعرضت شبكة الكهرباء ومنشآت الطاقة في كييف ومحيطها لأضرار نتيجة القصف الروسي.
وأعلنت شركة "ديتك"، أكبر مزود خاص للطاقة في أوكرانيا، تعرض منشآت تابعة لشبكة الكهرباء لأضرار، ما أدى إلى تأثر إمدادات الطاقة في بعض المناطق.
وقالت الشركة إن فرقها تمكنت من إعادة التيار الكهربائي إلى نحو 8 آلاف منزل عقب الهجمات، في الوقت الذي واصلت فيه فرق الصيانة العمل على إصلاح الأضرار الناجمة عن القصف.
وتكتسب منشآت الطاقة أهمية خاصة بالنسبة لأوكرانيا مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل مخاوف من تكرار أزمات انقطاع الكهرباء والتدفئة التي شهدتها البلاد خلال فترات سابقة نتيجة الضربات الروسية المتكررة على البنية التحتية الحيوية.
وتخشى السلطات والسكان من أن يؤدي استهداف محطات الكهرباء والطاقة إلى زيادة الضغوط على المدن الأوكرانية، خصوصاً مع انخفاض درجات الحرارة خلال أشهر الشتاء، الأمر الذي يضع المناطق السكنية والمنشآت الخدمية أمام تحديات إضافية.
روسيا تعلن أهداف الهجوم
من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها نفذت هجوماً واسع النطاق باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، وقالت إن الضربات استهدفت مواقع في كييف ومحيطها، إضافة إلى منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة والبنية التحتية.
وذكرت الوزارة أن أهدافها شملت مركز اتصالات في العاصمة الأوكرانية، إلى جانب عدد من منشآت الطاقة التي قالت موسكو إنها مرتبطة بتزويد الصناعات العسكرية الأوكرانية بالكهرباء.
كما تحدثت وزارة الدفاع الروسية عن استهداف منشآت للطاقة في منطقة كييف، بينها محطات كهربائية وكهرومائية وحرارية ومنشآت لتخزين الطاقة.
وفي منطقة أوديسا، قالت موسكو إنها استهدفت مجمعاً صناعياً في ميناء إزمايل، زاعمة استخدامه في استقبال وتخزين ونقل شحنات عسكرية ووقود مخصص للقوات الأوكرانية.
كما أعلنت روسيا استهداف سفينة شحن في الجزء الشمالي الغربي من البحر الأسود، وقالت إنها كانت تنقل معدات عسكرية ومواد مزدوجة الاستخدام إلى ميناء أوديسا.
ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من صحة جميع الرواية الروسية بشأن طبيعة الأهداف التي جرى استهدافها.
انفجارات متواصلة في العاصمة
عاشت كييف ليلة جديدة من التوتر، بعدما دوّت انفجارات قوية في مناطق مختلفة من العاصمة، بالتزامن مع تحذيرات متكررة من هجمات صاروخية.
وأصدرت السلطات الأوكرانية تعليمات للسكان بالتوجه إلى الملاجئ، فيما حذرت القوات الجوية من احتمال إطلاق صواريخ باليستية باتجاه العاصمة.
وتسببت الهجمات في حرائق وأضرار بمبانٍ سكنية ومنشآت تجارية ومرافق خدمية، إضافة إلى تضرر عدد من السيارات والممتلكات الخاصة.
ويأتي ذلك في وقت كثفت فيه روسيا خلال الفترة الأخيرة استخدام الطائرات المسيرة في هجماتها على المدن والمنشآت الأوكرانية، بالتزامن مع استمرار استخدام الصواريخ بعيدة المدى.
وتشير السلطات الأوكرانية إلى أن بعض الطائرات المسيرة الحديثة تتميز بسرعة أكبر من الطرازات التقليدية، ما يزيد من صعوبة التعامل معها واعتراضها قبل وصولها إلى أهدافها.
وفي المقابل، يواصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مطالبة حلفاء بلاده بتقديم مزيد من أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية، خصوصاً تلك القادرة على التعامل مع الصواريخ الباليستية.
مقتل شخصين وإصابة 6 بهجوم على سومي
وامتدت الهجمات إلى مناطق أخرى في أوكرانيا، حيث أعلن حاكم منطقة سومي أوليه هريغوروف تعرض مدرسة لقصف بقنابل انزلاقية روسية.
وقال هريغوروف إن الهجوم الذي وقع الثلاثاء الماضي أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 6 آخرين، بينهم 3 أطفال.
وأوضح أن العاملين في المدرسة ومسؤوليها تمكنوا من إجلاء نحو 100 شخص إلى أحد الملاجئ قبل وقوع أضرار في المنشأة، مشيراً إلى أن منازل مجاورة تعرضت أيضاً لأضرار جراء القصف.
وتتعرض منطقة سومي، الواقعة شمال أوكرانيا بالقرب من الحدود الروسية، لهجمات متكررة منذ بداية الحرب، في ظل استمرار العمليات العسكرية على امتداد المناطق الحدودية.
وتقول روسيا إن تحركاتها العسكرية في المناطق القريبة من الحدود تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة لحماية أراضيها من الهجمات الأوكرانية، بينما تتهم كييف موسكو بمواصلة استهداف المناطق السكنية والبنية التحتية المدنية.
وجاء التصعيد الأخير في الوقت الذي أعرب فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه من تصاعد الهجمات اليومية في أوكرانيا وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.
وأكد غوتيريش أن استمرار الضربات وتزايد الخسائر البشرية يعكسان الحاجة إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي لإنهاء الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا.
وتستمر في الوقت نفسه الهجمات المتبادلة بعيدة المدى بين موسكو وكييف، والتي تتركز بشكل متزايد على منشآت الطاقة والنفط والبنية التحتية ومواقع مرتبطة بالقدرات العسكرية.
وعلى المستوى السياسي، تصاعدت حدة الانتقادات الألمانية للموقف الروسي من جهود التفاوض بشأن الحرب.
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن رد موسكو على الاجتماع الأخير بين وزيري خارجية البلدين يشير، بحسب تقييمه، إلى عدم استعداد روسيا في الوقت الحالي للدخول في مفاوضات جادة لإنهاء الحرب.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد التقى نظيره الألماني يوهان فاديفول على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في اجتماع وصف بأنه الأول من نوعه بين مسؤولين بهذا المستوى منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا.
وجاء اللقاء في ظل توتر متزايد بين برلين وموسكو، على خلفية اتهامات ألمانية لروسيا بالتصعيد تجاه ألمانيا وأوروبا وحلف شمال الأطلسي.
وقال دبلوماسي ألماني إن فاديفول دعا روسيا إلى التخلي عما وصفه بالنهج التصعيدي، مؤكداً استمرار ألمانيا في دعم أوكرانيا.
في المقابل، اتهم لافروف الدول الأوروبية بمحاولة عرقلة المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب، مؤكداً أن موسكو ماضية في تحقيق أهدافها التي أعلنتها بشأن العملية العسكرية في أوكرانيا.
كما قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إن موسكو لم تقدم مؤشرات على وجود تحرك فعلي نحو تسوية سياسية، بينما دعا ميرتس الحكومة الروسية مجدداً إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
ويأتي هذا السجال السياسي بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية وتصاعد الهجمات الجوية، ما يعكس اتساع الفجوة بين المواقف الروسية والأوكرانية والغربية بشأن سبل إنهاء الحرب.
وفي ظل استمرار القصف على كييف ومناطق أخرى، تبقى البنية التحتية للطاقة والمنشآت المدنية من أبرز النقاط المتضررة، بينما تواجه السلطات الأوكرانية تحديات متزايدة في حماية المدن والمنشآت الحيوية مع اقتراب فصل الشتاء، وسط تحذيرات أممية من تداعيات استمرار التصعيد على المدنيين.

