يدفع تعثر التفاهم بين واشنطن وطهران أسعار النفط مجددًا إلى الواجهة، بعدما ارتفع خام برنت قرب 107 دولارات للبرميل، وسط مخاوف من استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتأخر استعادة التدفقات الطبيعية.

 

ويضع رفض المقترح الإيراني الأسواق أمام مرحلة جديدة من التقلب، لأن المضيق يمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية، بينما تتعامل شركات الشحن والمصافي مع احتمالات بقاء المخاطر الأمنية وارتفاع تكلفة التأمين والنقل.

 

 

هرمز يعيد تسعير مخاطر النفط

 

وفي التعاملات الآسيوية، صعد خام برنت بنحو 2.6% إلى 107.02 دولارات لعقود نوفمبر، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 1.9% إلى 94.13 دولارًا، بما يعكس عودة علاوة المخاطر الجيوسياسية.

 

كما تحركت عقود ديسمبر الأكثر تداولًا بصورة أقل حدة، إذ ارتفعت بنحو 1.8% إلى 99.19 دولارًا للبرميل، وهو فارق يوضح حساسية العقود الأقرب لأي تطورات تخص حركة العبور والإمدادات الفعلية.

 

وفي المقابل، لا تعني القفزة الحالية أن السوق تتوقع توقفًا كاملًا للإمدادات، لأن ناقلات لا تزال تعبر المضيق تحت ترتيبات أمنية مشددة، وإن بقيت التدفقات دون مستويات ما قبل اندلاع المواجهة.

 

ومن ثم، يتركز القلق في طول مدة الاضطراب أكثر من حدوث انقطاع شامل، لأن استمرار المرور الجزئي يخفف الصدمة الفورية، لكنه لا يلغي أثر المخاطر على الأسعار والتأمين وتخطيط الإمدادات.

 

كذلك يعكس تحرك برنت قوة الحساسية تجاه أي خبر سياسي، فمجرد تراجع فرص الاتفاق السريع يعيد الأسعار إلى الارتفاع، بينما يؤدي ظهور مؤشرات تفاوضية إيجابية إلى ضغوط بيع سريعة خلال الجلسات.

 

وفي هذا السياق، أصبحت سوق النفط شديدة الارتباط بتفاصيل المفاوضات، إذ لم تعد البيانات التقليدية للمخزونات والإنتاج وحدها كافية لتفسير الحركة اليومية، مع انتقال مركز الثقل إلى أخبار هرمز.

 

وعلاوة على ذلك، يضيف اقتراب عقود نوفمبر من موعد انتهائها درجة إضافية من التذبذب، لأن المتعاملين يعيدون ترتيب المراكز قبل الانتقال إلى عقود ديسمبر، الأكثر نشاطًا في التداول.

 

أما الفارق بين عقود نوفمبر وديسمبر فيعكس أيضًا مخاوف أقوى بشأن الإمدادات القريبة، إذ يدفع احتمال استمرار القيود في المدى القصير المتعاملين إلى تسعير براميل التسليم العاجل بعلاوة أكبر.

 

 

المفاوضات معلقة على شروط متعارضة

 

وفي الجانب السياسي، لا تزال الفجوة واسعة بين الطرفين، بعدما طرحت طهران إعادة فتح المضيق واستئناف المحادثات خلال أسبوع مقابل تخفيف الحصار البحري والعقوبات النفطية وترتيبات لوقف النار.

 

كما أبلغ ترامب بأن المقترح الإيراني لا يلبي الشروط الأمريكية الحالية، رغم إشارته إلى أن بنوده ربما كانت مقبولة قبل نحو عام، مع توقعه عودة الاتصالات بين الجانبين خلال الأسبوع الحالي.

 

وفي المقابل، أعلنت طهران تمسكها بالمسار الدبلوماسي، لكنها لم تتراجع عن مطالبها المرتبطة بالمضيق والعقوبات، وهو ما يبقي فرص التوصل إلى تفاهم سريع رهينة تنازلات متبادلة لم تظهر بعد.

 

ومن ناحية أخرى، تواصل وساطات إقليمية التحرك بين الجانبين لمحاولة تضييق الفجوة، خاصة مع ارتباط أي اتفاق محتمل بملفات متعددة تشمل الملاحة والعقوبات والمحادثات النووية ووقف التصعيد العسكري.

 

كذلك تبدو المفاوضات أكثر تعقيدًا بسبب اختلاف ترتيب الأولويات، فطهران تريد البدء بالمضيق والحصار، بينما تسعى واشنطن إلى ربط أي تقدم بتنازلات أوسع، ما يصعب الوصول إلى صفقة محدودة وسريعة.

 

وفي الوقت نفسه، تشير التصريحات الأمريكية إلى استمرار تدفق كميات من النفط عبر هرمز خلال الأيام الأخيرة، وهو عامل يحد مؤقتًا من اندفاع الأسعار رغم بقاء مستوى العبور أقل من الظروف الطبيعية.

 

وبالتالي، لا تتحرك السوق على أساس إغلاق كامل للممر، بل على احتمال بقاء حركة الشحن مقيدة ومكلفة، مع إمكانية تعرضها لانتكاسات مفاجئة إذا تعثرت المحادثات أو عاد التصعيد العسكري.

 

ومن هنا، يبقى أي إعلان عن جولة تفاوض جديدة عاملًا قادرًا على تهدئة الأسعار مؤقتًا، لكنه لن يضمن استقرارًا مستدامًا ما لم يتحول إلى ترتيبات تنفيذية واضحة بشأن الملاحة والعقوبات.

 

 

الأسعار تضغط على الاقتصاد العالمي

 

وفي الأسواق العالمية، يهدد بقاء برنت فوق مستويات مرتفعة بتوسيع الضغوط التضخمية، لأن النفط يدخل مباشرة في تكلفة النقل والصناعة والكهرباء، كما ينعكس بصورة غير مباشرة على أسعار الغذاء والخدمات.

 

كما أن صعود الخام بنحو 75% منذ بداية العام يضع البنوك المركزية أمام معضلة أصعب، إذ قد يؤدي ارتفاع الطاقة إلى إبطاء مسار خفض الفائدة أو إعادة المخاوف من موجة تضخم جديدة.

 

وفي الاقتصادات المستوردة للطاقة، تظهر المخاطر بصورة أسرع عبر فاتورة الاستيراد وسعر الصرف وتكلفة الإنتاج، خصوصًا للدول التي تعتمد على الوقود المستورد أو تواجه أصلًا ضغوطًا مالية ونقدية مرتفعة.

 

أما الدول المنتجة فقد تستفيد من زيادة الإيرادات الاسمية، لكن المكاسب لا تكون خالصة إذا ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين أو تضررت حركة التجارة، كما قد تتأثر مستويات الطلب العالمي لاحقًا.

 

وفي الولايات المتحدة، يضيف ارتفاع أسعار السولار بعدًا داخليًا للأزمة، مع بحث إجراءات لكبح الأسعار المحلية، بينما تثير أي قيود على الصادرات تساؤلات بشأن تأثيرها في توازنات المنتجات النفطية العالمية.

 

كذلك قد تدفع الأسعار المرتفعة المستهلكين والشركات إلى خفض الطلب تدريجيًا، وهو ما يفسر توقعات بعض المحللين بأن تبقى مكاسب النفط محدودة إذا استمرت التدفقات ولم يحدث انقطاع أوسع.

 

وفوق ذلك، يظل حجم المخزونات التجارية وقدرة المنتجين على زيادة الإمدادات عاملين مهمين في كبح الارتفاع، لكن تأثيرهما يتراجع عندما تصبح المخاطر مرتبطة بممر بحري حيوي يصعب تعويضه بالكامل.

 

وفي المحصلة، يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاه السوق خلال المدى القريب، لأن استعادة المرور الطبيعي يمكن أن تسحب جزءًا من علاوة المخاطر، بينما استمرار القيود يبقي الأسعار مرتفعة.

 

ومن ثم، ستظل الأسعار رهينة ثلاثة متغيرات رئيسية خلال الأيام المقبلة: مسار الوساطة، حجم التدفقات الفعلية عبر المضيق، وطبيعة الردود الأمريكية والإيرانية، وهي عوامل ستحدد ما إذا كان برنت سيحافظ على مستوياته الحالية.