تكشف روايات متداولة على صفحات التواصل الاجتماعي خلال هذا الشهر عن مزاعم بتوسيع التفتيش داخل وزارة الداخلية ليشمل سلوك ضباط وصلاتهم العائلية، مع تداول حديث عن تقارير أمنية قد تؤثر في المسار الوظيفي لضباط من قطاعات مختلفة.
وتعيد هذه المزاعم فتح ملف أقدم يتعلق بعلاقة أجهزة جمع المعلومات ببقية مؤسسات الدولة، وحدود تأثير التقارير السرية عندما تصل إلى القيادة الأعلى، وما إذا كانت تتحول من أداة تقييم أمني إلى وسيلة ضغط إداري.
تحريات تتجاوز حدود القطاعات
ذكر حساب «ظل الرئيس» أن الأمن الوطني أوصى بإجراء تحريات وتحقيقات مع ضباط من المرور وحقوق الإنسان والقوات الخاصة، على خلفية ما وصفه بتواصل بعض العاملين مع معارضين، وهي رواية لم يتسن التحقق منها مستقلاً.
وإذا صحت تلك المعلومات، فهي لا تعني أن الأمن الوطني يملك سلطة إدارية مباشرة على القطاعات الأخرى، لكنها تشير إلى قدرة جهاز معلومات داخل الوزارة على رفع تقييمات يمكن أن تؤثر في قرارات النقل أو التحقيق.
ويختلف الأمن الوطني مؤسسيًا عن المخابرات العامة والمخابرات الحربية وهيئة الرقابة الإدارية، وينص قانون هيئة الشرطة على أن الأمن الوطني قطاع أمني بوزارة الداخلية يتبع وزير الداخلية مباشرة، وله اختصاصاته المعلوماتية والأمنية المحددة.
الأمن الوطني يوصي مكتب وزير الداخلية بعمل تحقيقات وتحري عن ضباط الإدارات المختلفة بسبب نشاط المعارضة الأخير ارتفعت وتيرة التحقيقات من جانب إدارة التفتيش بوزارة الداخلية، تجاه الضباط من مختلف القطاعات خاصة الإدارية منها، مثل(إدارة المرور-حقوق الإنسان-القوات الخاصة-وغيرها..)، وتمت مراجعة سلوكهم وسؤالهم عن علاقتهم بأقاربهم حتى الدرجة الثانية والثالثة المحكوم عليهم؛ وذلك بإيعاز وطلب من جهاز الأمن الوطني لمكتب وزير الداخلية، بسبب ورود معلومات عن تواصل بعض العاملين بالأجهزة الأمنية مع المعارضة. في الوقت ذاته، زادت الفجوة مؤخراً بين الأمن الوطني والإدارات المختلفة في الداخلية، نظراً للقرارات التي صدرت مؤخراً تجاه الضباط والتي يُعتقد أن الأمن الوطني هو من قام بالوشاية إلى الوزير لاتخاذها، ومنها (تحويل كل ضابط يشتري سيارة معاقين إلى التأديب ومن ثم الفصل -مجالس تأديب للضباط الذين يتم كتابة تقرير من الأمن الوطني عن عدم التعاون). وهي ثغرة جعلت كل ضابط أمن وطني لا يعجبه ضابط آخر في الإدارات المختلفة بكتابة تقرير عنه ووصفه بـ"غير متعاون". #ظل_الرئيس #الشرطة_المصرية #الداخلية #الأمن_الوطني #شكرا_حماه_الوطن_بالجيزه #شكرا_مستقبل_وطن #مصر #السيسي
— ظل الرئيس (@ZillRaees) September 14, 2026
وتظهر اجتماعات رسمية حضور وزير الداخلية ورئيس المخابرات العامة ومدير المخابرات الحربية ورئيس الرقابة الإدارية بصفتهم مسؤولين عن مؤسسات منفصلة، بما يعكس تعدد مراكز المعلومات والاختصاص داخل هيكل الدولة الأمني والرقابي.
كما تحدد القواعد المنظمة للرقابة الإدارية اختصاصات تتعلق بكشف المخالفات والفساد ومتابعة أداء أجهزة الدولة، وهي هيئة مستقلة تتبع رئيس الجمهورية، بما يوضح اختلاف موقعها القانوني والإداري عن أجهزة وزارة الداخلية.
وقال مراقبون إن الخلاف بين الأجهزة لا يظهر بالضرورة في صورة مواجهة علنية، بل قد يتجسد في اختلاف التقارير أو تضارب التقييمات أو المنافسة على مصدر معلومات أو طريقة تفسير حادث أمني بعينه.
وقد تتحول تلك الاختلافات إلى قرارات نقل أو إعفاء أو إعادة توزيع اختصاصات، لكن ربط كل تغيير إداري بصراع خفي يظل استنتاجًا يحتاج إلى أدلة مستقلة، خاصة في بيئة تقل فيها المعلومات الرسمية التفصيلية.
التهامي وتسريب الدقهلية القديم
يمثل مسار اللواء محمد فريد التهامي حالة لافتة في انتقال القيادات بين مؤسسات شديدة الحساسية، فقد شغل إدارة المخابرات الحربية ثم ترأس هيئة الرقابة الإدارية بين 2004 و2012 قبل رئاسة المخابرات العامة.
أنهى الرئيس محمد مرسي رئاسة التهامي للرقابة الإدارية في سبتمبر 2012، وسط اتهامات سياسية وإعلامية مرتبطة بأداء الهيئة وملفات فساد، لكن المتاح علنًا لا يثبت صدور حكم قضائي بإدانته شخصيًا بالفساد.
وبعد الإنقلاب على الرئيس مرسي في يوليو 2013، عُين التهامي رئيسًا للمخابرات العامة بقرار من الرئيس المؤقت عدلي منصور، وبقي في المنصب حتى 21 ديسمبر 2014، عندما صدر قرار بإحالته إلى المعاش.
وجاء القرار بعد يوم واحد من نشر تقرير صحفي في 20 ديسمبر 2014 نقل عن مصادر أمنية أن منفذ تفجير مديرية أمن الدقهلية سبق أن تعاون مرشدًا مع قطاع الأمن الوطني قبل تنفيذ الهجوم.
وردت وزارة الداخلية بنفي المعلومات المتعلقة بخلفية منفذ التفجير، بينما تمسكت الجهة الناشرة بما قدمته وقالت إن لديها وثائق، فتحول الخلاف إلى مواجهة علنية بين رواية أمنية رسمية ومعلومات منسوبة إلى مصادر أمنية.
وبعد ذلك بأيام، ربط الكاتب والسياسي أسامة رشدي بين التقرير وإبعاد التهامي، وقدم رواية تقول إن المعلومات خرجت من جهة سيادية وإن التسريب كان تعبيرًا عن صراع بين أجهزة داخل الدولة.
لكن هذه الرواية لم تصبح حقيقة مثبتة بوثائق رسمية، إذ ظهرت في المقابل تفسيرات قالت إن إنهاء خدمة التهامي ارتبط بأسباب صحية، بينما لم يتضمن القرار الرئاسي المعلن سببًا تفصيليًا للإحالة.
لذلك تبقى العلاقة بين تقرير الدقهلية وخروج التهامي مثالًا على تزامن سياسي لافت لا يكفي وحده لإثبات السببية، لكنه يوضح كيف تتحول التسريبات الأمنية إلى عنصر مؤثر في تفسير تغييرات القيادات.
حين تصبح المعلومة أداة نفوذ
يعود النقاش اليوم بسبب روايات تزعم أن تقارير الأمن الوطني يمكن أن تمتد إلى تقييم ضباط يعملون في قطاعات أخرى داخل الداخلية، وأن وصف ضابط بأنه غير متعاون قد يفتح باب المساءلة الوظيفية.
ونشر حساب «حزب تكنوقراط مصر» رواية عن ضابط باسم عمرو فؤاد، زاعمًا انتقاله من موقع سابق في الأمن الوطني إلى إدارة التحريات بالجوازات في العباسية، مقدمًا الحالة باعتبارها مثالًا على العقوبات أو الإبعاد.
ولا تتوافر في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها معلومات مستقلة كافية لإثبات تفاصيل هذه الحالة أو أسباب أي نقل وظيفي مرتبط بها، ولذلك تبقى الرواية في نطاق الادعاء المتداول على مواقع التواصل.
ونشر حساب «أبو منصور» بدوره مزاعم عن صراع بين ضباط في الجيش والأمن الوطني، وربطها خلال سبتمبر 2026 بوفاة شخص سماه اللواء شريف محمد صبري إبراهيم، وقدمها باعتبارها واقعة تصفية.
الظاهر الصراع محتدم بين ضباط الجيش وضباط الأمن الوطنى حيث قام ضباط الجيش بتصفية اللواء بالامن الوطنى شريف محمد صبري إبراهيم الشاهد بسبب مسؤوليته عن تصفية وإعتقال ضباط بالحرس الجمهورى واللواء القتيل هو نجل اللواء محمد صبري إبراهيم الشاهد وشقيق العميد شادي محمد صبري إبراهيم الشاهد pic.twitter.com/TKbK9mD9HH
— أبو منصور (@mdlsyd524690) September 9, 2026
ولم يظهر في البحث المفتوح حتى 18 سبتمبر 2026 ما يثبت بصورة مستقلة واقعة القتل المزعومة أو صلة الشخص المذكور بقطاع الأمن الوطني، وهو ما يمنع التعامل مع الادعاء باعتباره واقعة مؤكدة.
وتظل روايات الصراع بين المؤسسات الأمنية قابلة للتضخيم عندما تُبنى على منشورات مجهولة المصادر أو غير المدعومة بوثائق، خصوصًا أن التنافس المؤسسي واختلاف التقديرات لا يساويان تلقائيًا وجود صراع عنيف أو عمليات تصفية.
لكن وجود مراكز متعددة للمعلومات داخل الدولة يخلق بطبيعته احتمالات للاحتكاك، خاصة عندما تمتلك جهتان معلومات عن الملف نفسه وتقدمان تفسيرين مختلفين إلى القيادة السياسية أو تتنافسان على إدارة ملف حساس.
وتصبح المشكلة أكثر حساسية عندما يتحول تقرير أمني غير معلن إلى أساس لاتخاذ قرار مهني ضد ضابط في قطاع آخر، لأن المتضرر قد لا يعرف مضمون التقرير أو الأدلة المستخدمة أو كيفية الاعتراض عليه.
وهنا لا يتعلق السؤال بوجود التحريات في حد ذاته، فالأجهزة الأمنية تعتمد عليها بطبيعة عملها، وإنما بالضمانات التي تحكم استخدامها داخليًا ومدى وجود مراجعة مستقلة قبل تحويل التقييم الأمني إلى عقوبة وظيفية.
وبين روايات سبتمبر 2026 ووقائع ديسمبر 2014 يظهر خيط واحد يتمثل في قوة المعلومة السرية داخل الدولة، وقدرتها على إعادة تشكيل المسار الوظيفي أو السياسي عندما تصل إلى صاحب القرار الأعلى.
غير أن تحويل هذا الخيط إلى رواية مكتملة عن حرب بين الأجهزة يحتاج إلى أدلة أقوى من التغريدات والتزامنات الزمنية، ويبقى الثابت أن غياب الشفافية يوسع مساحة الشك ويمنح التسريبات وزنًا أكبر.

