يمر معظمنا بحياته مفترضًا أن ما يراه من حوله يمثل الواقع كما هو. نرى طاولة وشجرة، ونسمع الكلمات التي تُقال لنا، ونراقب ساعة تشير إلى مرور ساعة كاملة. يستقبل الدماغ هذه المعلومات فنختبرها باعتبارها واقعًا، لكن علوم الأعصاب تكشف أن الأمر لا يحدث بهذه البساطة. فلا يمنحنا الدماغ صورة غير معدّلة عن العالم، بل يرشّح قدرًا هائلًا من المعلومات، وينتقي ما يراه مهمًا، ثم يدمجه مع ما نعرفه ونتوقعه بالفعل، ليمنحنا ما يشبه نموذجًا عمليًا للواقع.


 

كيف تشكّل التوقعات والمعتقدات إدراكنا للواقع؟


تبدأ القصة كلها بحواسنا. لا تلتقط الرؤية البشرية سوى جزء صغير من الطيف الكهرومغناطيسي، كما يملك السمع البشري حدوده الخاصة. وحتى المعلومات التي تستطيع حواسنا رصدها، لا يصل معظمها إلى وعينا. ويضطر الدماغ إلى الانتقاء، وإلا أغرقته كمية المعلومات الهائلة وأصبحنا عاجزين تقريبًا عن القيام بأي شيء.


لكن الأمر يصبح أكثر إثارة للدهشة عندما نعرف أن ما نتوقع رؤيته يمكن أن يؤثر فيما نراه بالفعل. فقد أظهرت أبحاث علوم الأعصاب أن التوقعات السابقة تؤثر في طريقة معالجة الدماغ للمعلومات الواردة عبر الحواس. ويستدعي الدماغ باستمرار خبرات سابقة ليكوّن تنبؤات بشأن ما يوجد أمامنا، ثم يقارن تلك التنبؤات بالمعلومات التي تصل إليه.


لذلك، لا يقتصر الإدراك على انتقال المعلومات من العالم الخارجي إلى الدماغ، بل تتحرك المعلومات في الاتجاهين، أشبه بحركة المرور على طريق سريع ضخم. وتدخل الخبرات السابقة والتوقعات والمعتقدات التي تعلمناها ضمن هذه الحركة، فتؤثر في الأشياء التي نلاحظها والطريقة التي نفسر بها ما نصادفه في حياتنا اليومية.


فكّر في المعتقدات التي ظلت تدور داخل ذهنك لسنوات: «أنا لست كاتبًا جيدًا»، «أنا سيئ في الرياضيات»، «لست محبوبًا»، «هكذا أنا، وقد أصبحت أكبر من أن أتعلم ذلك»، «لا أنتمي إلى هؤلاء الأشخاص»، «أنا لست جيدًا بما يكفي». ومع تكرار هذه العبارات مرات كثيرة، نتوقف عن التعامل معها باعتبارها مجرد معتقدات، ونبدأ في رؤيتها كحقائق تحدد من نعتقد أننا عليه وكيف نظهر في العالم.


وهنا تكتسب الخبرة والتدريب أهمية خاصة. فإذا كان الدماغ يستخدم الخبرات السابقة لتفسير ما يمكن حدوثه في اللحظة الراهنة، فإن تقديم تجارب جديدة تمامًا إليه يمكن أن يبدأ في تغيير التوقعات التي يصنعها. لكن لا يكفي أن تقنع نفسك بالكلام بأن معتقدًا جديدًا أصبح حقيقة.

 

الطريق الحقيقي يمر عبر ممارسة شيء جديد، والتعرض لأشخاص وبيئات تناقض افتراضاتك السابقة، ثم تراكم الأدلة التي تثبت أن النموذج القديم الذي تبنيتَه عن نفسك كان ناقصًا. ومع الاستمرار، يمكن التخلص من تلك الفكرة المزعجة المتكررة: «أنا لست كافيًا».


ويمكن أن يساعد التأمل كذلك في هذه العملية، من خلال تدريب نشاط الدماغ على العمل وفق أنماط جديدة. فعلى سبيل المثال، توجد في الدماغ منظومة تُعرف باسم «شبكة الوضع الافتراضي»، وهي مجموعة من المناطق المترابطة التي تنشط بدرجة كبيرة عندما يتجه انتباهنا إلى الداخل، مثل التفكير في أنفسنا، وتذكر الماضي، وتخيل المستقبل، أو إعادة تشغيل القصة المستمرة التي نحملها عن هويتنا.


وتشير الأبحاث إلى أن التأمل يمكن أن يغيّر النشاط داخل هذه الشبكة وكذلك طريقة تواصل مناطقها المختلفة مع بعضها بعضًا. وبعبارة أخرى، قد يساعدنا التدريب على أن نصبح أقل خضوعًا للتعليق المستمر الذي يدور في أذهاننا حول هويتنا وما نظنه عن أنفسنا.


 

لماذا يختلف إدراك الوقت النفسي عن وقت الساعة؟


نعيش حياتنا داخل أجساد مادية توجد في المكان والزمان، وينظم الدماغ كيفية اختبارنا لما يحدث من حولنا. تقع الأحداث في أماكن محددة، ويأتي حدث قبل آخر، ونتذكر الماضي ونتساءل عما سيحدث في المستقبل. ويعد هذا الترتيب الذي يصنعه الدماغ ضروريًا لقدرتنا على التعامل مع العالم.


لكن وقت الساعة والوقت النفسي شيئان مختلفان تمامًا. فخمس دقائق ننتظر خلالها خبرًا طبيًا قد يغير حياتنا لا تمر بالطريقة نفسها التي تمر بها خمس دقائق نتناول خلالها العشاء مع أحبائنا. وتؤكد الأبحاث ما نعرفه بالفعل من التجربة: فالوقت الذاتي يتمتع بمرونة مدهشة، إذ يغيّر الانتباه والعاطفة والدافع وما نفعله الطريقة التي نشعر بها بطول الفترة الزمنية.


ويشير ذلك إلى امتلاكنا قدرًا من القدرة على التأثير في تجربتنا للوقت. فعندما نركز انتباهنا على الوقت نفسه، نشعر بأن الوقت يمر ببطء أكبر. أما عندما لا نركز عليه، مثلما يحدث عندما ننغمس في مشروع أو محادثة، فيبدو لنا أنه يمر بسرعة أكبر. وقد وجدت أبحاث الوقت الذاتي أن توجيه الانتباه نحو الوقت يمكن أن يوسع المدة التي ندركها، بينما يؤدي صرف الانتباه عنه إلى تقليصها.


وهنا يظهر جانب عملي مهم. فإذا أردنا أن تبدو تجربة نتطلع إليها أكثر متعة أثناء عيشها، يمكننا أن نعيد انتباهنا عمدًا إلى اللحظة الراهنة: إلى المحادثة، والموسيقى، وإحساس النسيم على البشرة، والوجه الذي نراه أمامنا على الطاولة.


أما إذا أردنا أن تمر فترة صعبة في حياتنا بصورة أسرع، فيمكننا الانغماس في نشاط آخر. كما يمكننا أن نصبح أكثر وعيًا بالافتراضات التي نحملها عن حياتنا. فربما لا يكون بعض ما نختبره باعتباره طبيعة ثابتة للواقع سوى الإطار الذي تعلمت أدمغتنا البشرية أن ترى العالم من خلاله.


 

هل نستطيع تغيير إدراكنا للواقع والوقت؟


لا تشير علوم الأعصاب إلى قدرتنا على التفكير خارج حدود الزمن الفيزيائي بالكامل أو تغيير قوانين الفيزياء. لكنها تخبرنا بشيء بالغ الأهمية: نحن نبني تجربتنا للواقع وننتقي عناصرها، كما أنها قابلة للتغيير بدرجة مدهشة من خلالنا نحن.


ولا نستطيع تغيير الواقع بمجرد فرقعة أصابعنا، لكن يمكننا، عبر توجيه الانتباه والممارسة، تغيير بعض المرشحات التي نختبر الواقع من خلالها. وقد يمنحنا ذلك مساحة أكبر بكثير لنصبح أشخاصًا مختلفين عما أخبرتنا به معتقداتنا القديمة، أو عما أصرت تلك المعتقدات على أننا يجب أن نكون عليه.

 

 

https://www.noonpost.com/en/384379/amp/