يكشف خطاب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في حفل تخرج الهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية اتجاهاً متزايداً لربط التعيين والتأهيل داخل مؤسسات مدنية بمسار عسكري، مع تقديم ذلك باعتباره مشروعاً لضبط المعايير ومنع المحاباة داخل جهاز الدولة.
ويعيد السيسي في الوقت نفسه أحداث 2011 و2013 إلى قلب النقاش، مستحضراً خطاب الخطر المستمر ومحاولات هدم الدولة، رغم أن المناسبة تتعلق بتدريب قضاة وموظفين، لا بمواجهة تهديد أمني معلن أو طارئ.
الأكاديمية تتمدد داخل مؤسسات الدولة
أعلن السيسي أن الأكاديمية العسكرية أصبحت معبراً لتولي وظائف في الدولة، وأن دورها لا يقتصر على المؤسسة العسكرية، بل يمتد إلى القضاء ووزارة الخارجية والرقابة الإدارية ومؤسسات أخرى ضمن منظومة موحدة للاختيار والتأهيل.
ويطرح هذا التوسع سؤالاً جوهرياً حول الحدود الفاصلة بين التدريب الإداري والمهني من جهة، وبين إخضاع مؤسسات مدنية ذات طبيعة مستقلة لمسار صاغته وتديره مؤسسة عسكرية من جهة أخرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضاء.
ويقول السيسي إن الهدف هو بناء معايير موحدة تمنع المجاملة والمحسوبية، لكن الخطاب لم يتضمن عرضاً علنياً تفصيلياً لتلك المعايير، ولا آليات الاعتراض عليها أو الرقابة المستقلة على تطبيقها أو ضمان تكافؤ الفرص بين المتقدمين.
كما أن تحويل الأكاديمية إلى بوابة عابرة للمؤسسات يضع عملية الاختيار الوظيفي في مركز واحد شديد النفوذ، بينما يفترض الإصلاح المؤسسي توزيع الاختصاصات ووضوح القواعد ووجود رقابة قابلة للمساءلة، لا الاكتفاء بتأكيدات صادرة من السلطة التنفيذية.
وحضر الحفل تخرج 1350 دارساً من الجهات والهيئات القضائية، فيما قال السيسي إن نحو 20% من المحتوى التدريبي موحد وتقدمه الأكاديمية ومتخصصون، بينما تتولى كل جهة تحديد بقية المحتوى وفق احتياجاتها.
شبح يناير يعود لتبرير الحاضر
انتقل السيسي من شرح نظام التعيين والتدريب إلى الحديث عن أحداث 2011 و2012، قائلاً إن ما جرى لم ينته وإن الإلحاح على إسقاط الدولة لا يزال قائماً، من دون تسمية جهات محددة أو تقديم تفاصيل علنية عن الخطة المزعومة.
ويمنح هذا الربط السياسي برنامجاً تدريبياً إدارياً حمولة أمنية واسعة، إذ يصبح تأهيل الموظفين والقضاة مرتبطاً بما يسميه الرئيس تحصين الشباب ضد التخريب، لا بمجرد رفع الكفاءة المهنية أو تحديث الإدارة أو تطوير قواعد الاختيار.
ويرى منتقدون أن استدعاء يناير بهذه الصورة يعيد إنتاج معادلة قديمة تساوي بين الاحتجاج السياسي ومخاطر انهيار الدولة، بينما كانت انتفاضة 2011 حدثاً سياسياً واجتماعياً واسعاً شاركت فيه قطاعات طالبت بالحرية والعدالة وتغيير نظام الحكم.
ويزداد الجدل لأن الخطاب يأتي في سياق تشكو فيه منظمات حقوقية دولية من قيود مستمرة على المجال العام وحرية التعبير والتجمع، ومن احتجاز معارضين وحقوقيين وصحفيين، بما يجعل الحديث عن التحصين السياسي أكثر حساسية.
وبدلاً من تقديم أدلة محددة على وجود مخطط مستمر منذ أكثر من عقد، أعاد السيسي استخدام عبارات عامة عن الهدم والتخريب والسقوط، وهي عبارات تمنح السلطة مساحة واسعة لتعريف المعارضة والاحتجاج وفق منظور أمني شديد الاتساع.
معايير موحدة بلا رقابة مستقلة
يؤكد السيسي أن النظام الجديد سيمنع المحاباة ويعيد الموضوعية، لكن نجاح أي منظومة اختيار لا يقاس بجهة التدريب وحدها، بل بمدى شفافية الشروط ونشر نتائج التقييم وإتاحة التظلم وخضوع القائمين عليها للمراجعة المستقلة.
وتزداد أهمية هذه الضمانات عندما تمتد المنظومة إلى القضاء، لأن استقلال المؤسسات القضائية لا يرتبط فقط بالأحكام، بل يبدأ أيضاً من طرق الاختيار والتأهيل والترقية ومدى ابتعادها عن التأثير التنفيذي أو الأمني المباشر وغير المباشر.
ويكشف توجيه السيسي بمتابعة خريجي الأكاديمية بعد عودتهم إلى مؤسساتهم أن المشروع لا يتوقف عند دورة تدريبية محددة، بل يستهدف إنشاء مسار ممتد داخل أجهزة الدولة لمراقبة تطبيق النموذج وترسيخه على المدى الطويل.
ولا يقدم الخطاب حتى الآن إطاراً منشوراً يوضح حدود دور الأكاديمية بعد انتهاء التدريب، أو طبيعة البيانات التي تتابع بها الخريجين، أو الضمانات التي تمنع التوسع في الرقابة المؤسسية.
ويقول السيسي إن الغاية هي بناء إنسان كفء ومتوازن يعرف مؤسسات الدولة ويتواصل معها، وهي أهداف إدارية مشروعة في ذاتها، لكن ربطها المتكرر بخطر التخريب يخلط بين الكفاءة الوظيفية والاصطفاف السياسي داخل مؤسسات عامة.
وتصبح المشكلة أكبر عندما تقدم السلطة نفسها باعتبارها صاحبة تعريف التهديد وصاحبة تصميم منظومة الحماية وصاحبة تقييم النتائج، لأن غياب التوازن المؤسسي يحول شعار منع المحاباة إلى وعد يحتاج هو نفسه إلى رقابة ومحاسبة.
ويعيد خطاب السيسي رسم صورة للدولة باعتبارها كياناً محاصراً يحتاج إلى تحصين دائم، وهي رؤية تبرر توسيع أدوار مؤسسات بعينها داخل المجال المدني، وتدفع أسئلة الاستقلال والشفافية والتعددية إلى مرتبة تالية أمام أولوية الأمن.
وفي المحصلة، لا يتعلق الجدل بدورة تدريبية أو بنسبة 20% من المحتوى الموحد، بل بنموذج حكم يوسع بوابة المؤسسة العسكرية إلى التعيين المدني، ويستحضر يناير لتبرير استمرار مركزية شديدة في اختيار كوادر الدولة.
ويظل السؤال الذي لم يجب عنه الخطاب هو من يراقب الجهة التي تضع المعايير وتطبقها وتتابع الخريجين، وكيف يمكن ضمان ألا تتحول مكافحة المحاباة المعلنة إلى منظومة أكثر انغلاقاً وأقل خضوعاً للمساءلة العامة.

