ترى ماريانا بوجوسيان أن التواصل يشكل جانبًا أساسيًا من جوانب الحياة الجيدة، رغم أننا نادرًا ما نفكر فيه باعتباره عاملًا مؤثرًا في رفاهنا. وتستند بوغوسيان في مقالها إلى نماذج عالم النفس الألماني فريدمان شولتس فون تون لفهم الطريقة التي نتواصل بها مع الآخرين ومع أنفسنا، وكيف يمكن للأصوات المختلفة داخلنا أن تتحول من مصدر للصراع إلى وسيلة لتحقيق قدر أكبر من التوازن والسلام الداخلي.

 

وبحسب ما كتبته بوجوسيان ونشره موقع سايكولوجي توداي، فإن الكلمات التي نتحدث بها، سواء إلى أنفسنا أو إلى الآخرين، لا تنقل مجرد معلومات، بل تحمل في الوقت ذاته رسائل متعددة تتعلق بالمعلومة وبالشخص المتحدث وبالعلاقة مع الطرف الآخر وبما نرغب في تحقيقه. وتوضح المقالة أن فهم هذه المستويات المتعددة يمكن أن يغير الطريقة التي ننظر بها إلى التواصل، سواء في علاقاتنا أو في حوارنا الداخلي.

 

وترتبط هذه الرؤية بأعمال فريدمان شولتس فون تون، أحد أبرز علماء علم نفس التواصل، الذي ساعد ملايين الأشخاص على فهم أنفسهم والآخرين بصورة أفضل. ووفقًا لبيرنهارد بوركسن، أستاذ دراسات الإعلام في جامعة توبينغن، فقد أحدث شولتس فون تون تحولًا في علم النفس الإنساني وأعاد إحياءه، ويعد من أكثر علماء النفس قراءة في العالم الناطق بالألمانية.

 

ويرى شولتس فون تون أن الإنسان كائن يجمع بين المتناقضات، فهو يحتاج إلى «الجذور والأجنحة»، وإلى «العناية بالذات والتفاني من أجل الكل». ولتحقيق سعادة مستدامة، يرى ضرورة تحقيق توازن بين الإشباع اللذّي المرتبط بالمتعة والإشباع اليوذيموني المرتبط بالمعنى. وتكمن الحياة الجيدة، وفق رؤيته، في تقبل هذه التوترات ودمج المتناقضات، بما يشمل المشاعر المتعارضة داخلنا وتلك التي نواجهها أثناء تفاعلنا مع العالم.

 

 

مربع التواصل: أربع رسائل في جملة واحدة

 

يوضح شولتس فون تون أن عملية التواصل تجري على أربعة مستويات في الوقت نفسه. فعندما ينطق الإنسان بجملة واحدة، فإنه يرسل أربع رسائل مختلفة؛ رسالة تتعلق بالمعلومات أو المحتوى الواقعي، ورسالة تكشف شيئًا عن ذاته، ورسالة تعكس أفكاره ومواقفه تجاه الشخص الذي يخاطبه، ورسالة تتضمن ما يريد تحقيقه أو دفع الطرف الآخر إلى فعله.

 

وتعرض الكاتبة مثالًا لتوضيح هذه الفكرة: تقود امرأة سيارة، بينما يقول الرجل الجالس بجوارها في مقعد الراكب: «انتبهي، هناك إشارة خضراء أمامنا!».

 

وتنقل الجملة معلومة عن حالة المرور، لكن نبرة المتحدث قد تكشف أيضًا شيئًا عن حالته، كأن يكون مستعجلًا، أو عن طبيعة علاقته بالمرأة، كأن يكون غير راضٍ عن طريقة قيادتها، كما قد تحمل نداءً ضمنيًا إليها كي تقود بسرعة أكبر.

 

ويرى شولتس فون تون أن المتحدث يرسل أربع رسائل محتملة، أو «يتحدث بأربعة مناقير»، بينما يستقبل المستمع الرسالة عبر «أربع آذان». فإذا اعتاد الشخص الإصغاء بأذن «العلاقة»، فقد يتعامل مع كل إشارة لفظية أو غير لفظية باعتبارها مؤشرًا على حالة العلاقة بينه وبين الطرف الآخر.

 

وقد يدفع هذا النمط الشخص إلى أخذ الأمور على محمل شخصي، فتتحول بعض الكلمات إلى إهانات في نظره. لكن تغيير «الأذن» التي يصغي بها يمكن أن يساعده على سماع شيء آخر عن الشخص المتحدث، مثل الألم الذي يشعر به، وهو ما قد يقلل من ردود الفعل الدفاعية والانفعالية.

 

ويكتب شولتس فون تون أن الهدف من «مربع التواصل» هو زيادة الوعي بتزامن هذه المستويات الأربعة، مع القدرة على الانتقال عمدًا من مستوى إلى آخر في اللحظات الصعبة، بحيث تتوافر لدى الإنسان «الأربعة مناقير والأربع آذان».

 

 

الفريق الداخلي: أصوات متعددة داخل عقل واحد

 

إذا كان التواصل بين عقلين يواجه تحديات واضحة، فقد نتوقع أن تسير الأمور بسهولة أكبر داخل العقل الواحد. لكن الصورة تبدو معقدة بالقدر نفسه. ويشير شولتس فون تون إلى ما يسميه «التعددية الداخلية»، حيث قد تتسبب الأصوات المختلفة داخل الإنسان في صراع داخلي، لأن لكل صوت احتياجاته ورغباته وأهدافه الخاصة.

 

فعندما يسعى الإنسان إلى تحقيق هدف معين، قد يشجعه الصوت المتفائل ويمنحه الحماس، بينما يقدم الصوت الخائف مئة سبب للتراجع، ويذكره الصوت الناقد بنقاط ضعفه ويشكك في قدراته، في حين يفكر الصوت الاجتماعي في تأثير الهدف على سمعته وعلاقاته بالآخرين.

 

لكن ماذا نفعل عندما تتعالى هذه الأصوات الداخلية، وتتصادم أحيانًا، بل وتتعارض فيما بينها؟

 

اكتشف شولتس فون تون أن الحل يكمن في تحويل هذا الاختلاف إلى مصدر قوة، والاستفادة من وجهات النظر المتنوعة للوصول إلى نتيجة أفضل. ومن هنا ولدت استعارة «الفريق الداخلي».

 

ويصف شولتس فون تون هذه المجموعة من الأصوات الداخلية بأنها «خزان للطاقة الإنسانية» يحتاج إلى قيادة. واختار مفهوم «الانسجام الأعلى» بوصلةً لهذه القيادة، أي فكرة أن الاختلافات لا ينبغي السماح لها بمجرد التعايش، بل ينبغي الترحيب بها أيضًا.

 

وتبدأ قيادة الذات، وفق هذا التصور، بالتعرف إلى الأصوات الداخلية المختلفة و«أخذ مخاوفها على محمل الجد». ويرى شولتس فون تون أن التعامل مع هذا التعدد الداخلي بطريقة متسامحة وكريمة يمثل أسلوبًا مثاليًا للتعامل مع الذات.

 

ويقول في هذا السياق: «رحب بالجميع كما يريدون أن يأتوا، ولا سيما أولئك الذين قد يتعارضون مع الصورة المثالية التي تحملها عن نفسك. افترض أنهم يحسنون النية، وأن رأي كل منهم يحتوي على الأقل على ذرة من الحقيقة تستحق أن تُلاحظ، وأنها قد تظل ضرورية».

 

وبعد أن يحصل كل صوت داخلي على فرصة للتعبير، تأتي الخطوة التالية، وهي إجراء «حوار صريح داخلي» يصل خلاله الإنسان إلى ما يسميه شولتس فون تون «توضيح الذات». ويتولى قائد الفريق الداخلي إدارة هذه الأصوات ودمجها، وصولًا إلى إجابة جماعية يمكن للجميع قبولها.

 

ويقدم شولتس فون تون مثالًا على ذلك من خلال إجراء قائد الفريق الداخلي «مقابلة تقدير» مع صوت الكمالية. فهذا الصوت، الذي يخشى الأداء المتوسط ويطالب بتحقيق الكمال بنسبة 100 بالمئة، قد يمنع الإنسان من تجربة أشياء جديدة.

 

وفي هذا الحوار الداخلي، يمكن للإنسان أن يخاطب صوت الكمالية قائلًا: «عزيزتي الكمالية، أعلم أنك تقصدين الخير وتريدين الأفضل لي، لكنك أحيانًا تتجاوزين الحدود بحسن نيتك وتجعلين الأمور أكثر صعوبة بالنسبة إليّ. هل تخبرنيني متى ظهرت للمرة الأولى، ولماذا كنت ضرورية في ذلك الوقت، وما الذي يشغل بالك الآن؟ ولماذا تخشي الأداء المتوسط إلى هذا الحد؟».

 

وبمجرد أن يُسمع صوت الكمالية ويعامل بالتقدير، يمكنه أن يهدأ ويصبح أكثر استعدادًا للاستجابة لتوجيهات قائد الفريق الداخلي.

 

 

التصالح مع الذات طريق إلى السلام الداخلي

 

يرى شولتس فون تون أن هذا الموقف المتعاطف تجاه الأصوات الداخلية يحمل فوائد عديدة. فعندما يحصل الجميع على فرصة للتعبير، لا يبقى صوت مهمَل يبحث لاحقًا عن طريقة للانتقام.

 

كما يغيب احتقار الذات، إذ يحصل الجميع على قدر من اللطف ولا يُنفى أي صوت أو يُقصى من الفريق الداخلي. ويساعد التوصل إلى اتفاق مع الذات الإنسان على أن يصبح أكثر قدرة على التواصل مع الآخرين، لأنه يستطيع مواجهة العالم «بقوة مشتركة».

 

ويصبح الحل الناتج، وفق هذا التصور، أكثر «أصالة» و«ملاءمة» عندما تؤخذ وجهات النظر المختلفة في الاعتبار.

 

وربما الأهم من ذلك أن الترحيب بكل هذه الأصوات يفتح الطريق أمام الشعور بالسلام الداخلي، ذلك السلام الذي يصعب الوصول إليه عندما يحاول الإنسان إسكات أجزاء من ذاته أو إقصاءها.

 

وتشير بوجوسيان إلى أن فريدمان شولتس فون تون وبيرنهارد بوركسن قدما من خلال أعمالهما تصورًا للتواصل لا يقتصر على تبادل الكلمات بين الأشخاص، بل يمتد إلى الطريقة التي يخاطب بها الإنسان نفسه ويستمع إلى الأصوات المتعددة داخله.

 

وفي النهاية، قد لا يكون الهدف هو إسكات الأصوات المختلفة أو اختيار صوت واحد ليتولى القيادة بصورة مطلقة، بل منح كل صوت فرصة للتعبير وفهم الدافع وراءه، ثم دمج هذه الرؤى المختلفة في قرار أكثر وضوحًا وتوازنًا. وبهذا يصبح التواصل مع الذات خطوة أساسية نحو تواصل أفضل مع الآخرين، وربما نحو حياة أكثر انسجامًا وسلامًا.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/between-cultures/202609/we-listen-with-four-ears-with-a-whole-inner-team