قال المدون والناشط السياسي وائل عباس إن الحياة السياسية في مصر وصلت إلى واحدة من أكثر مراحلها صعوبة، معتبرًا أن المشهد الحزبي الحالي يفتقر إلى التعدد الحقيقي، ولا يعكس وجود حياة سياسية بالمعنى المعروف.

 

وأوضح عباس، في تصريحات صحفية، أن شكل الأحزاب والتيارات السياسية في الماضي كان أكثر وضوحًا من الوضع الراهن، مشيرًا إلى أن الخريطة الحزبية كانت تضم قوى ذات خلفيات وأفكار مختلفة، سواء على المستوى الليبرالي أو اليساري أو الديني، إلى جانب الأحزاب التي تمتلك جذورًا تاريخية.

 

ويرى عباس أن الصورة تغيرت بصورة كبيرة، في ظل ما وصفه بغياب التعدد السياسي الحقيقي، وانتشار أحزاب يعتبر أنها لا تمتلك استقلالية كافية عن السلطة أو ترتبط بصورة وثيقة بمصالح رجال الأعمال والأجهزة الأمنية.

 

 

انتقادات للمشهد الحزبي

 

وانتقد عباس طبيعة الأحزاب الموجودة حاليًا، معتبرًا أن كثيرًا منها لا يقدم نموذجًا حقيقيًا للتنافس السياسي أو التعبير عن اتجاهات مجتمعية مختلفة.

 

وقارن الناشط بين المشهد الحالي وما كان موجودًا في فترات سابقة، عندما كانت الأحزاب، وفق وصفه، تقوم على مرجعيات وأفكار سياسية واضحة.

 

وقال إن بعضها كان تاريخيًا، بينما تأسست أحزاب أخرى على أساس أيديولوجي محدد، بحيث يعرف الناخب والمهتم بالشأن العام طبيعة توجهاتها ومواقفها.

 

وأضاف أن وجود أحزاب مؤيدة للنظام وتتحدث باسمه، إلى جانب أحزاب يرى أنها مرتبطة برجال أعمال أو رجال أمن، أدى في تقديره إلى إضعاف فكرة التعددية السياسية.

 

واستخدم عباس عبارات حادة في وصفه للمشهد، معتبرًا أن الواقع الحالي لا يسمح بوجود حياة سياسية حقيقية، وقال إن نسبة الحياة السياسية الموجودة في البلاد لا تصل، إلى «1%».

 

 

مخاوف لدى المعارضين

 

وتطرق عباس كذلك إلى أوضاع المعارضين السياسيين الذين ينتمون إلى أجيال سابقة، معتبرًا أن كثيرًا ممن كانوا ناشطين ومعارضين في فترات سابقة باتوا يواجهون مخاطر إذا تحدثوا علنًا أو عادوا إلى ممارسة النشاط السياسي بصورة واضحة.

 

وقال إن «كل المعارضين القدامى معرضين للخطر لو اتكلموا أو فتحوا بقهم».

 

وبحسب رؤية عباس، فإن غياب مساحة آمنة وواسعة للنقاش السياسي لا يؤثر فقط على الأحزاب، وإنما يمتد أيضًا إلى الشخصيات السياسية والناشطين والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.

 

 

فتح المجال أمام الأحزاب

 

وأكد عباس أن الأحزاب تحتاج إلى فرصة حقيقية للعمل في الشارع، والتواصل المباشر مع المواطنين، وطرح أفكارها وبرامجها بعيدًا عن القيود التي تحد من قدرتها على الحركة.

 

ويرى أن وجود أحزاب على الورق لا يعني بالضرورة وجود حياة حزبية، إذ إن المعيار الأساسي، من وجهة نظره، هو مدى قدرة هذه الكيانات على ممارسة نشاطها والتنافس سياسيًا والتعبير عن مواقفها المختلفة.

 

وطالب كذلك بالسماح للمجتمع المدني بالعمل في المجال العام، معتبرًا أن دوره لا يقل أهمية عن دور الأحزاب في بناء مساحة للنقاش المجتمعي والسياسي.

 

وتشمل رؤيته أيضًا الصحافة والإعلام، حيث شدد على ضرورة رفع القيود والرقابة التي يرى أنها تعوق أداءهما، بما يسمح بطرح القضايا العامة ومناقشة السياسات المختلفة بصورة أكثر انفتاحًا.

 

 

انتقادات للحوار الوطني

 

وعند تقييم الوضع السياسي الحالي، قال عباس إنه لا يرى «أي بوادر تلوح في الأفق» تشير إلى حدوث انفراجة قريبة.

 

واعتبر أن بعض المسارات التي طُرحت خلال الفترة الماضية لم تحقق النتائج التي كان ينتظرها، مشيرًا تحديدًا إلى توقف لجنة العفو والحوار الوطني.

 

وقال إن الحوار الوطني توقف، معتبرًا في الوقت نفسه أنه لم يكن يتوقع منه نتائج كبيرة منذ البداية.

 

وتشير تصريحاته في هذا السياق إلى اعتقاده بأن المبادرات السياسية التي جرى تقديمها خلال السنوات الأخيرة لم تؤد، في تقديره، إلى تغيير جوهري في طبيعة المجال العام أو إعادة الحياة السياسية إلى المستوى الذي يتطلع إليه.

 

 

الإعلام والمجتمع المدني

 

وفي رؤيته للحل، وضع عباس حرية الصحافة والإعلام والعمل المدني ضمن العناصر الأساسية لأي محاولة لإعادة بناء الحياة السياسية.

 

فالصحافة، وفق هذا التصور، لا تؤدي دورًا إخباريًا فقط، وإنما تمثل مساحة للنقاش وكشف المشكلات وطرح وجهات النظر المختلفة. وكذلك المجتمع المدني، الذي يرى عباس ضرورة منحه مساحة أكبر للعمل والتفاعل مع المواطنين.

 

أما الأحزاب، فيعتبر أن وجودها الفعلي في الشارع شرط أساسي لتحويل الحياة السياسية من مجرد أطر تنظيمية إلى نشاط جماهيري حقيقي.

 

وبالتالي، فإن فتح المجال العام، من وجهة نظره، يجب ألا يقتصر على ملف واحد، بل يشمل مجموعة متكاملة من الإجراءات التي تسمح بعودة النقاش السياسي والمجتمعي والإعلامي إلى مساحة أوسع.

 

وفي ختام حديثه، عبّر عباس عن تشاؤمه من المشهد السياسي الراهن، مؤكدًا أنه لا يرى في الوقت الحالي مؤشرات تدفعه إلى الاعتقاد بحدوث تغيير قريب.

 

ووصف الوضع بأنه «حزين»، قبل أن يذهب إلى اعتبار المرحلة الحالية «أحزن مرحلة» عاشها في حياته.