فجّر تجاهل الإعلام المصري مقاطع حفل الزفاف في ساحة مسجد الفتاح العليم اتهامات بالتعتيم المتعمد، بعدما امتنع عن مساءلة الجهة التي سمحت بالرقص والموسيقى أمام مجسم للمصحف داخل الموقع الديني.


وكشف د. مراد علي أن الصمت المطبق على البرامج الحوارية التي تلاحق الوقائع الأقل أهمية أحجمت عن طرح أسئلة بديهية بشأن هوية العروسين، وطبيعة الإذن، والمسؤول الذي فتح ساحة المسجد أمام احتفال بهذه الصورة.

 

 

 


 

تعتيم يحمي صاحب القرار


وفي المقاطع المتداولة، ظهر عروسان ومدعوون يحتفلون في الساحة الخارجية للمسجد، بينما عزفت الموسيقى ورقص الحضور، ووقفت عازفة أمام مجسم ضخم صمم على هيئة مصحف يحمل آيات قرآنية بوضوح لافت.


وبحسب ما أمكن توثيقه، تعود المشاهد إلى عقد قران أقيم في مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الإدارية الجديدة، غير أن أي جهة رسمية لم تعلن تفاصيل المناسبة أو إجراءات الموافقة عليها.


كما لم تُكشف حتى الآن هوية العريس والعروس على نحو موثق، ولم يصدر بيان يوضح إن كانا يتمتعان بصفة خاصة أتاحت لهما استخدام موقع تحيط به إجراءات إدارية وأمنية مشددة.


وعلى الرغم من الانتشار الواسع للمقاطع، غابت الواقعة عن شاشات مصرية اعتادت تحويل أحداث هامشية إلى نقاشات ممتدة، ما جعل التجاهل نفسه جزءًا أساسيًا من القضية لا مجرد تقصير عابر.


ومن جانبه، وصف الدكتور مراد علي الصمت الإعلامي بالغريب، متسائلًا عن سبب تجاهل خبر يجمع الجاذبية واهتمام الجمهور، وعن هوية صاحبي الحفل وكيفية حصولهما على الإذن اللازم بوضوح أمام الجميع.


في المقابل، لم تقدم البرامج الحوارية المصرية تحقيقًا واحدًا يجيب عن تلك الأسئلة، ولم تستضف مسؤولًا من إدارة المسجد أو الجهة المشرفة عليه، رغم أن الواقعة كانت حديث منصات التواصل.


وبذلك تحول غياب التغطية إلى ساتر يحمي صاحب القرار، لأن الامتناع عن السؤال منع الجمهور من معرفة التسلسل الإداري الرسمي الكامل الذي انتهى بالسماح بإدخال تجهيزات وعازفين ومدعوين إلى الساحة.


إلى جانب ذلك، لم تعلن وزارة الأوقاف موقفًا واضحًا يحدد مسؤوليتها أو ينفيها، ولم توضح إدارة المسجد القواعد المنظمة لعقود القران والاحتفالات والأنشطة المسموح بإقامتها في ساحاته أمام الرأي العام.


وفوق ذلك، لم يعرف الرأي العام إن كان الحفل مجانيًا أم مدفوعًا، ولا الجهة التي نسقت التأمين والدخول والتجهيز، ولا المعايير التي يمكن لأي مواطن آخر اتباعها للحصول على المعاملة نفسها.


 

قدسية بمكيال النفوذ


ومن الناحية التوثيقية، تثبت المقاطع وجود الموسيقى والرقص والمجسم داخل الساحة الخارجية فعليًا، لكنها لا تثبت وحدها أسماء العروسين أو الجهة صاحبة الموافقة، وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الصحافة الغائبة بالكامل.


أما عقد القران داخل المساجد، فلا يمثل في ذاته موضع الاعتراض الرئيسي في القضية، إذ تركز الغضب على تحويل المناسبة إلى حفل صاخب، واستخدام مجسم المصحف خلفية للعرض والعزف والرقص.


لذلك بدا الخلاف أبعد من مناقشة فقهية حول جواز الزواج في المسجد، لأنه يتعلق بحدود احترام المكان، وبوجود سلطة إدارية سمحت بتجهيزات لا يدخلها المواطن العادي من دون تصريح مسبق.


وبينما طالب منتقدون بمحاسبة المسؤول، ذهب آخرون إلى أن إقامة العقد جائزة إذا انضبطت بضوابط المسجد، لكن المقاطع دفعت النقاش نحو الموسيقى والرقص وطريقة توظيف النص القرآني أمام الرأي العام.


مع ذلك، التزمت المؤسسات الدينية والإدارية المعنية صمتًا أتاح للشائعات أن تتسع، بدل نشر رواية رسمية تتضمن اسم الجهة المنظمة، وصورة التصريح، والقواعد التي استند إليها القرار للرأي العام كاملًا.


وفي الوقت نفسه، يضاعف موقع المسجد حساسية الواقعة، فهو أحد أبرز منشآت العاصمة الإدارية الجديدة التي قدمتها السلطة باعتبارها رمزًا دينيًا ومعماريًا، وافتتحه عبد الفتاح السيسي في يناير 2019 رسميًا.


وعليه، يصعب قبول حجة عدم معرفة المؤسسات بما جرى، لأن إقامة حفل بهذه التجهيزات تستلزم وقتًا للنقل والتركيب وتنظيم الدخول، فضلًا عن التنسيق مع مسؤولي الموقع وتأمين ضيوفه بشكل مسبق.


 

شاشات تخشى السؤال


ثم إن السماح بعازفة ومجسم ضخم وترتيبات استقبال لا يشبه زيارة عائلية مفاجئة، بل يكشف عن تنظيم سابق كان يفترض أن يمر عبر مستويات إدارية يمكن تحديدها ومساءلتها بوضوح كامل.


وبالمثل، كان يمكن للإعلام الوصول إلى مدير المسجد أو مسؤولي العاصمة الإدارية أو الأوقاف، لكنه اختار الصمت، تاركًا المجال لتساؤلات عن وجود تعليمات تمنع الاقتراب من أصحاب المناسبة بسهولة شديدة.


ومن ثم، لا يبدو التجاهل منفصلًا عن نمط إعلامي يتجنب القضايا المرتبطة بأصحاب النفوذ، ثم ينقض على مواطنين عاديين في وقائع شخصية ويحول حياتهم إلى مادة للمحاكمات التلفزيونية المباشرة تمامًا.

 

وعلاوة على ذلك، يهدد هذا الانتقاء ما تبقى من مصداقية الشاشات، لأن المشاهد يرى الواقعة على هاتفه ثم يجد المذيعين يتصرفون كأنها لم تحدث، رغم تداولها خارج مصر أيضًا إقليميًا.


وفي المحصلة، لا تحمي السرية حرمة المسجد، بل تحمي من سمح بتجاوزها، بينما كان إعلان التحقيق وتحديد المسؤوليات كفيلين بوقف الشائعات وإثبات أن القواعد تطبق بلا استثناءات بصورة واضحة وسريعة.


بناء على ذلك، تبقى أربعة أسئلة معلقة هي من صاحبا الحفل، ومن أصدر الإذن، وما طبيعة المقابل، ولماذا مُنعت البرامج الحوارية من فتح ملف يملك كل عناصر الجذب العام فعليًا.


وأخيرًا، لن ينتهي الجدل بتجاهل الشاشات، لأن الصمت رسخ الشك في أن النفوذ يفتح أبواب المواقع المحصنة، وأن الإعلام الموجه وظيفته إخفاء أصحاب الامتياز لا كشف الحقيقة كاملة للرأي العام.