أظهرت فيديوهات جنازة جماعية في حي الزيتون شرق غزة حجم الجريمة المؤجلة، بعدما انتُشلت جثامين أكثر من مائة شهيد من منازل سحقتها الغارات الإسرائيلية.

 

وتزامن الوداع مع سقوط شهداء جدد، وإصابة صيادين، وخنق طفولة غزة، بينما وسّع الاحتلال والمستوطنون القتل والهدم والحصار في الضفة الغربية.

 

 

وداع خرج من الركام

 

شيّع مئات الفلسطينيين الجثامين في مقبرة الشهداء بحي الزيتون، بعد سنوات ظل خلالها الضحايا مدفونين تحت الركام، وعائلاتهم محرومة من وداعهم.

 

غلب الأطفال والنساء على الجثامين المستخرجة من أنقاض مبانٍ تعود لعائلات ملكة وإرحيم والبلعاوي وسلمي، وفق المعلومات الواردة من القطاع.

 

انطلق موكب التشييع من أمام مسجد الإمام الشافعي، وسط أكفان لُفّت بالأعلام الفلسطينية ووجوه أنهكها انتظار خبر يضع نهاية لسنوات الفقد.

 

 

 

 

لم تكن الجنازة مراسم دفن عادية، بل شهادة على حرب أبقت الموتى أسرى تحت بيوتهم، ومنعت ذويهم حتى من حق الحزن والمواراة.

 

عملت الطواقم المحلية طويلًا بين كتل الأسمنت، بمساندة معدات ثقيلة محدودة، للوصول إلى رفات بقيت عالقة أسفل المنازل المدمرة منذ سنوات.

 

وتكشف تقديرات محلية بقاء نحو ثمانية آلاف جثمان ورفات تحت أنقاض القطاع، ما يجعل كل عملية انتشال فتحًا جديدًا لدفتر مفقودين لم يُغلق.

 

انتقلت عمليات البحث إلى المحافظة الوسطى، لتشمل دير البلح ومخيمي النصيرات والمغازي، وسط احتياج حاد للجرافات ومعدات رفع الأنقاض.

 

يحمل هذا العجز دلالة تتجاوز نقص الآلات، إذ يطيل حرمان العائلات من معرفة مصير أبنائها، ويحوّل الدمار الإسرائيلي إلى مقابر مغلقة.

 

وبالنسبة للأهالي، أنهى العثور على الجثامين سؤال المكان، لكنه لم ينهِ الفاجعة، لأن الوداع جاء بعد أكثر من ألف يوم من الغياب.

 

 

هدنة تقتل الأطفال

 

لم يوقف اتفاق وقف إطلاق النار نزيف غزة، إذ استشهد فلسطينيان متأثرين بجراحهما الناتجة عن قصف وإطلاق نار إسرائيليين في المدينة.

 

استشهد أحدهما متأثرًا بإصابته قرب مفترق الاتصالات غرب غزة، بينما فارق طفل في السادسة الحياة بعد إصابته سابقًا برصاص الاحتلال في منطقة الزرقا.

 

وسبق ذلك استشهاد خمسة فلسطينيين، بينهم طفلان، وإصابة آخرين خلال غارات استهدفت منازل ومركبات وتجمعات مدنية في مناطق متفرقة.

 

وطالت الغارات مباني بينها مبنى مستشفى حيفا، ومنازل قرب مفترق السنافور، ومجمع الصخرة شرقي حي التفاح، لتؤكد هشاشة الهدوء المعلن.

 

وبحسب المصادر الطبية، ارتفعت حصيلة العدوان منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 73,651 شهيدًا و174,592 مصابًا، في سجل يتضخم رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

 

وامتد إطلاق النار إلى البحر، حيث أصيب صيادان فلسطينيان بعدما فتحت الزوارق الإسرائيلية نيرانها على مراكبهم أثناء العمل قبالة مدينة غزة.

 

وفي المخيمات، وصل التضييق إلى لعبة الأطفال، بعدما منع الجيش الإسرائيلي إطلاق الطائرات الورقية بدعوى أمنية، إثر استهداف أطفال كانوا يلهون بها.

 

ظهر الطفل أحمد عكيلة بملابس ممزقة وحافي القدمين، يتحدث بحرقة عن طائرته، وعن أصدقاء أصيبوا وآخرين قُتلوا بعدما حاولوا اللعب.

 

وقال إن أطفال المخيم يجلبون المياه ويعيشون حياة شاقة، ثم يُحرمون من متنفسهم الأخير، متسائلًا بمرارة عن حقهم الطبيعي في الحياة.

 

ويبحث وسيم المدهون وأطفال آخرون عن بدائل للترفيه داخل مخيمات تفتقر إلى المساحات الآمنة، بعدما أصبحت السماء نفسها مصدر خوف.

 

وحذر الخبير التربوي محمد حماد من أثر القرار في نفسية الأطفال، خصوصًا بعد حرمانهم من التعليم والأماكن الترفيهية والحياة المستقرة.

 

وحاول الفنان خالد البيومي كسر هذا الحصار برسم طفل يطلق طائرة ورقية على لوحة كبيرة، كي يمنح الصغار فرحة لا تستطيع الطائرات قصفها.

 

لكن اللوحة تكشف مأساة أوسع: أطفال غزة لم يعودوا يحلمون بلعبة جديدة، بل بحقهم في اللعب دون أن تراقبهم طائرة حربية.

 

 

الضفة بين الرصاص والحصار

 

في الضفة الغربية، استشهد شاب وأصيب ثلاثة فلسطينيين، بينهم فتى، خلال هجومين نفذهما مستوطنون مسلحون في قلقيلية والقدس مساء الأحد.

 

أصيب الشاب برصاصة في الرأس خلال هجوم على قرية حجة، قبل أن يعلن مستشفى درويش نزال الحكومي استشهاده متأثرًا بجراحه.

 

ونقلت طواقم الهلال الأحمر المصابين من القرية، بينما اعتدى مستوطنان في القدس على شاب، فكُسرت يده وأصيبت عينه إصابة استدعت الجراحة.

 

لا تبدو هذه الوقائع حوادث منفصلة، فبيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تسجل 3488 اعتداءً للمستوطنين خلال النصف الأول من العام الجاري.

 

وأسفرت الاعتداءات، بحسب الهيئة، عن استشهاد 17 فلسطينيًا وتهجير 26 تجمعًا بدويًا ورعويًا كليًا أو جزئيًا، وإقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة.

 

ويتكامل عنف المستوطنين مع قرارات الهدم، بعدما أُمهل أصحاب خمسة منازل شمال القدس بين 24 ساعة ويومين لإخلائها تمهيدًا لتسويتها بالأرض.

 

شمل التهديد منزلًا قرب حاجز جبع العسكري وأربعة منازل في ضاحية الأقباط ببلدة الرام، وفق معطيات محافظة القدس.

 

لا تمنح مهلة الساعات فرصة حقيقية للاعتراض أو نقل الأثاث أو إيجاد مأوى، بل تجعل الهدم أمرًا واقعًا يسبق أي إنصاف ممكن.

 

وسجلت المحافظة 40 عملية هدم وتجريف لمنشآت فلسطينية خلال شهر أغسطس، في مؤشر على تسارع اقتلاع السكان من مدينتهم ومحيطها.

 

وبعد إصابة مستوطن بجروح خطيرة في عملية طعن قرب أوصرين جنوبي نابلس، فرض الجيش طوقًا أمنيًا على قرى شرقي المدينة.

 

دفع الجيش بتعزيزات وبدأ مطاردة منفذ العملية، بينما نُقل المصاب بمروحية إلى المستشفى، وفق الرواية التي نقلتها وسائل الإعلام الإسرائيلية.

 

غير أن الرد لم يتوقف عند ملاحقة مشتبه به، بل امتد إلى حصار قرى وعائلات وفرض قيود تعرقل الحركة وإيصال الاحتياجات الأساسية.

 

وتواجه نابلس وقراها منذ أسابيع مداهمات وهدمًا وتشديدًا للحواجز، بما يجعل كل واقعة ذريعة لعقاب جماعي يطال سكانًا بلا صلة بالحادث.

 

من حي الزيتون إلى قرى نابلس، تتغير الأدوات ويبقى الهدف واحدًا: قتل الإنسان، ومحو البيت، وتجفيف الرزق، ومصادرة حتى أبسط أشكال الحياة.

 

تكشف الجثامين المنتشلة أن آثار الحرب لا تنتهي بتوقيع اتفاق، كما تكشف الضفة أن الاستيطان المسلح يعمل تحت حماية الحصار والقوة العسكرية.

 

وبين جنازة تأخرت أعوامًا وطفل ممنوع من طائرته وأسرة مهددة خلال ساعات، يواصل الاحتلال صناعة واقع لا يترك للفلسطيني أمنًا ولا بيتًا.

 

أما الأرقام المتصاعدة، فليست سجلًا جامدًا، بل حياة جرى انتزاعها، وطفولة حوصرت، ومدن تُدفع يوميًا نحو مزيد من الفقد والاقتلاع.