فجرت السلطات التونسية موجة غضب جديدة بتوقيف الصحفي محمد اليوسفي قبيل دخوله إذاعة للمشاركة في برنامج، قبل أن تتدهور صحته ويخضع لتدخل جراحي عاجل وهو رهن الاحتفاظ أمام أنظار زملائه.
وكشفت الواقعة اتساع الفجوة بين خطاب السلطة عن ضمان الحريات وممارسات أمنية وقضائية تطال الأصوات المنتقدة، بينما خرج مئات التونسيين مطالبين بالإفراج عن اليوسفي وبقية المعتقلين في مختلف أنحاء البلاد.
توقيف يسبق البث
أوقفت الشرطة اليوسفي يوم 4 سبتمبر أمام مقر إذاعة إكسبراس، حيث كان يستعد لمناقشة كتاب تونس العطشى، واقتادته إلى فرقة مختصة في البحث بالجرائم المالية، على نحو أثار استنكار زملائه.
وبحسب مصدر قضائي، فتح التحقيق بشأن شبهات تتعلق بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال وتدفقات مالية غير مشروعة، وهي اتهامات ما تزال قيد البحث ولا تمثل حكما نهائيا حتى الآن رسميا.
في المقابل، ربطت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين التوقيف بعمل اليوسفي المستقل ومداخلاته الناقدة، مطالبة بإطلاق سراحه ووقف التتبعات التي ترى أنها تستهدف نشاطه المهني وآراءه المنتقدة للسلطة الحالية مباشرة.
ولاحقا، تعرض اليوسفي لوعكة صحية طارئة استوجبت تدخلا جراحيا عاجلا، ما ضاعف المخاوف بشأن سلامته وقدرته على تلقي العلاج اللازم وهو في وضعية سلب للحرية ودون ضمانات صحية كافية معلنة.
وبالتالي، حملت النقابة السلطات المسؤولية الكاملة عن سلامته الجسدية، مؤكدة أن الصحفي، مهما بلغت حدة انتقاداته، يجب ألا يكون مكانه مراكز الاحتفاظ أو السجون بسبب ممارسته المهنة بحرية ومن دون خوف.
ومن جانبه، قال نقيب الصحفيين زياد دبار إن توقيف اليوسفي لا ينفصل عن قضايا طالت صحفيين آخرين، معتبرا أن الصحفيين أصبحوا يعيشون في حالة سراح شرطي تحت تهديد الملاحقة الدائمة.
وأضاف دبار أن الصحافة التونسية تواجه خطر الموت والاحتضار، داعيا العاملين بالمهنة إلى توحيد صفوفهم والدفاع عن الإعلام الحر أمام ما وصفه بنهج ممنهج يطارد قضايا الرأي والتضييق المتصاعد عليه.
علاوة على ذلك، يثير توقيف صحفي عند مدخل إذاعة قبل ظهوره على الهواء شكوكا بشأن الرسالة المراد إرسالها إلى الإعلاميين، حتى مع تمسك القضاء بالطابع المالي للتحقيق بوسائل أمنية مباشرة.
مع ذلك، يظل الفصل بين التحقيق الجنائي والعمل الصحفي ضروريا، لأن استخدام تهم واسعة دون شفافية كافية قد يحول الإجراءات القضائية إلى وسيلة ردع تسبق أي محاكمة عادلة ونزيهة لاحقة.
وفي هذا السياق، طالبت النقابة بضمان حق اليوسفي الكامل في الدفاع واحترام قرينة البراءة، محذرة من تحويل حملات التشويه والتحريض عبر شبكات التواصل إلى مدخل للملاحقة بحق أصحاب الرأي المستقل.
صحة مهددة خلف الاحتجاز
من جهتها، نقلت المحامية هالة بن سالم رسالة من اليوسفي إلى الصحفيين المستقلين وزملائه والتونسيين، عقب حضورها معه لدى فرقة البحث وصدور قرار الاحتفاظ بحقه في ظروف تثير أسئلة حقوقية.
وأكدت بن سالم، بصفتها محاميته، ضرورة صون حقوق منوبها القانونية وتمكينه من الدفاع والرعاية، بينما أظهرت رسالته تمسكه بالصحافة المستقلة رغم الضغوط المحيطة بالقضية والتحقيقات الجارية ودون أي ترهيب أمني.
وبالتزامن، خرج مئات المشاركين في تحرك نظمه حراك نفس، رافعين شعارات تطالب بإطلاق اليوسفي والمعتقلين، وتندد بتوسع المحاكمات التي طالت صحفيين وناشطين وشخصيات مدنية بسبب مواقفها المعارضة للسلطة القائمة.
كما انتقد المتظاهرون تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، رابطين تراجع الخدمات والمعيشة بتضييق المجال العام، ومعتبرين أن غلق منافذ التعبير لا يخفي الأزمات التي يعيشها التونسيون يوميا في مختلف مناطق البلاد.
ومن ثم، تحول اسم اليوسفي إلى أحد أبرز شعارات المسيرة، بعدما تجاوزت قضيته حدود الملف الفردي وأصبحت رمزا لمخاوف أوسع بشأن مستقبل الصحافة والنقد العلني في البلاد خلال المرحلة الراهنة.
وأوضح عضو حراك نفس محمد حوال أن التحرك يدافع عن حقوق التونسيين في الكهرباء والماء والصحة والدواء، منتقدا محاكمة مواطنين لمجرد مطالبتهم بالخدمات والحقوق الأساسية من دون خوف أو ملاحقات.
كذلك، اعتبر حوال أن مواجهة المطالب بالقمع أمر غريب، مؤكدا أن الحراك اختار الشارع لتسليط الضوء على إخفاقات السلطة، وليس فقط للدفاع عن شخصيات بعينها داخل الشارع التونسي بصورة سلمية.
فضلا عن ذلك، يربط حراك نفس بين توقيف اليوسفي ومسار أوسع لترهيب الأصوات الناقدة، معتبرا أن تحويل الكلمة إلى تهمة لا يمنح الحكم شرعية ولا يحجب الحقيقة بأدوات قمعية متكررة.
الشارع يكسر الصمت
غير أن السلطات تقدم القضية باعتبارها تحقيقا ماليا يخضع لإشراف القضاء، بينما تطالب الأوساط المهنية بنشر أدلة واضحة ومنع الخلط بين الاشتباه المالي ومضمون العمل الصحفي أو مواقفه المعارضة المعلنة.
بناء على ذلك، تصبح شفافية الإجراءات اختبارا حقيقيا لسلامة الملف، بدءا من أسباب التوقيف وتوقيته، وصولا إلى ضمان العلاج والاتصال بالمحامين وعرض المتهم على قضاء مستقل يحظى بضمانات المحاكمة العادلة.
وفوق ذلك، لا يمكن تجاهل أثر الاحتجاز على الحالة الصحية لليوسفي بعد التدخل الجراحي، إذ تفرض سلامته أولوية إنسانية وقانونية تتقدم على أي حسابات أخرى مهما كانت طبيعة الاتهامات المطروحة.
لذلك، يمثل الإفراج المؤقت عنه أو توفير رقابة طبية مستقلة خطوة ضرورية لحمايته، من دون أن يمنع ذلك مواصلة تحقيق قانوني شفاف يحترم الدفاع وقرينة البراءة بعيدا عن الانتقام والتنكيل.
وأخيرا، تكشف احتجاجات تونس أن ملاحقة الصحفيين لم تعد تمر في صمت، وأن استمرار توقيف اليوسفي رغم أزمته الصحية قد يوسع الغضب ويعمق أزمة الثقة في السلطة والقضاء معا بوضوح.

