تواصل الحكومة تجريف الغطاء الأخضر في المدن المصرية لصالح طرق ومحاور خرسانية، محولة الأشجار المعمرة إلى ضحية دائمة لتطوير أعمى يفاقم الحرارة والتلوث ويحرم ملايين السكان من حقهم في بيئة قابلة للحياة.

 

يكشف المشهد تناقضا فادحا بين إعلان زراعة 100 مليون شجرة وبين إزالة أشجار تجاوز عمر بعضها 50 عاما، من دون نشر حصر شفاف للخسائر أو بيان يوضح صافي الزيادة الحقيقية في الغطاء النباتي.

 

تظهر الأزمة بوضوح في شارع جامعة الدول العربية، حيث اختفت أشجار ارتبطت بتاريخ المكان وهويته، بينما جاء البحث الرسمي عن أسباب الإزالة لاحقا، كأن حماية الأشجار يمكن دراستها بعد إسقاطها وتحويلها إلى أخشاب.

 

وتمتد الوقائع من مصر الجديدة والمعادي ومدينة نصر إلى الإسكندرية وأسوان وقنا والأقصر وبورسعيد، بما يؤكد أن الإزالة ليست حادثة منفردة، وإنما نهج عمراني يقدم انسياب السيارات والخرسانة على صحة السكان.

 

ويزيد خطورة هذا النهج أن نصيب الفرد من المساحات الخضراء لا يتجاوز 1٫2 متر مربع، مقابل حد أدنى عالمي يبلغ 9 أمتار، ومستوى أمثل يصل إلى 25 مترا للفرد الواحد.

 

وبذلك تعاني المدن المصرية عجزا أخضر بالغ القسوة قبل بدء موجات القطع الجديدة، ما يجعل كل شجرة معمرة مفقودة خصما مباشرا من رصيد صحي محدود، يصعب تعويضه بشتلات صغيرة أو حملات دعائية.

 

ومن ثم لا تمثل الشجرة عنصرا تجميليا يمكن التضحية به عند تعديل الرصيف، بل بنية أساسية تمتص الملوثات وتنتج الظل وتخفض حرارة السطح وتوفر موئلا للكائنات وتحسن الصحة النفسية للسكان.

 

وفي المقابل تتعامل مشروعات الطرق مع الأشجار باعتبارها عائقا هندسيا، من دون إظهار دراسات بدائل المسار أو كلفة النقل أو تقييم الأثر البيئي، بما يجعل قرار القطع أقصر الطرق أمام الجهات المنفذة.

 

 

عمران يطرد الطبيعة

 

ويرى أستاذ الزراعة والبيئة بجامعة عين شمس محمد حامد السيد أن إزالة الأشجار المعمرة تخرق توازنا بيئيا تشكل خلال عقود، لأن الأشجار الكبيرة مصائد للغبار والملوثات وتنتج أكسجينا يفوق النباتات الحديثة.

 

ويحذر السيد من أن القطع غير المدروس للغابة الحضرية يرفع تركيز ثاني أكسيد الكربون، ويضعف قدرة المدن على التكيف مع الموجات الحارة، وهي كلفة لا تظهر في حسابات الأسفلت والإنشاءات.

 

كما أن تعويض شجرة ضخمة بشتلة حديثة لا يعيد الخدمة البيئية نفسها، فالتاج الواسع والجذور الراسخة والكتلة الحيوية تراكمت خلال عشرات السنين، بينما تحتاج الشجرة الجديدة سنوات طويلة قبل أداء الدور ذاته.

 

وفوق ذلك يؤدي غياب قواعد معلنة وملزمة إلى ترك مصير الأشجار لتقدير منفذي المشروعات، من دون رقابة مستقلة أو سجل يوضح العدد والعمر والنوع والموقع، وما إذا كان النقل ممكنا قبل الإزالة.

 

تشتد الأزمة خلال موجات الحر، إذ تمتص الطرق والأسطح الخرسانية أشعة الشمس وتعيد إطلاقها ليلا، بينما كان الغطاء النباتي يوفر الظل والتبريد الطبيعي، ويقلل تعرض المشاة والمساكن لحرارة متراكمة وقاسية.

 

ويشرح الخبير البيئي هشام عيسى أن إزالة الأشجار تخفض قدرة المدن على احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتنقية الهواء، وتزيد امتصاص المباني والطرق للحرارة، ما يفاقم الاحتباس المحلي ويرفع استهلاك الطاقة.

 

وبحسب عيسى، يحد اقتلاع الغطاء النباتي من التبريد الناتج عن النتح، ويترك الملوثات عالقة زمنا أطول، ولذلك لا تتوقف الخسارة عند ارتفاع الحرارة، بل تمتد إلى جودة الهواء والصحة العامة.

 

لذلك يدفع المواطن ثمن الإزالة مرتين، أولا عبر شوارع أشد سخونة وأقل ظلا، ثم عبر فواتير كهرباء أعلى لتشغيل أجهزة التكييف، بينما تتحول كلفة قرار هندسي سريع إلى عبء يومي طويل.

 

وعلاوة على ذلك تتوزع الأضرار بصورة غير عادلة، لأن المناطق الشعبية والقرى الأقل حظا تمتلك مساحات خضراء محدودة أصلا، ولا يستطيع سكانها تحمل كلفة التبريد أو الوصول المنتظم إلى الحدائق الخاصة.

 

 

حرارة تدفع ثمنها المدن

 

أما أعمال تبطين الترع فقد أزالت أعدادا من أشجار الكافور والتوت التي ظلت لعقود جزءا من البيئة الريفية، ثم ظهرت أخشاب بعضها في مزادات، بما يكشف اختزال القيمة البيئية في عائد مالي مؤقت.

 

وتكشف مبادرة زراعة 100 مليون شجرة مأزقا أساسيا، إذ تركز الخطابات على عدد ما يزرع، لا معدلات البقاء ولا مواقع الزراعة ولا الصيانة، بينما يمكن للقطع المتواصل أن يبتلع أي زيادة معلنة.

 

ويؤكد رئيس الكرسي العلمي للبصمة الكربونية والاستدامة مصطفى الشربيني أن الأشجار تخفف الحرارة عبر الظل والتبخر والنتح، وأن زيادة المساحات المزروعة تحد من الجزر الحرارية وتقلل انبعاثات الغازات الدفيئة فعليا.

 

ويوضح الشربيني أن تغيير الغطاء الأرضي واستبدال الأشجار بالخرسانة يقللان الرطوبة والمياه المتبخرة، فيرتفع متوسط حرارة السطح والهواء، ما يجعل التشجير جزءا من الحماية المناخية المحلية لا مجرد تحسين بصري.

 

 

مبادرة بلا حصيلة

 

بناء على ذلك لا يكفي إعلان أرقام ضخمة للزراعة من دون قاعدة بيانات مفتوحة دقيقة تسجل كل شجرة، ومعدلات بقائها، وكلفة رعايتها، وتقارنها سنويا بما أزيل من أشجار ومساحات خضراء.

 

كذلك تحتاج مشروعات الطرق إلى تقييم بيئي يسبق التنفيذ، يفرض دراسة تعديل المسار والنقل الآمن والتقليم بوصفها بدائل أولى، ويحظر القطع إلا عند الضرورة القصوى وبقرار معلل وواضح قابل للمراجعة.

 

إضافة إلى ذلك يجب وقف بيع الأخشاب الناتجة قبل تحقيق مستقل يحدد قانونية الإزالة، لأن تحويل الشجرة العامة إلى مورد قابل للمزاد يخلق حافزا ماليا يناقض واجب الحماية ويقوض ثقة السكان.

 

وأخيرا تكشف مذابح الأشجار أن نموذج التطوير الحكومي يقيس النجاح بأمتار الأسفلت وأطوال المحاور، بينما يسقط من حساباته الهواء والظل والصحة، لتصبح المدن أسرع للسيارات وأقسى على البشر كل يوم.