دفعت الحكومة المصانع الصغيرة إلى حافة التعثر بعدما أبقت كلفة الاقتراض مرتفعة، ووسعت مزاحمتها للقطاع الخاص على أموال البنوك، فتحولت السيولة من تمويل خطوط الإنتاج إلى شراء أدوات الدين المضمونة.

 

وتكشف الأزمة تناقضا فادحا بين خطاب توطين الصناعة وواقع مالي يعاقب المنتج، إذ تمثل المنشآت الصغيرة والمتوسطة أكثر من 90 في المئة من المنشآت، وتستوعب نحو 75 في المئة من العمالة، لكنها تحصل على التمويل الأصعب.

 

 

الفائدة تطرد الاستثمار

 

وبدلا من معالجة جذور التضخم عبر الإنتاج، اعتمدت الحكومة الفائدة المرتفعة أداة رئيسية، فرفعت عبء رأس المال العامل، وأجبرت المصانع على تقليص المخزون وتأجيل الصيانة وإلغاء التوسع، بما يفاقم نقص المعروض.

 

كما أن اقتراب سعر التعامل بين البنوك من 19٫55 في المئة مطلع سبتمبر يعكس بيئة مكلفة، تضاف إليها هوامش البنوك والعمولات والضمانات، لتصبح تكلفة القرض أعلى من قدرة قطاعات صناعية محدودة الربحية.

 

ويقول الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن رفع الفائدة يوجه ضربة موجعة للاستثمار، متسائلا عن قدرة أي مشروع على تحقيق عائد يقارب 30 في المئة قبل الضرائب والأجور والرسوم وسائر تكاليف التشغيل الأخرى.

 

ومن ثم لا تقف الخسارة عند فوائد القرض، لأن المصنع يمول خاماته وأجوره وطاقة تشغيله شهورا قبل تحصيل المبيعات، وكل زيادة في سعر المال تلتهم الهامش وتسرع التعثر نحو الإغلاق.

 

في المقابل تمنح أذون الخزانة البنوك عائدا مرتفعا ومخاطر أقل وإجراءات أبسط، فتبدو إقراض الحكومة أكثر جاذبية من فحص مصنع صغير، بما يرسخ مزاحمة الدولة للنشاط المنتج بلا مخاطر تشغيلية.

 

وبالتالي يصبح المصنع مطالبا بضمانات عقارية تفوق القرض، بينما تفتقر منشآت كثيرة إلى أصول مسجلة كافية، رغم امتلاكها طلبيات وفواتير بيع وتدفقات نقدية يمكن تحويلها إلى ضمانات عملية لدى البنوك.

 

وفوق ذلك لا تعكس برامج التمويل المعلنة حجم الاحتياج الصناعي، إذ يبقى الوصول إليها مرهونا بتصنيفات ائتمانية ومستندات مطولة، بينما تحتاج خطوط الإنتاج إلى سيولة سريعة لشراء الخامات ومنع التوقف.

 

 

الائتمان ينحاز للدين

 

لهذا تكشف الأزمة أن المشكلة ليست غياب المبادرات وحده، بل تصميم مصرفي يكافئ الضمان الجامد ويهمل دورة النشاط، فيحرم المصنع القابل للحياة لأنه لا يملك عقارا إضافيا أو مخزنا لرهنه.

 

ويؤكد محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، أن ارتفاع تكلفة الأموال يعرقل إنشاء المصانع وتوسعات القائم منها، ويضعف تنافس المنتج المصري أمام دول لا تتجاوز فوائدها التمويلية مستويات محدودة.

 

علاوة على ذلك طالب البهي بمنح المشروعات التصديرية أولوية في التمويل، لأن قدرتها على توليد عملة أجنبية تجعل دعمها أقل كلفة من استمرار الاستيراد واستنزاف الموارد الأجنبية في خدمة الديون.

 

وبناء على ذلك تبدو نافذة تمويل بفائدة لا تتجاوز 7 في المئة ضرورة إنقاذ مباشرة، شريطة توجيهها للمصانع العاملة فعلا وربطها بالإنتاج والمبيعات والتشغيل، لا توزيعها بالمحسوبية أو تحويلها إلى قروض ورقية.

 

كذلك يمكن اعتماد فواتير البيع والعقود المؤكدة ضمانا، بما يسمح بخصم المستحقات قبل موعدها، ويوفر سيولة يومية دون إرغام المصنع على رهن أرضه أو الاقتراض التجاري بأسعار تلتهم أرباحه بالكامل.

 

وعندئذ تصبح مشاركة المخاطر بين الحكومة والبنوك بديلا أكثر عدلا من دعم الفائدة وحده، لأن تحمل جهة ضمان نسبة من الخسارة يشجع المصارف على دراسة النشاط بدلا من رفضه تلقائيا.

 

ومع ذلك يجب ألا تتحول الضمانات العامة إلى إنقاذ لمقترضين نافذين، بل تخضع لمعايير منشورة تشمل انتظام الإنتاج وحجم العمالة ونسبة المكون المحلي والقدرة التصديرية وجدولا واضحا لإعادة الهيكلة مسبقا.

 

 

الإنقاذ يبدأ بالإنتاج

 

ويرى أستاذ الاقتصاد مدحت نافع أن الصادرات والاستثمار مفتاح النمو المستدام، وهو ما يعني أن توجيه الائتمان نحو الإنتاج أكثر جدوى من استنزافه في تمويل الاستهلاك أو سد عجز متضخم.

 

وإلى جانب التمويل تحتاج المصانع إلى خفض الأعباء غير المصرفية، لأن أسعار الطاقة والرسوم وتذبذب العملة وتأخر الإفراج عن الخامات ترفع الاحتياج النقدي باستمرار، وتجعل القرض المدعوم مجرد مسكن مؤقت.

 

لذلك يمكن تحويل عقود الكهرباء والغاز المنتظمة إلى مؤشر للجدارة التشغيلية، لا إلى ضمان منفرد، فانتظام الاستهلاك والسداد يكشف استمرار المصنع، لكنه لا يعوض تقييم المبيعات والتدفقات والطلب وحدهما بدقة.

 

ومن ناحية أخرى تتيح سوق منظمة للأوراق التجارية خصم الشيكات والكمبيالات بسعر تنافسي، فتربط التمويل بصفقات حقيقية، وتقلل اعتماد المشروعات الصغيرة على قروض قصيرة الأجل مرتفعة الكلفة والضمانات العقارية التقليدية.

 

وعلى المدى الأقرب يحتاج الإنقاذ إلى حصر شفاف للمصانع المتوقفة والمتعثرة، يميز بين أزمة السيولة ومشكلات الإدارة والتكنولوجيا والتسويق، حتى لا تضخ الأموال في منشآت فقدت قدرتها على الاستمرار مستقبلا.

 

ثم إن إعادة تشغيل خط قائم أقل كلفة وأسرع أثرا من إنشاء مصنع جديد، لأنها تحفظ العمالة وسلاسل الموردين والاستثمارات السابقة، وتضيف إنتاجا فوريا يمكنه إحلال الواردات وزيادة الصادرات محليا.

 

وفي النهاية يهدد استمرار المسار الحالي نحو 2 مليون فرصة عمل مرتبطة بالمصانع الصغيرة والمتوسطة، بينما تستطيع سيولة تقدر بنحو 200 مليار جنيه إعادة تشغيل الخطوط وشراء الخامات وتثبيت العمالة.

 

أما الاكتفاء بإعلانات متفرقة فلن يوقف الإغلاق، ما دامت الحكومة تقترض بعوائد تجذب البنوك بعيدا عن الصناعة، وتحمّل المصنع فاتورة التضخم والعجز والدين ثم تطالبه بمنافسة المستورد في الأسواق العالمية.

 

والحل يبدأ بخفض منضبط لكلفة التمويل، وتقييد مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص، وتفعيل ضمان الفواتير وتقاسم المخاطر، مع رقابة معلنة تمنع المحاباة، كي تعود البنوك إلى تمويل الإنتاج لا خزينة الدولة.