يكشف مارك إس. جولد، الطبيب والباحث المتخصص في الإدمان، عن نتائج مفاجئة لدراسة واسعة حول نمو دماغ الأطفال والمراهقين، إذ تشير البيانات إلى أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية قد تترك بصمة عميقة على نمو الدماغ، وربما تكون أقوى ارتباطًا ببنيته ووظائفه من كثير من العوامل الأخرى التي اعتاد الباحثون التركيز عليها.


وبحسب سايكولوجي توداي،  تتابع دراسة «تطور الدماغ المعرفي للمراهقين» (ABCD) نحو 12 ألف طفل بهدف تحديد العوامل التي تسبق تعاطي المواد المخدرة وتلك التي تليه. وبينما انطلقت الدراسة أساسًا لفهم تأثير المخدرات والكحول في الدماغ، كشفت نتائجها الأكثر إثارة حتى الآن عن الدور الكبير الذي يلعبه الفقر والظروف الاجتماعية والاقتصادية في نمو دماغ الطفل.


بدأت أكبر دراسة طولية في الولايات المتحدة لتصوير أدمغة الأطفال والمراهقين في وقت كانت آثار المخدرات والكحول في الدماغ محور اهتمامها الأساسي. لكن أكثر نتائجها إثارة للدهشة حتى الآن ربما تكمن في تأثير الفقر على الدماغ النامي.


واجه الباحثون في مجال الإدمان لعقود معضلة شبيهة بسؤال «الدجاجة أم البيضة». فعندما يظهر فحص دماغي غير طبيعي لدى شخص يتعاطى الكحول أو القنب أو غيرهما من المواد، لا يستطيع الباحثون تحديد ما إذا كان الاختلاف موجودًا قبل بدء التعاطي أم أنه نشأ لاحقًا نتيجة له. وجاءت دراسة ABCD لتساعد في الإجابة عن هذا السؤال.


بدأت الفكرة تتبلور عام 2013 عبر برنامج «البحث التعاوني حول الإدمان» في المعاهد الوطنية للصحة (NIH). واستهدف المشروع في البداية تصوير أدمغة الأطفال قبل أن يجرب معظمهم المواد المخدرة، ثم متابعتهم خلال السنوات التي ترتفع فيها احتمالات تعاطي المواد المخدرة بصورة أكبر.


وفي عام 2015، ضمت الدراسة 11,880 طفلًا في 21 موقعًا، تراوحت أعمارهم بين 9 و10 سنوات عند بدء المتابعة. وخضع هؤلاء الأطفال لتصوير الدماغ، واختبارات معرفية ونفسية، وجمع عينات بيولوجية، إلى جانب تقييمات تفصيلية لبيئاتهم المنزلية ومدارسهم وأحيائهم وصحتهم ومدى تعرضهم للمواد المخدرة. وواصل الباحثون فحص الأطفال أنفسهم بصورة متكررة حتى مرحلة الشباب المبكر، كما أتاحوا بيانات الدراسة للعلماء.


وعندما أصدرت المعاهد الوطنية للصحة أول مجموعة كبيرة من بيانات خط الأساس عام 2018، أوضحت نورا فولكو، مديرة المعهد الوطني لتعاطي المخدرات، أهمية بدء الدراسة قبل تجربة المواد المخدرة. وقالت إن الباحثين سيتمكنون من مقارنة صور أدمغة الأشخاص أنفسهم قبل تعاطي الكحول والنيكوتين وغيرهما وبعده. وبعد ثمانية أعوام، بدأت هذه الإمكانية تتحول إلى نتائج فعلية.


ماذا كشفت دراسة ABCD عن تعاطي المواد المخدرة؟

 


ظهرت أولى النتائج في تحليل أُجري عام 2024 وشمل 9,804 مشاركين في دراسة ABCD، أفاد 3,460 منهم بأنهم بدأوا تعاطي الكحول أو النيكوتين أو القنب أو مادة أخرى قبل بلوغهم 15 عامًا. وكان الكحول المادة الأكثر شيوعًا بفارق كبير.


وأظهرت النتائج أن معظم الاختلافات في بنية الدماغ المرتبطة ببدء التعاطي في سن مبكرة كانت موجودة بالفعل لدى الأطفال في سن التاسعة إلى الحادية عشرة، أي قبل أن يبدأوا تعاطي المواد المخدرة. وتشير هذه النتيجة إلى أن بعض خصائص الدماغ قد تزيد الميل إلى البحث عن الإثارة والاندفاع أو القابلية لتجربة المواد المخدرة في سن مبكرة، قبل أن يؤدي التعرض لهذه المواد بدوره إلى التأثير في مراحل لاحقة من نمو الدماغ.


وتستطيع دراسة ABCD مراقبة جانبي هذه العلاقة لأنها بدأت قبل التعاطي وتواصلت بعده.


وتكتسب النتائج الاجتماعية أهمية مماثلة. فقد أظهرت التحليلات المبكرة المتعلقة بالنيكوتين أن استخدامه كان يحدث بصورة أساسية عبر التدخين الإلكتروني، وأن تعاطي الأقران يمثل عاملًا تنبؤيًا قويًا بصورة خاصة لاحتمال بدء الاستخدام. وبالنسبة إلى الكحول والمواد الأخرى، ظهرت عوامل مثل التاريخ العائلي، ومراقبة الوالدين، والأعراض السلوكية الخارجية، ومشكلات الصحة النفسية، والنوم، وسلوك الأقران باعتبارها عناصر مؤثرة في مخاطر التعاطي.


ويقدم القنب صورة مبكرة عما قد تكشفه القياسات المتكررة بمرور الوقت. ففي تحليل أجرته دراسة ABCD عام 2026، جمع الباحثون بين إفادات المشاركين ونتائج التحاليل السمية للشعر. وأظهر المراهقون الذين بدأوا تعاطي القنب تحسنًا أقل بمرور الوقت في التعلم والذاكرة العرضية والذاكرة العاملة وقدرات أخرى مرتبطة بها مقارنة بغير المستخدمين.


ولم تكشف النتائج عن صورة مبسطة لحدوث تلف مفاجئ وشامل في الدماغ. لكنها أظهرت أن المراهقين الذين يتعاطون القنب بدأوا يتراجعون عن أقرانهم؛ إذ ظهر لديهم تأخر في النمو خلال سنوات يفترض أن تتحسن فيها القدرات المعرفية. وبالتالي، بدا أن المراهقين الذين يستخدمون القنب يراوحون مكانهم، أو يحققون تقدمًا أقل في أفضل الأحوال، مقارنة بغير المستخدمين.


مفاجأة الفقر وتأثير الظروف الاقتصادية في الدماغ

 


قد لا تتعلق أكثر النتائج إثارة للدهشة بأي مادة مخدرة على الإطلاق. ففي عام 2026، قارن سكوت ماريك ونيكو دوزنباخ وزملاؤهما في كلية الطب بجامعة واشنطن 649 متغيرًا بيولوجيًا ونفسيًا واجتماعيًا وبيئيًا ببنية الدماغ ووظائفه لدى نحو 12 ألف طفل مشارك في دراسة ABCD.


ومن بين أقوى 40 متغيرًا ارتباطًا بوظائف الدماغ، كان 37 متغيرًا ذا صلة بالظروف الاجتماعية والاقتصادية. ومن بين أقوى 40 متغيرًا ارتباطًا ببنية الدماغ، كان 35 متغيرًا اجتماعيًا واقتصاديًا. وتجاوز تأثير دخل الأسرة وامتلاك المنزل والفقر في الحي ووسائل النقل والموارد المجتمعية بكثير تأثير معدل الذكاء وأسلوب التربية والتاريخ الطبي ومئات المقاييس الأخرى.


ووصف دوزنباخ الظروف الاجتماعية والاقتصادية بأنها أعمق بصمة بين العوامل التي فحصها فريق البحث، بينما وصفها ماريك بأنها «الفيل الموجود في الدماغ». وأسهمت المقاييس الاجتماعية والاقتصادية في تفسير نحو 16% من الاختلاف في وظائف الدماغ، وهي نسبة مرتفعة بصورة لافتة في هذا المجال البحثي.


ولم تبدُ أدمغة الأطفال الذين يملكون فرصًا اجتماعية واقتصادية أقل «أقل ذكاءً». بل بدت أشبه بأدمغة الأطفال الذين يعانون الإرهاق والضغط النفسي. وظهرت أقوى الارتباطات في الأنظمة الحسية والحركية الحساسة لفقدان النوم اليومي والتوتر المزمن، وليس فقط في المناطق التي توصف عادة بأنها مراكز للذكاء.


وبعد ضبط تأثير الفرص الاجتماعية والاقتصادية، لم يعد نحو 70% من الارتباطات التي رُصدت سابقًا بين الدماغ ومعدل الذكاء ذا دلالة إحصائية. وهذا يشير إلى الدور المحوري الذي تؤديه البيئة الاجتماعية والاقتصادية في نمو الأطفال.


وكانت دراسات سابقة ضمن مشروع ABCD قد أظهرت بالفعل ارتباط الفقر الأسري وفقر الأحياء باختلافات في تنظيم المادة البيضاء في الدماغ وارتفاع كمية المياه في بعض المساحات الدماغية، وهو ما قد يشير إلى عمليات التهابية عصبية. كما كشفت دراسة أخرى عن فروق مرتبطة بالدخل في حجم الحُصين لدى المشاركين.


ولا تثبت هذه النتائج الرصدية أن عاملًا بعينه غيّر أدمغة الأطفال. لكنها تقدم مجتمعة نتيجة لافتة: فقد تعكس صورة الدماغ التي تظهر في الفحص، جزئيًا، ما إذا كان الطفل يحصل على نوم جيد، ويشعر بالأمان، ويعيش تحت ضغط مالي مزمن، ويحصل على وسائل نقل موثوقة، أو يعيش في مجتمع تتوافر فيه الموارد الكافية.


فالبيئة ليست مجرد خلفية لنمو الطفل؛ بل تشارك في تشكيل بيولوجيته.


لماذا يجب أن يدخل الفقر في قصة الإدمان؟

 


لا يسبب الفقر جميع حالات الإدمان، كما أن الثروة لا تمنح حصانة من الإدمان. فقد قيّم الكاتب وعالج مئات الأطباء والمديرين التنفيذيين والمشاهير الذين عانوا الإدمان، وهو ما يؤكد أن ارتفاع الدخل لا يمنع الإصابة به.


لكن التوتر المزمن، واضطراب النوم، وانتشار المخدرات وتوافرها في الأحياء، والضغوط الأسرية، ومحدودية الوصول إلى العلاج، وقلة البدائل الآمنة، كلها عوامل قد تؤثر في نمو الدماغ وفي فرص التعرض للمواد المخدرة.


وقد تؤثر الظروف الاجتماعية والاقتصادية نفسها التي تترك بصمة قابلة للقياس على الدماغ في تحديد من يبدأ تعاطي المواد المخدرة في سن مبكرة، ومن يصعد إلى مستويات أعلى من التعاطي، ومن يحصل على المساعدة.


أهم سنوات دراسة الدماغ تبدأ الآن

 


بلغ معظم المشاركين في دراسة ABCD حاليًا 17 إلى 19 عامًا. وخلال العام أو العامين المقبلين، من المتوقع أن تزداد قيمة الدراسة بالنسبة إلى أبحاث الإدمان، إذ سينتقل مزيد من المشاركين من تجربة المواد المخدرة للمرة الأولى إلى تعاطي الكحول والنيكوتين والقنب بصورة متكررة.


وسيتوقف بعضهم عن التعاطي، بينما قد يصاب آخرون بالإدمان، لكن الغالبية لن تصل إلى هذه المرحلة.


وسيسمح هذا التباين للباحثين بطرح الأسئلة التي صُممت دراسة ABCD أساسًا للإجابة عنها: ما الاختلافات الدماغية التي سبقت تعاطي المواد المخدرة؟ وما التغيرات التي أعقبت التعرض الأكثر كثافة أو استمرارية؟ وهل يترك الكحول والتدخين الإلكتروني والقنب تأثيرات مختلفة في الدماغ، أم تسلك هذه المواد مسارات نمو متشابهة؟ وماذا يحدث عند تعاطي عدة مواد في الوقت نفسه؟ وما الذي يجعل بعض المراهقين أكثر قدرة على الصمود رغم ارتفاع المخاطر المحيطة بهم؟ وما العوامل الأسرية أو الدينية أو المدرسية أو المرتبطة بالحي أو غيرها التي توفر لهم الحماية؟


وتقدم دراسة ABCD نتائج غير متوقعة وطريقة فريدة لمراقبة كيفية تداخل القابلية للتأثر والتعرض والبيئة والنمو في الوقت نفسه. وكان أصعب أجزاء المشروع وأكثرها تكلفة بناء منظومة كاملة ومعقدة لإجراء اختبارات متكررة.


وبعد مرور عشرة أعوام، بدأت أخطر مرحلة عمرية صُممت الدراسة لرصدها تظهر بوضوح أمام الباحثين، وهو ما قد يجعل السنوات المقبلة حاسمة في فهم العلاقة بين نمو دماغ الأطفال، والفقر، والبيئة الاجتماعية، وتعاطي المواد المخدرة والإدمان.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/addiction-outlook/202609/study-finds-poverty-changes-childrens-brains