تلوح في الأفق أزمة جديدة بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل، مع مضي أديس أبابا في خططها لبناء سدود جديدة على النيل الأزرق، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى استخدام نفوذها في البحر الأحمر للضغط على إثيوبيا.
ويطرح جوناثان فنتون هارفي، الصحفي والباحث المتخصص في النزاعات والجغرافيا السياسية والقضايا الإنسانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تساؤلًا حول فرص استئناف المفاوضات لإنهاء المواجهة المتصاعدة بشأن النيل.
وبحسب العربي الجديد، تأتي هذه التطورات بعد نحو عام من افتتاح إثيوبيا رسميًا سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، بينما تسعى أديس أبابا إلى المضي قدمًا في خطط لبناء ثلاثة مشروعات إضافية لتوليد الطاقة الكهرومائية، الأمر الذي أثار تحذيرات جديدة من مصر، التي تعتمد على النيل في أكثر من 97% من مواردها المتجددة من المياه العذبة.
وفي 21 أغسطس، شدد وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا جيليتا على الموقف الأكثر تشددًا الذي تتبناه أديس أبابا، قائلًا إن بلاده لا تحتاج إلى إذن لتطوير مواردها المائية، ودافع عن حقها في الاستخدام المنصف لمياه النيل، كما رفض الدعوات إلى الإدارة المشتركة لسد النهضة.
وأثار ذلك مخاوف متزايدة في مصر، التي لطالما حذرت من تداعيات بناء إثيوبيا سدودًا جديدة على النيل. وفي أغسطس، حذر مسؤولون مصريون، بينهم وزيرا الخارجية والري، من أن القاهرة لن «تسمح» ببناء أي سدود إضافية على النيل، وجددوا تأكيد حق مصر في الدفاع عن أمنها المائي.
وفي مارس 2026، أعلنت إثيوبيا خططًا لإنشاء ثلاثة مشروعات جديدة للطاقة الكهرومائية على النيل الأزرق، هي كرادوبـي ومندايا وبيكو أبو، بطاقة توليد إجمالية تبلغ نحو 5700 ميجاوات، وبتكلفة إجمالية تقدر بـ10.5 مليار دولار.
ورغم أن هذه المشروعات أثارت قلق مصر، فإنها لا تزال في مرحلتي التخطيط وما قبل الإنشاء، وقد تتغير مواصفاتها لاحقًا. كما أن المواقع الثلاثة وردت في دراسات سابقة لحوض النيل، ما يعني أن وضعها الحالي لا يزال افتراضيًا إلى حد كبير.
لكن التحول الحقيقي يكمن في أن إثيوبيا باتت أكثر ثقة في المضي قدمًا في تطوير مشروعات جديدة على النيل الأزرق، رغم استمرار الخلاف مع مصر والسودان بشأن سد النهضة.
وقال تسيـدالي ليما، مؤسس ورئيس تحرير صحيفة Addis Standard الإثيوبية المستقلة، لـ«ذا نيو أراب»: «على مدى عقود، كانت لدى إثيوبيا خطط لتطوير مواردها المائية والكهرومائية، لكن محدودية التمويل ومعارضة مصر قيدتا تلك الطموحات».
بعد سد النهضة.. إدارة مشتركة أم فرض السيطرة؟
منح سد النهضة خطط إثيوبيا لبناء سدود جديدة ثقلًا سياسيًا أكبر. فقد بدأت أعمال البناء عام 2011، في وقت كانت فيه القاهرة منشغلة بتداعيات الثورة المصرية في ذلك العام، بينما كانت إثيوبيا تدرس إنشاء سد منذ عقود، وإن كانت مخاوفها من احتمال تحرك عسكري مصري قد ردعتها عن الإقدام على ذلك.
واستمرت أعمال بناء السد رغم اعتراضات مصر والسودان، وافتتحت إثيوبيا رسميًا المشروع الكهرومائي، الذي بلغت تكلفته 5 مليارات دولار، في 9 سبتمبر 2025، بطاقة إنتاجية مركبة تصل إلى 5150 ميجاوات.
وتشير الخطط الجديدة إلى برنامج طويل الأمد لتطوير الطاقة الكهرومائية يتمحور حول سد النهضة، بدلًا من التعامل مع كل سد باعتباره مشروعًا مستقلًا.
ويرى تسيـدالي ليما أن المقترحات الجديدة من المرجح أن تعزز قناعة لدى كثير من الإثيوبيين بأن بلادهم «يجب أن تكون قادرة على استخدام مواردها المائية لإنتاج الكهرباء والري وتحقيق الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية الأوسع، شريطة ألا تتسبب عمدًا في ضرر كبير لدول المصب».
ويظهر هذا التحول أيضًا في اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، التي تدعو إلى توزيع أكثر عدالة لمياه النهر. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في أكتوبر 2024، لكنها لا تزال تواجه معارضة مصر والسودان، في ظل مطالبة القاهرة بمعاهدة ملزمة قانونًا.
ومع ذلك، لا تزال المخاوف بشأن تأثير أي مشروعات مستقبلية على تدفقات المياه إلى دول المصب تغذي الخلاف السياسي.
ولا تستهلك مشروعات الطاقة الكهرومائية المياه بالطريقة التي تستهلكها مشروعات الري واسعة النطاق، إذ تمر المياه ببساطة عبر التوربينات. لكن المشكلة تكمن في الخزانات، التي تفقد جزءًا من المياه بسبب التبخر، فضلًا عن أن تغيير الإيقاع الطبيعي لتدفق النهر قد يجعل تدفقات المياه إلى دول المصب أقل قابلية للتنبؤ.
ومع ذلك، وعلى غرار سد النهضة، لا يتعين بالضرورة أن تتحول السدود الثلاثة الجديدة إلى لعبة محصلتها صفر، إذا أُديرت بعناية.
وقال ديفيد شين، السفير الأمريكي السابق لدى إثيوبيا والأستاذ المساعد في جامعة جورج واشنطن، لـ«ذا نيو أراب»: «لم يحدث اضطراب ضار في إمدادات المياه إلى مصر أثناء ملء الخزان خلف سد النهضة، بسبب هطول أمطار طبيعية أو أعلى من المعتاد في حوض النيل خلال هذه الفترة».
لكنه حذر من أنه «في حالة السدود الثلاثة الجديدة، يتعين على إثيوبيا إدارة عملية ملء الخزانات بحذر شديد حتى لا تلحق الضرر بمصر».
وفي يوليو، سجلت وزارة الري السودانية انخفاضًا في التدفقات الواردة إلى خزان الروصيرص من 207 ملايين إلى 129 مليون متر مكعب يوميًا بين 7 و9 يوليو، وعزت الانخفاض المؤقت إلى تراجع تصريفات سد النهضة. ولم تؤكد إثيوبيا حدوث خفض في التصريفات.
ويكشف هذا الحادث، إلى جانب تبادل الاتهامات بشأن الفيضانات التي وقعت أواخر 2025، أهمية الإخطار المسبق وتبادل بيانات المياه ووضع قواعد متفق عليها لتشغيل السدود حتى بعد إنشاء سد النهضة.
صراع يتجاوز مياه النيل
لكن القاهرة تبدو عازمة على عدم التخلي عن هيمنتها التاريخية على ملف النيل. ومع استمرار تعذر التوصل إلى اتفاق، سعت مصر إلى ممارسة ضغوط على إثيوبيا في مناطق أخرى من الإقليم.
وبالتزامن مع سعي إثيوبيا، الدولة الحبيسة، إلى الحصول على منفذ بحري عبر البحر الأحمر، عززت القاهرة شراكاتها الإقليمية بهدف كبح طموحات أديس أبابا، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن الخلافين البحري وحول النيل يرتبطان ببعضهما بعضًا.
وعززت مصر تعاونها العسكري مع الصومال بعد مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع أرض الصومال في يناير 2024، والتي أتاحت لأديس أبابا الحصول على منفذ بحري مقابل اعتراف محتمل لاحقًا بالإقليم الانفصالي.
ورغم أن إعلان أنقرة الذي رعته تركيا في ديسمبر 2024 خفف حدة المواجهة المباشرة وساعد على استعادة العلاقات بين أديس أبابا ومقديشو، فإن مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري موثوق لا تزال بلا حل.
لذلك، وسعت القاهرة علاقاتها مع إريتريا بالتزامن مع تجدد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا. وخاض البلدان الجاران حربًا حدودية مدمرة بين عامي 1998 و2000، بعد خمس سنوات من استقلال إريتريا، الذي حرم إثيوبيا من الوصول إلى البحر.
وفي مايو، وقعت مصر وإريتريا اتفاقًا للنقل البحري، واتفقتا على إنشاء خط ملاحي يربط بين موانئهما على البحر الأحمر.
وخلال قمة عقدت في القاهرة في يونيو، تعهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي والرئيس الإريتري إسياس أفورقي بتكثيف التنسيق بشأن أمن البحر الأحمر، وأكدا أن إدارة شؤون المنطقة ينبغي أن تظل مسؤولية حصرية للدول المطلة على البحر، في موقف يعارض ضمنيًا أي دور بحري إثيوبي في الممر المائي.
ويهدد ذلك بإطلاق حلقة مفرغة، إذ قد يؤدي انخراط مصر مع هذه الدول إلى زيادة مخاوف إثيوبيا من تعرضها للحصار، وهو ما قد يدفع أديس أبابا إلى التشدد أكثر، ويجعل التوصل إلى تسوية تفاوضية بشأن النيل أكثر صعوبة.
وربما تكون قوى إقليمية مثل السعودية وتركيا الأفضل للاضطلاع بدور الوساطة، نظرًا إلى علاقاتهما بكل من إثيوبيا ومصر.
فقد عرضت الرياض الوساطة في عام 2021، كما وضعت دبلوماسية تركيا الأخيرة في القرن الأفريقي أنقرة في موقع أقوى لتسهيل المحادثات. ومع ذلك، لا تقود أي من الدولتين حاليًا مسارًا تفاوضيًا رسميًا.
كما يضيف تنامي الحضور الدبلوماسي الصيني في المنطقة وسيطًا محتملًا آخر إلى المعادلة. فقد أسفرت زيارة الدولة التي أجراها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في الفترة من 1 إلى 3 سبتمبر 2026، وهي الأولى له منذ عقد، عن بيان مشترك اعترفت فيه بكين صراحة بالنيل باعتباره «شريان الحياة» لمصر، وأكدت «الحق المشروع» للقاهرة في حماية أمنها المائي والغذائي بموجب القانون الدولي، بينما دعت جميع دول حوض النيل إلى الامتناع عن الإضرار بدول المصب.
وكانت أديس أبابا تنظر تاريخيًا إلى الصين باعتبارها طرفًا محايدًا نسبيًا، أو حتى منحازة إلى إثيوبيا بدرجة ما، بالنظر إلى دور بكين كممول رئيسي لمشروعات البنية التحتية. لكن هذا الدعم الصريح الجديد لمطالب مصر المتعلقة بأمنها المائي قد يمنح الصين نفوذًا إضافيًا يمكنها من لعب دور جسر بين العاصمتين، خصوصًا إذا اقترن الدعم السياسي بعروض فنية، مثل التعاون في مجال تحلية المياه والاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بُعد.
وقد تتيح علاقات مبادرة الحزام والطريق التي تربط بكين بالبلدين، إلى جانب مساعي الصين الأخيرة لتقديم نفسها كوسيط أمني محايد في الشرق الأوسط، فرصة لها لعقد محادثات تتناول تقاسم مياه النيل والقضايا الأوسع في القرن الأفريقي، بما فيها مسألة وصول إثيوبيا إلى البحر والأمن في البحر الأحمر.
لكن نجاح أي مفاوضات يتطلب من الوسيط أولًا كسب ثقة أديس أبابا، بدلًا من الظهور وكأنه يؤيد موقف القاهرة فحسب.
وقال تسيدالي ليما إن أديس أبابا ترى النزاع باعتباره صدامًا بين تمسك القاهرة بـ«الحقوق المائية الراسخة» ومطالبة إثيوبيا بالاستخدام المنصف لمياه الحوض بأكمله. كما تخشى إثيوبيا من أن تتحول القواعد المنظمة لسد النهضة إلى «معاهدة فعلية دائمة لتخصيص مياه النيل»، بما يقيد أي مشروعات مستقبلية لدول المنبع.
وخلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، بدا أن واشنطن تؤكد هذه المخاوف.
ففي فبراير 2020، وبعد أن تخلفت إثيوبيا عن الجولة الأخيرة من المحادثات وطلبت مزيدًا من الوقت، مضت وزارة الخزانة الأمريكية قدمًا في المفاوضات مع مصر والسودان، ووصفت الاتفاق المقترح بأنه متوازن، وحذرت إثيوبيا من ملء سد النهضة دون التوصل إلى اتفاق.
ولاحقًا، جمدت واشنطن مساعدات تصل قيمتها إلى 100 مليون دولار عندما بدأت إثيوبيا ملء خزان السد.
كما زاد اقتراح ترامب لاحقًا بأن مصر قد «تفجر» سد النهضة من حدة انعدام الثقة. ومن وجهة نظر إثيوبيا، تحول الوسيط إلى طرف يدافع عن موقف القاهرة.
وفي يناير 2026، عرض ترامب استئناف الوساطة الأمريكية بشأن تقاسم مياه النيل. ورحب السيسي ورئيس الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بالمقترح، لكنه لم يسفر حتى الآن عن إطلاق مسار تفاوضي معلن.
ولا تزال الدبلوماسية مجمدة حتى الآن، رغم إصرار إثيوبيا على المضي قدمًا في مشروعات جديدة على النيل.
ومع تزايد ارتباط نزاع النيل بقضايا الأمن الأوسع في القرن الأفريقي، قد يصبح التعامل مع مخاوف أديس أبابا بشأن الوصول إلى البحر جزءًا ضروريًا من أي تسوية شاملة.
وقال ديفيد شين: «إحدى القضايا التي قد تلفت انتباه إثيوبيا إلى تسوية بشأن مياه النيل هي انخراط مصر مع إريتريا للتفاوض على وصول دائم لإثيوبيا إلى البحر الأحمر».
لكنه أشار إلى صعوبة تحديد ما الذي يمكن أن تجنيه مصر من مثل هذا الترتيب، فضلًا عن حاجة إريتريا أيضًا إلى حوافز كبيرة.
وبعيدًا عن مثل هذه الصفقة، يرى أشوك سوين، أستاذ أبحاث السلام والصراع في جامعة أوبسالا، أن السدود نفسها قد تخلق حوافز للتعاون.
وقال للعربي الجديد: «قد تخلق السدود الإضافية أيضًا نوعًا من الاعتماد المتبادل؛ إذ يمكن للخزانات المنسقة أن تنظم التدفقات، وتحد من الفيضانات، وتنتج الكهرباء، وتدعم تجارة الطاقة الإقليمية مع السودان ومصر. وسيتوقف المسار الذي سيُختار بدرجة أقل على السدود نفسها، وبدرجة أكبر على كيفية التخطيط لها وتشغيلها».
وأضاف سوين: «من شأن الشفافية، والتشاور المسبق، وتبادل البيانات، والاتفاق على قواعد لتقاسم المياه في أوقات الجفاف، وإتاحة الكهرباء الإثيوبية لمصر، أن تشجع التعاون. أما البناء الأحادي، والتهديدات، والقومية الداخلية، والتنافس على الموانئ والصومال والبحر الأحمر، فستعمق المواجهة».
https://www-newarab-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.newarab.com/analysis/nile-red-sea-can-egypt-and-ethiopia-ever-agree?amp=&_gsa=1&_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17885305627401&csi=1&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&share=https%3A%2F%2Fwww.newarab.com%2Fanalysis%2Fnile-red-sea-can-egypt-and-ethiopia-ever-agree

