كشفت شكوى رسمية من قرية كوم حفص بدمنهور كيف تحولت ملفات تقنين أراضي الإصلاح الزراعي إلى أبواب للابتزاز والتعطيل، بينما تواجه آلاف الأسر خطر فقدان منازل شيدتها وسكنتها طوال عقود.

 

وتتهم الشكوى موظفين بقسم الحيازة والملكية في مديرية الزراعة بالبحيرة بعرقلة ملف المواطن ضيف فراج حجازي، رغم تقدمه بثلاثة طلبات أعوام 1998 و2009 و2018 واستيفائه المستندات المطلوبة كاملة منذ البداية.

 

وبحسب الشاكي، أرسلت منطقة الإصلاح الزراعي ملفه كاملا إلى المديرية برقم صادر في ديسمبر 2018، لكن الموظف المختص امتنع عن تسليمه أو استكمال إجراءاته، تاركا الطلب معلقا بلا قرار مسبب.

 

وفوق ذلك، يقول حجازي إن أحد الموظفين طلب منه مبالغ مالية مقابل تحريك الإجراءات، وعندما رفض وقدم شكاوى إلى جهات التفتيش، بدأت رحلة إنكار وجود الملف والتهرب من تحديد مصيره.

 

وفي المقابل، تورد الشكوى أن الموظف واجه المواطن بعبارة تفيد انتقامه بسبب جزاء إداري خُصم منه، ثم أبلغه بأن الملف ضاع، متحديا إياه أن يفعل ما يريد لاسترداد حقه كاملا.

 

وعليه، لم يعد النزاع مجرد خلاف على سعر متر، بل صار نموذجا لمواطن عوقب لأنه اشتكى ابتزازا مزعوما، فتعطلت أوراقه حتى تغيرت القواعد وفقد فرصة المحاسبة بالربط القديم نهائيا تماما.

 

 

تعطيل يضاعف الخسائر

 

ومن جانبه، يوضح الباحث في الاجتماع الريفي صقر النور أن سياسات الأرض حين تتجاهل علاقات القوة القائمة تفتح مسارات للاستبعاد، وهو منظور يفسر هشاشة المنتفع الصغير أمام الجهاز الإداري المصري.

 

إضافة إلى ذلك، تكشف حالة حجازي أن بطء الإدارة لا يستهلك الوقت وحده، بل ينقل صاحب الطلب قسرا بين نظم تسعير متعاقبة، حتى يصبح التأخير نفسه سببا مباشرا لتضخم المديونية.

 

في غضون ذلك، ساوى الإهمال بين من أخفى ملفا ومن أصدر قرارا، لأن النتيجة واحدة وهي حرمان المواطن من التقنين في موعده، ثم مطالبته بتحمل فروق لم يكن مسؤولا عن نشأتها.

 

وبالتوازي، يقول أصحاب الربط القديم إنهم لم يقتحموا الأرض حديثا، وإنما ورثوا حيازات موثقة وسددوا مقابلات الانتفاع سنوات طويلة، وأقاموا منازلهم وأدخلوا المرافق إليها اعتمادا على استقرار رسمي ممتد فعليا.

 

ورغم ذلك، تتعامل لجان التثمين مع بعض الحالات وفق الأسعار السوقية الراهنة، متجاهلة الفارق بين مضارب عقاري وأسرة محدودة الدخل عمرت المكان، بما يحول التقنين من حماية قانونية إلى عبء ساحق.

 

ومن ثم، يصبح العجز عن سداد المقدمات والفروق مقدمة لإنذارات وإجراءات قد تنتهي بسحب الأرض أو إزالة المنزل، فتدفع الأسرة ثمن فشل الإدارة مرتين، مرة بالتعطيل ومرة بخطر التشريد القسري.

 

 

الشكوى حق لا عقوبة

 

وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون العام صلاح الدين فوزي أن الإدارة تخضع لمبدأ المشروعية والمساواة، ما يجعل حفظ الملفات وتسبيب القرارات وتمكين المواطنين من التظلم ضمانات واجبة وليست منحا وظيفية.

 

وبناء على ذلك، فإن ادعاء ضياع ملف تقنين بعد وروده رسميا يوجب تحقيقا مستقلا يتتبع حركته ومسؤولية حائزيه، لا مطالبة المواطن بإعادة رحلة مستندات استغرقت سنوات ودفعت حقوقه إلى المجهول.

 

أما ربط مصير الملف بشكوى قدمها صاحبه، فيمثل إن صح انحرافا بالغ الخطورة بالسلطة الوظيفية، لأن حق الإبلاغ عن الفساد يتحول عندئذ إلى سبب للعقاب ووسيلة لترهيب بقية المتضررين أيضا.

 

كذلك، لا تكفي إحالة الشكوى إلى الجهة ذاتها التي يطعن المواطن في تصرف موظفيها، بل يتطلب الأمر فحصا رقابيا خارجيا وسماع الأطراف والتحفظ على الدفاتر والمراسلات قبل احتمال العبث بها.

 

فضلا عن ذلك، ينبغي وقف أي إعادة تثمين أو إجراء إزالة بحق الشاكي حتى انتهاء التحقيق، لأن تحميله نتائج فترة التعطيل المتنازع عليها يهدر العدالة ويكافئ المتسبب المحتمل في ضياع الملف.

 

وبدورها، تتحمل وزارة الزراعة وهيئة الإصلاح الزراعي مسؤولية إعلان أعداد الملفات المتأخرة والشكاوى المرتبطة بها ومدد إنجازها، فغياب البيانات يحجب حجم الأزمة ويترك آلاف الأسر تفاوض منفردة تحت ضغط السكن.

 

 

تقنين يمنع اقتلاع الأسر

 

وعلى صعيد الحلول، يشدد الخبير في السياسات الزراعية عبد التواب بركات على أولوية حماية صغار الفلاحين، وهو ما يقتضي تسعيرا اجتماعيا يميز الحيازة التاريخية المستقرة عن الاستيلاء الحديث بغرض المضاربة.

 

لذلك، يطالب المتضررون بإعادة الاعتداد بتاريخ تقديم الطلب الأول، بحيث يحاسب المواطن وفقا للقواعد السارية وقت استيفاء ملفه، لا وفق أسعار تضاعفت بينما كانت الأوراق محتجزة داخل المكاتب الحكومية سنوات.

 

وبالمثل، يجب فتح باب تظلم حقيقي أمام لجنة مستقلة تضم ممثلين قانونيين واجتماعيين، مع إلزام لجان التثمين بكشف أسس حساب السعر ومراعاة الدخل ومساحة المسكن وتاريخ الانتفاع وسداد المستحقات السابقة.

 

وعوضا عن التهديد بالإزالة، يمكن اعتماد مقدمات محدودة وأقساط طويلة وتجميد الفوائد خلال نظر المنازعات، بما يصون حق الدولة المالي دون تحويله إلى أداة تنتزع البيوت من عائلات فقيرة قسرا.

 

إلى جانب ذلك، يظل نقل التكليف إلى الورثة ضرورة عاجلة، لأن وفاة المنتفع الأصلي لا تمحو عقود الإقامة والسداد، ولا تبرر إبقاء الأبناء بلا سند يقيهم الابتزاز أو قرارات الطرد.

 

وفي المحصلة، تكشف شكوى كوم حفص أن الخطر الأكبر ليس الربط القديم وحده، وإنما سلطة مكتب يستطيع تعطيل ملف مكتمل ثم تحميل الأسرة فاتورة ضياعه بينما يبقى الموظف بعيدا عن المساءلة.

 

وأخيرا، يبدأ منع التشريد باستعادة الملف والتحقيق في طلب الأموال ومحاسبة المسؤول عن تعطيله، ثم مراجعة الحالات المماثلة جماعيا، فحقوق آلاف الأسر لا يجوز أن تبقى رهينة درج مغلق أو موظف منتقم.