تكشف أزمة الصرف وانقطاع المياه وتهالك الطرق في دهب حصاد سنوات من إهمال أجهزة جنوب سيناء، بعدما أصبحت جوهرة السياحة مهددة بيئيا واقتصاديا، رغم إعلان مشروعات تتجاوز تكلفتها 400 مليون جنيه.
وتفضح شكاوى السكان وأصحاب المنشآت فجوة واسعة بين الصورة الترويجية والواقع اليومي، إذ تحولت الخدمات الأساسية إلى عبء مكلف، بينما بقيت الحلول المؤجلة عاجزة عن ملاحقة التوسع السكاني وتدفقات السياح.
صرف يهدد البحر
في البداية، تتصدر البيارات البدائية الأزمة داخل مناطق سكنية ومنشآت عديدة، بما يسمح بتسرب مياه الصرف إلى التربة وأسفل المباني، ويكشف غياب شبكة متكاملة كان يجب إنجازها قبل التوسع العمراني.
وفوق ذلك، لم يعد خط الطرد القديم قادرا على استيعاب التدفقات المتزايدة، ما يرفع احتمالات الأعطال والتسربات، ويضع المدينة أمام خطر صحي وبيئي صنعه البطء التنفيذي وغياب التخطيط لدى الجهات المختصة.
ومن جانبه، يحذر الدكتور مجدي علام، مستشار مرفق البيئة العالمي وأمين اتحاد خبراء البيئة العرب، من أن تسربات الصرف بالمناطق الساحلية تضغط على المياه الجوفية والتربة، وتهدد البيئة البحرية الحساسة.
وبالتوازي، تواجه الشعاب المرجانية التي صنعت شهرة دهب العالمية تهديدا يصعب تعويضه، لأن وصول الملوثات إلى البحر يضر التنوع الحيوي ويقوض سياحة الغوص التي تعتمد عليها أعمال ومداخيل محلية واسعة.
الأخطر أن الخسارة لا تقف عند البيئة، بل تمتد إلى سمعة المقصد نفسه، فالسائح الذي يواجه روائح الصرف أو طرقا متهالكة أو مياها منقطعة ينقل تجربة سلبية تعجز الدعاية الرسمية عن محوها.
وبناء على ذلك، تبدو استجابة الأجهزة التنفيذية متأخرة قياسا بحجم التحذيرات، لأن تخصيص 250 مليون جنيه لخط طرد جديد لا يمحو مسؤولية ترك الخط القديم يعمل حتى بلغ مرحلة العجز.
كذلك، فإن رصد أكثر من 150 مليون جنيه لإحلال محطة المعالجة وتجديدها يمثل اعترافا واضحا بعمق الخلل، لكنه يظل وعدا ماليا ما لم يرتبط بجدول معلن وتنفيذ يستطيع السكان مراقبته.
ولهذا، يتطلب إنقاذ البيئة وقفا فوريا لمصادر التسرب، وفحصا مستقلا للتربة والمياه الجوفية والشاطئية، ونشر النتائج للرأي العام، بدلا من الاكتفاء ببيانات عن مشروعات مستقبلية بعد تفاقم احتمالات الضرر القائم.
مرافق تستنزف السكان
في المقابل، تتكرر انقطاعات مياه الشرب بأحياء حيوية، فتدفع المواطنين وأصحاب الفنادق الصغيرة إلى شراء المياه عبر سيارات الفنطاس بأسعار مرتفعة، وكأن الحصول على خدمة أساسية أصبح ضريبة تفرضها المرافق المتراجعة.
وعلاوة على ذلك، تتحمل المنشآت الصغيرة كلفة التخزين والنقل، بينما تمتلك الفنادق الأكبر قدرة أوسع على مواجهة الأزمة، ما يخلق منافسة غير عادلة ويدفع المشروعات المحدودة إلى تقليص الخدمة أو رفع الأسعار.
وبحسب الدكتور إلهامي الزيات، الرئيس الأسبق للاتحاد المصري للغرف السياحية، فإن جودة المقصد لا تقاس بجماله الطبيعي وحده، وإنما بكفاءة الخدمات واستقرار المرافق، لأن الأعطال تضعف رضا الزائر وفرص عودته.
وفي السياق نفسه، تكشف شكاوى ضعف إنارة الطرق الفرعية وتأخر الرصف أن الأزمة ليست عطلا منفردا، بل نمط إدارة يعالج المرافق بعد تدهورها، ولا يمنح الصيانة الوقائية أولوية تناسب مدينة سياحية.
أما ليلا، فتتحول الإضاءة الضعيفة والحفر إلى مخاطر على المشاة والسائقين، وتتسع المشكلة داخل المناطق الأقل حظا من التطوير، بما يعمق شعور السكان بأن الواجهات السياحية مقدمة على احتياجاتهم اليومية.
نتيجة لذلك، تتضرر صورة دهب كوجهة هادئة وآمنة، إذ لا يستطيع القطاع السياحي تعويض قصور المياه والصرف والطرق، مهما أنفق على منشآته، لأن تجربة الزائر تبدأ من الشارع قبل الفندق.
ومن ثم، يصبح حديث المحافظة عن الميزانيات ناقصا ما دامت لم تعلن مراحل التنفيذ ومواعيد التسليم ونسب الإنجاز والجهات المسؤولة، فالأموال المخصصة ليست إنجازا، والمحاسبة تبدأ من النتائج الفعلية على الأرض.
لهذا السبب، يجب أن تشمل الخطة انتظام المياه وتأهيل الطرق وتحسين الإنارة، مع آلية سريعة لتلقي شكاوى السكان والمنشآت وإعلان زمن الاستجابة، بدلا من ترك المتضررين أمام حلول فردية باهظة.
رقابة غائبة ومساءلة مؤجلة
من ناحية أخرى، يعكس انتقال الأزمة إلى البرلمان فشل المتابعة المحلية في احتوائها مبكرا، إذ لم تظهر طلبات الإحاطة والأسئلة العاجلة إلا بعدما اتسعت الشكاوى وبدأ الخطر يهدد الاستثمارات والسمعة السياحية.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير السياحي عاطف عبد اللطيف، عضو جمعيتي مستثمري جنوب سيناء ومرسى علم، أن المقاصد الشاطئية تحتاج مرافق مستقرة، لأن القصور المتكرر ينعكس سريعا على الإشغال والاستثمار.
ومع ذلك، لا تكفي التحركات البرلمانية إذا انتهت إلى ردود حكومية عامة، بل ينبغي إلزام المحافظة وشركات المرافق بخريطة تنفيذ محددة، تتضمن مواعيد واضحة ومؤشرات تقيس تحسن الخدمة لا الإنفاق المعلن.
في الوقت ذاته، تحتاج المشروعات الجديدة إلى رقابة بيئية وفنية مستقلة، حتى لا يتحول خط الطرد ومحطة المعالجة إلى جولة أخرى من التأخير أو التنفيذ المعيب، بعدما دفعت المدينة ثمن الحلول البدائية.
فضلا عن ذلك، يجب إشراك السكان وأصحاب المنشآت وجمعيات البيئة في متابعة الأعمال، فهم الأقدر على رصد التسرب والانقطاع والطرق الخطرة، كما أن الشفافية تقلل فرص إخفاء التعثر خلف البيانات والوعود.
وعليه، تتحمل أجهزة جنوب سيناء مسؤولية حماية الشعاب قبل وقوع الضرر، عبر قياسات دورية معلنة لجودة المياه، وتشديد الرقابة على التخلص من الصرف، ومحاسبة أي منشأة أو جهة عامة تتسبب في التلوث.
وأخيرا، لن تستعيد دهب بريقها بميزانيات ورقية أو جولات عابرة، وإنما بشبكة صرف مكتملة ومياه مستقرة وطرق آمنة ورقابة علنية، مع محاسبة المسؤولين عن التأخير الذي وضع جوهرة سيناء أمام الإهمال.

