كشف تجمد مشروع ترميم مبنى كلية طب الفم والأسنان بجامعة القاهرة منذ 2021 عجزا حكوميا ممتدا عن حماية صرح تاريخي وتعليمي، بينما تتضخم كلفة استكماله وتتزايد المخاوف بشأن سلامة الطلاب والمرضى.

 

وفجر السؤال البرلماني الذي قدمته النائبة صافيناز طلعت مواجهة رقابية مع الحكومة، بعدما مرت أكثر من 5 سنوات دون تقدم معلن يوازي عمر المشروع أو يكشف أين ذهبت الاعتمادات ومن يتحمل مسؤولية تعطيله.

 

وبينما تطلب الجامعة تمويلا لاستكمال الأعمال، لم تقدم الجهات المختصة بيانا شاملا يحدد نسب التنفيذ أو الأموال المطلوبة والمعتمدة والمصروفة، بما يحول مشروع الإنقاذ إلى ملف غامض مفتوح على الهدر وزيادات جديدة.

 

ورغم القيمة المعمارية للمبنى القديم في المنيل، فإن غياب جدول تنفيذي ملزم أبقاه رهينة إجراءات الإسناد ونقص التمويل والخلافات التعاقدية، بدلا من معاملته كمنشأة تستقبل أعدادا كبيرة من الطلاب والمرضى.

 

وعليه طالبت طلعت بكشف الشركات المسند إليها التنفيذ ومواقفها التعاقدية، وتقديم تقارير هندسية حديثة تثبت سلامة المبنى، وتحديد مسؤولية الجامعة والوزارات والجهات الممولة عن كل مرحلة تأخير منذ إدراج المشروع.

 

 

تراث تحت الخطر

 

بحسب المعماري الاستشاري أحمد الزيات، يرتبط نجاح ترميم المباني التاريخية بفهم قيمتها وإعادة توظيفها دون طمس هويتها، وهو معيار يجعل استمرار التعطل تهديدا للمبنى لا مجرد تأجيل لمشروع إنشائي عادي.

 

ويوضح هذا المبدأ أن التدخل المتأخر قد يوسع نطاق التلف ويرفع صعوبة المعالجة، خصوصا عندما يظل المبنى مستخدما تعليميا وعلاجيا، بما يفرض فحوصا دورية وإجراءات حماية عاجلة تسبق استكمال التطوير الشامل.

 

وعمليا لا تكفي تطمينات عامة بشأن السلامة الإنشائية، إذ يحتاج المبنى إلى تقرير معلن يحدد حالة العناصر الحاملة ومناطق الخطورة وخطة الإخلاء، ويبين ما إذا كان استمرار استقبال الطلاب والمرضى آمنا.

 

وفي المقابل يكشف غياب تلك البيانات أن الرقابة بدأت بعد تراكم الأزمة، لا منذ ظهور الانحراف عن البرنامج، وهو ما سمح بتبادل المسؤولية بين الجامعة والجهات الحكومية والشركات دون محاسبة واضحة.

 

والأسوأ أن المبنى ليس أثرا معزولا، بل جزء من خدمة عامة تأسست جذورها عام 1927، ولذلك فإن تعطيله يبدد قيمة تاريخية ويضغط بالتزامن على التعليم السريري والعلاج المجاني المقدم للمواطنين.

 

 

فاتورة تتضخم يوميا

 

اقتصاديا تسببت تحركات سعر الصرف وارتفاع أسعار مواد البناء والتجهيزات الطبية في توسيع الفجوة بين تقديرات 2021 والكلفة الحالية، لكن تلك المتغيرات لا تعفي الجهات المسؤولة من تفسير سنوات الجمود.

 

وفي سياق المشروعات المتعثرة، حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من تمويل مراحل سابقة عبر تدفقات لاحقة، وطالب بربط المدفوعات بالتنفيذ الفعلي، وهو مبدأ يبرز ضرورة ضبط مخصصات المشروع وقياس الإنجاز.

 

ونتيجة لذلك لم يعد السؤال محصورا في موعد التسليم، بل امتد إلى مقدار المال العام الذي فقد قيمته، وحجم الأعمال التي كان يمكن إنجازها قبل موجات الغلاء، ومن استفاد من إبقاء العقود معلقة.

 

كذلك تثير المطالبات بتعديل العقود وحساب فروق الأسعار ضرورة فحص شروط الإسناد، ومدى توقعها للمخاطر، وما إذا كانت الجهات المنفذة التزمت بالجداول الأصلية قبل مطالبتها بزيادات تتحملها الموازنة العامة في النهاية.

 

وفي غضون ذلك تحتاج الحكومة إلى نشر كشف سنوي يبدأ من 2021، يتضمن تقدير الكلفة والاعتمادات المطلوبة والمتاحة والمصروفة ونسبة التنفيذ، مع بيان أسباب كل انحراف والقرارات المتخذة لمواجهته بدقة.

 

وبالتبعية يجب ألا تتحول زيادة الأسعار إلى مبرر مفتوح لتمديد المشروع، بل إلى أساس لإعادة جدولة شفافة مرتبطة بمراحل تسليم قابلة للقياس، وعقوبات واضحة عند التقاعس أو تعطيل الأعمال دون سند.

 

ومن ناحية أخرى يكشف استمرار الغموض ضعف التنسيق بين جامعة القاهرة والجهات الممولة، لأن المشروع ظل سنوات بلا تمويل كاف أو حسم تعاقدي، رغم أن مخاطره تمس منشأة خدمية ذات كثافة يومية.

 

فضلا عن ذلك فإن أي اعتماد إضافي بلا مراجعة مستقلة قد يكرر أسباب التعثر، لذلك تظل المحاسبة السابقة على التمويل الجديد ضرورية لحماية المال العام وضمان عدم تضخم الفاتورة مرة أخرى.

 

 

تكدس يضرب التدريب

 

تعليميا أدى تأخر التسليم إلى زيادة الضغط على المباني البديلة وتقليص المساحات المتاحة للتدريب، بما ينعكس بصورة مباشرة على استيعاب طلاب البكالوريوس والدراسات العليا، ويحد من قدرة العيادات على استقبال المرضى.

 

ويحذر نقيب أطباء الأسنان إيهاب هيكل من تضخم أعداد الطلاب والخريجين بما يفوق احتياجات السوق وإمكانات التدريب، وهو تحذير يجعل تعطيل مبنى تعليمي رئيسي عاملا إضافيا في تعميق الاختلال.

 

وعلى الأرض يحتاج طالب طب الأسنان إلى مقعد علاجي وتجهيزات ومريض وتدريب مباشر، ولذلك لا يمكن تعويض فقدان المساحات السريرية بمحاضرات نظرية أو نقل الأعداد المتزايدة إلى مبان مكتظة.

 

وإلى جانب الضرر التعليمي، يدفع المرضى ثمن التعثر عبر انخفاض الطاقة العلاجية المجانية، في منطقة يقصدها محدودو الدخل للحصول على خدمات يصعب تحمل أسعارها داخل العيادات الخاصة في كل يوم.

 

ومن ثم يصبح إنقاذ المبنى جزءا من حماية حقين متلازمين هما جودة تعليم الطبيب وإتاحة العلاج للمواطن، وليس مشروعا تجميليا يمكن تأجيله كلما ضاقت الاعتمادات أو تعقدت الإجراءات في النهاية.

 

أما المسار الجاد فيبدأ بتقرير هندسي عاجل وجدول معلن وتمويل محدد، ثم نشر نسب الإنجاز دوريا أمام البرلمان والرأي العام، مع تسمية الجهات التي عطلت التنفيذ ومساءلتها كاملة عن الخسائر.

 

وأخيرا يضع الملف الحكومة أمام اختبار واضح، فإما إنقاذ أقدم صرح لطب الأسنان في المنطقة بموعد ملزم وكلفة معلنة، وإما استمرار التجميد حتى يتحول التأخير الإداري إلى خسارة تعليمية وتاريخية باهظة.