كشف تباهي وزير الصحة خالد عبد الغفار بوصول الإنفاق إلى 400 مليار جنيه فجوة بين أرقام الموازنة وتجربة المرضى، حيث تختبر الخدمة عبر سرير وطبيب حاضر ودواء لا عبر البيانات.

 

وبينما يقارن الوزير الرقم بقيمة 32 مليار جنيه عام 2014، تتجاهل المقارنة الاسمية التضخم وتراجع الجنيه وارتفاع أسعار الدواء والتجهيزات، ما يجعل تضخم المخصصات أقل دلالة من قدرتها الشرائية الفعلية.

 

في المقابل، لا تجيب المليارات المعلنة عن سؤال التوزيع، فالموازنة تشمل أجورا واستثمارات وجهات متعددة، ولا تعني أن المبلغ وصل إلى مستشفيات وزارة الصحة أو تحول إلى خدمة منتظمة لكل مريض.

 

وفوق ذلك، تكشف الزيارات المفاجئة زحاما ونقصا في الأطباء وغيابا عن مواقع العمل، وهي اختلالات لا تجملها أرقام الإنفاق ما دام المواطن ينتظر طويلا ساعات قبل الكشف أو تلقي العلاج.

 

من ناحية أخرى، سجلت البيانات الرسمية انخفاض عدد الأطباء البشريين بالقطاع الحكومي إلى 120 ألفا و400 طبيب خلال 2024، بتراجع 1 فاصل 7 بالمئة، رغم نمو السكان واتساع الطلب على الطوارئ والتخصصات الدقيقة.

 

وعليه، يصبح معيار النجاح تقليص قوائم الانتظار وتوفير النوبتجيات والأدوية والمستلزمات، لا استعراض رقم منفصل عن زمن الخدمة ونسب الإشغال وشكاوى المرضى ومعدلات الغياب والاستقالات والاعتداءات داخل المستشفيات الحكومية أيضا.

 

لهذا، يفتح حديث الوزير باب المحاسبة عن العائد الصحي لكل جنيه، وعدد الأطباء الذين استبقتهم المنظومة، والأسرة التي دخلت الخدمة، والأصناف التي اختفت، والمرضى الذين اشتروا مستلزمات علاجهم خارجها بأنفسهم.

 

 

مليارات بلا أثر ملموس

 

يرى الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن المواطن لا يحصل على حقه الكامل في الرعاية، وأن إصلاح القطاع يتطلب تغيير التمويل والإدارة لا مجرد تبديل المسؤولين.

 

وبحسب خليل، لا تقاس كفاية الإنفاق بقيمته المطلقة، بل بنسبته إلى الناتج ووزنه الحقيقي بعد التضخم، وبقدر ما يضمن علاج الفقراء ويحمي الأسر من الدفع المباشر والاستدانة طويلا عند المرض.

 

إضافة إلى ذلك، يثير تعدد الأرقام المعلنة للقطاع شكوكا حول حدود ما يدخل في الحساب، خصوصا عند جمع مخصصات جهات مختلفة، بينما تبقى حصة المستشفى الحكومي أقل وضوحا للمواطن والرقابة العامة.

 

في السياق نفسه، يؤدي توجيه جانب كبير للأجور والإنشاءات دون تشغيل كاف إلى مبان مجهزة جزئيا أو أجهزة بلا أطقم، فتظل الطاقة النظرية منفصلة عن ساعات العمل وقدرة الاستقبال اليومية.

 

بناء على ذلك، تحتاج الوزارة إلى نشر تفصيل واضح للمصروفات والنتائج في كل محافظة، يشمل تكلفة الخدمة وأعداد المنتفعين ونسب توافر الدواء والكوادر، لاختبار ادعاء التحسن بعيدا عن لغة الاحتفال.

 

على الجانب الآخر، لا يعفي ضعف الإدارة العاملين المتغيبين من المسؤولية، لكنه يلزم الوزارة بمعالجة أسباب الغياب ومراقبته وضمان البدائل، بدلا من ترك المرضى أمام عيادة مغلقة وتحميل الطبيب وحده انهيار النظام.

 

 

كوادر تغادر ومستشفيات تختنق

 

يحذر الدكتور خالد أمين، الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، من عجز في تخصصات حرجة بينها التخدير والمخ والأعصاب، مؤكدا ضرورة ربط توزيع الأطباء باحتياجات المستشفيات الفعلية لا برغبات التخصص وحدها.

 

ووفقا لبيانات قدمها أمين، سجل نحو 12 طبيبا يوميا أنفسهم للعمل الحر خلال 2024، في مؤشر على استمرار مغادرة الوظائف الحكومية بسبب الأجور الضعيفة وضغط العمل ونقص التدريب وبيئة الممارسة.

 

إلى جانب ذلك، يحول نقص الأطقم أقسام الطوارئ إلى نقاط احتكاك، إذ يصل المريض غاضبا من الانتظار وغياب التفسير، بينما يعمل الطبيب تحت ضغط أعداد تفوق القدرة وبموارد لا تكفي.

 

في الوقت ذاته، لا يجوز تبرير الاعتداء على الأطباء أو تمزيق الملفات أو تصوير المرضى والعاملين قسرا، كما لا يجوز استخدام التجاوزات ذريعة لإغلاق الشكاوى المشروعة المتعلقة بالإهمال أو الغياب.

 

ثم إن تحميل المرضى وحدهم مسؤولية المشاجرات يتجاهل دور الزحام وسوء تنظيم الدور ونقص الأمن وضعف التواصل، وهي عوامل تصنع التوتر قبل انفجاره وتحتاج مسارات شكوى سريعة وحماية متوازنة للطرفين.

 

من ثم، يتطلب وقف النزيف رفع الأجور وتحسين التدريب وتأمين الطوارئ وتطبيق جداول حضور قابلة للمراجعة، مع إعلان العجز بكل تخصص ومستشفى وتقديم حوافز للمناطق النائية بدلا من سد الفراغ بالتكليفات.

 

 

الدواء غائب والفاتورة حاضرة

 

يؤكد محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، استمرار نقص أصناف رغم تراجع حدة الأزمة، بعدما تلقت مؤسسته استغاثات تتعلق بأدوية الأورام والكلى داخل مستشفيات حكومية خلال فترات سابقة.

 

كذلك، ربط فؤاد تعثر توريد بعض الأصناف بتراكم مستحقات شركات الدواء لدى هيئة الشراء الموحد، ما يكشف أن اعتماد الأموال لا يضمن وصول العلاج فعليا إذا تعطلت المدفوعات وسلاسل الإمداد.

 

فضلا عن ذلك، يدفع غياب الصنف المجاني المريض إلى الصيدليات الخاصة، وقد يضطره لشراء بديل أغلى أو تأجيل الجرعة، فتنتقل كلفة العجز من الموازنة العامة إلى جيب أسرة فقيرة منهكة.

 

ومع ذلك، لا تكفي بيانات توافر الدواء على المستوى القومي، لأن وجود المخزون في مستودع مركزي لا يعني وصوله فعليا إلى عيادة قرية أو قسم أورام في موعد الجرعة المحدد.

 

بالمثل، يكشف نقص المستلزمات مشكلة موازية، فالقفازات والحقن وأدوات العمليات والتحاليل قد توقف خدمة كاملة، حتى لو توافر الطبيب والجهاز والدواء، وتحول العلاج المجاني إلى قائمة مشتريات يتحملها المريض بنفسه.

 

أخيرا، لا يثبت رقم 400 مليار جنيه نجاح المنظومة ما لم تنخفض الشكاوى والانتظار والنواقص والهجرة والاعتداءات، وينبغي للوزارة نشر مؤشرات قابلة للتحقق، لأن صحة المصريين ليست مسابقة في ضخامة الأرقام.